طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 126

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 126

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 126، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على القائلين بقدم العالم والمعتزلة والجهمية

يناقش ابن القيم آراء القائلين بقدم العالم والمعتزلة والجهمية ويبين تناقضهم في نفي الإرادة الإلهية. يظهر المقطع كيف رد ابن القيم على مزاعمهم بأن الحوادث تسلسل ولا إرادة لله فيها.

التعطيل والتشبيه في الصفات الإلهية وآثاره

يتناول انتقاد المعتزلة لتعطيلهم صفات الله تعالى وتشبيههم إياه بالجمادات. يبين أن إثبات الصفات لله يجب أن يكون من غير تحريف ولا تعطيل.

نقد مذهب المعتزلة في نفي التعليل عن أفعال الله

يتناول نقد ابن تيمية لمذهب المعتزلة الذي ينفي التعليل عن أفعال الله ويبين أن هذا المذهب يؤدي إلى تشبيه أفعال الله بأفعال السفهاء. يؤكد أن أفعال الله لها علل وحكم تليق بكماله وعظمته.

أهمية اتباع الدليل في إثبات التوحيد

يؤكد على أهمية اتباع الدليل من الكتاب والسنة وسلف الأمة في إثبات التوحيد والأصول. يبين أن ذلك لا يخالف العقل الصحيح وأن كل الأدلة تثبت هذه المبادئ الأساسية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «طريق الهجرتين»، في معرض رده على كلام الرازي: قال رحمه الله تعالى: وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه عن قيام الإرادات والأفعال المتجددة به، ثم جعلوا جميع الحوادث لازمةً له، لا ينفك عنها، ونزهوه عن إرادته لخلق العالم، وأن يكون صدوره عن مشيئته وإرادته، وجعلوه لازمًا لذاته، كالمضطر إلى صدوره عنه. ومعنى زعموا أن الحوادث تسلسل ولابد وتتجدد، وليس للرب الخالق إرادة في إيقافها أو في اختيارها، زعمًا منهم أن هذا هو اللازم، بما ظنوه في أمر خلق هذا العالم. وهذا باطل؛ لأنهم اعتقدوا أولاً، ثم استدلوا ثانيًا. فلما قالوا بقدم العالم وقدم الحوادث، لزموا ذلك في حق الرب سبحانه وتعالى. هذا لمن أثبت وجود الرب منهم، كالفلاسفة المسلمين والكتابيين. وأما فلاسفة اليونان، فأكثرهم ملاحدة ووثنيون، فهم يعبدون الأفلاك والأوثان. ومن اغتر بطريقتهم من فلاسفة أهل الكتاب، ثم من تشبه بهم من فلاسفة المسلمين، خلطوا بين فلاسفة الملحدين وعقيدة أهل الإيمان أتباع الرسل، فأرادوا أن يخلطوا بين الأمرين، فخرجت عقيدة جديدة، بعيدة كل البعد عما جاءت به الرسل، عليهم الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وكذلك المعتزلة والجهمية نزهوه عن صفات كماله، لألا يقعوا في تشبيه، ثم شبهوه بخلقه في أفعاله، وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم، وقبح ما يقبح منهم، مع تشبيهه بها في سلب صفات كماله بالجمادات والناقصات. فإن من فر من إثبات السمع والبصر والكلام والحياة له، لألا يشبهه يعني بشيء من المخلوقات، فقد شبهه بالأحجار التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم. ولذلك يقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. وإذا قيل لهم: كيف تثبتون ربًا لا يسمع ولا يبصر؟ فتثبتون له مخلوقات أكمل منه. فيقولون: نحن نجعل للرب كمالًا، ومن كماله أنه سميع بذاته، بصير بذاته. فإذا قيل لهم: فسروا لنا بصير بذاته، سميع بذاته، لم يجدوا تفسيرًا لذلك؛ لأن نهاية قولهم هو التعطيل. عطلوا الرب سبحانه وتعالى عن صفاته، فشبهوه -كما قال رحمه الله- بالجمادات. فهم يثبتون صفة في غير وجود، كأنهم يقولون: يسمع بغير حاجة إلى أن يسمع، إذن كيف يسمع؟ فيقولون: لا تسأل كيف. فنهاية الأمر: عطلوا صفة السمع، وعطلوا صفة البصر، وعطلوا سائر الأسماء والصفات. وهذا هو قولهم: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، إلى آخره. أو يقولون أحيانًا: سميع بذاته، بصير بذاته، وهو تعبير آخر للمعتزلة. قال: ومن عطله عن صفة الكلام لم يلزم من تشبيه يزعمه، فقد شبهه بأصحاب الخرس والآفات الممتنع منهم الكلام. يعني زعمهم أن ننفروا من التشبيه بتعطيل الكلام وقعوا في أعظم منه، ففروا من شيء يظنونه شرًا، فوقعوا فيما هو شر أكبر منه، وزعموا أنهم يريدون التنزيه، فوقعوا في التعطيل. قال رحمه الله: من نزهه عن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ودنوه عشية عرفة من أهل الموقف، ومجيئه يوم القيامة للقضاء بين عباده، فرارًا من تشبيه بالأجسام، فقد شبهه بالجماد الذي لا يتصرف ولا يفعل ولا يجيء ولا يأتي ولا ينزل. والصواب: أننا نثبت ما أثبت الله لنفسه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فالقول في الصفات فرع عن القول في الذات. فكما أننا نثبت ذاتًا لا كالذوات، بل ذات تليق بجلاله وعظمته، فكذلك يجب أن نثبت لله عز وجل صفات لا كالصفات، تليق بجلاله وعظمته. وإلا يلزم من نفي الصفات نفي الذات، تنزيهًا أن لا يشابه الخالق المخلوق. فإذا كان هذا منتهاه الإلحاد ونفي وجود الرب، فكذلك نفي الصفات منتهاه التعطيل ونفي كمال الرب. فشبه الرب بالجمادات، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال رحمه الله: من نزهه عن أن يفعل لغرض أو حكمة أو لداع إلى الفعل، حذرا من تشبيه بالفاعلين لذلك، فقد شبهه بأهل السفه والعبث الذين لا يقصدون بأفعالهم غاية محمودة ولا غرضًا مطلوبًا محبوبًا. كون أننا نثبت لله عز وجل الحكمة والتعليل في أفعاله سبحانه وتعالى، لا يقتضي ذلك نقصًا، بل هو الكمال الذي يجب أن يكون لله عز وجل؛ إذ أفعاله سبحانه وتعالى كلها لحكم. وزعمهم أن ذلك يوجب التشبيه بأفعال الفاعلين -يعني الذين يفتقرون إلى علل وحكم لأفعالهم حتى تصير صوابًا- فيقال: هذا عين الخطأ؛ لأن المقصود هو إثبات المسميات، لا تشابه الحقائق. فكما أننا نثبت للمخلوق علمًا، ونثبت لله علمًا، لكن علم المخلوق يليق بنقصه، فعلم الخالق يليق بماذا؟ بكماله سبحانه وتعالى. فكذلك نثبت لله عز وجل أفعالاً لها علل وأحكام تليق بكمال الله عز وجل وعظمته، وللمخلوقين أفعالاً يتفاوتون في حكمها تفاوتهم في كمالهم النسبي. وليس في هذا شيء من المنقصة في حق الله عز وجل؛ لأن ذلك بما يليق بجلال الله وعظمته. قال رحمه الله: فقد شبهوا بأهل السفه والعبث الذين لا يقصدون بأفعال غاية محمودة ولا غرضًا مطلوبًا محبوبًا. بل أعظم من هذا: ليس فقط شبهوا أفعال الرب بإفعال أهل السفه حين نفوا الحكم والتعليل، بل زادوا على ذلك أن جعلوا ربًا لا يحسن الخلق. وهذا يكذبه الحس والفطرة والعقل والشرع. بل من تأمل في أفعال الله عز وجل ومخلوقاته وجدها في غاية الإحكام والإتقان، والذي يدل على كمال حكمته وعظيم خلقته. فكيف بعد هذا ينفى هذا عن الرب العظيم سبحانه؟ قال: ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرفه فيهم بالهداية والإضلال، وتخصيص من شاء منهم بفضله أو منعه لمن شاء، حذرا من الظلم بزعمه، فقد وصفه بأقبح الظلم والجور؛ حيث يتخلص في أطباق النيران من استنفذ عموره كله في طاعته، إذا فعل قبل الموت كبيرة واحدة، فإنها تحبط جميع تلك الطاعات وتجعلها هباءً منثورًا، ويخلط في جهنم مع الكفار، ما لم يتب منها. إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة -يعني أصول المعتزلة القائلين بكفر فاعل المعاصي وتارك الطاعات- وهذا فاسد شرعًا وعقلاً. بل أدلة الكتاب والسنة أن مثل هذا عنده من الحسنات ما قد تجبر السيئات. ثم كذلك هو إلى رحمة الله، وإن دخل إلى النار بعدله سبحانه وتعالى؛ فإن مقتضى عدله أن يعذب بقدر ذنوبه لا أكثر من ذلك، ما دام أن أصل الإيمان موجود. قال رحمه الله: فهذا وأمثاله فروا منه -يعني فوقعوا فيما هو أعظم منه كفرًا وضلالاً- فأرادوا تنزيه الرب، فوقعوا في اتهام الرب العظيم بالظلم، وهو أعظم من ذاك التنزيه الذي طلبوه. قال: ﴿وَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وذلك باتباعهم الدليل: الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. وذلك لا يخالف العقل الصحيح، بل كل الأدلة تثبت هذه التوحيد والأصول. وإلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.