طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 128

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 128

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 128، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في علامات السعادة والشقاوة

يشرح الشيخ ابن بريك كيف أن الابتلاء قد يكون نعمة أو نقمة بحسب استجابة العبد. الرجوع إلى الله في الابتلاء علامة على السعادة.

أقسام الناس في مواجهة السراء والضراء

يناقش المقطع أربعة أقسام من الناس في التعامل مع السراء والضراء، حيث يبين أن خيرهم من يبقى بين الشكر والصبر. البلاء يمكن أن يكون سببًا للتوبة والرجوع إلى الله.

حكمة الله في الابتلاء والتعامل معه

الابتلاء قد يكون خيرًا للعبد الصالح الذي يتعامل معه بإحسان، فيرده إلى الله ويصلح ما عنده من خلل. الابتلاء يحمي العبد من العجب والغرور.

ختام وتأكيد على العلم الإلهي

المقطع يشير إلى أن الله تعالى هو الأعلم بكل شيء، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طريق الهجرتين: «قاعدة: إذا ابتل الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن، فإن رده ذلك الابتلاء والامتحان إلى ربه، وجمعه عليه وطرحه ببابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، والشدة بتراء لدوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع، وقد عوض منها أجل عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائًا عنه، وانطراحه على بابه وقد كان عنه معرضًا، وللوقوف على بواب غيره متعرضًا، وكانت البلية في حق هذا عين النعمة، وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه، فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب، وقوله تعالى في ذلك: ﴿هُوَ الشِفَاءُ وَالْعِصْمَةُ﴾، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وإن لم يرده ذلك البلاء إليه -وهذه الحالة الثانية- إن رده إلى الله فقد استفاد من هذا البلاء، وإن لم يرده إلى الله فقد حرم الاستفادة من هذا البلاء. قال: وإن لم يرده ذلك البلاء إليه، بل شرَّد قلبه عنه وردَّه إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلُّل بين يديه والتوبة والرجوع إليه، فهو علامة شقاوته وإرادة شر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء ردَّه إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه، فجاء الطبيعة عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء، فلا هو بالذي صبر في الضراء فتضرع ورجع إلى الله، ولا بالذي هو شكر في السراء. فإذا القسمة رباعية: فإن من الناس منحاله في السراء والضراء بين الشكر والصبر، وهذا قد أكمل العبودية، فإن جاءه البلاء زاده ذلك شكرًا وصبرًا، فلا يزيده البلاء إلا قربًا من الله وانكسارًا بين يديه، لعلمه أن ما أصابه من مصيبة فبذنبه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقسم ثاني: من عنده غفلة في السراء فلم يشكر الله، فإذا أصابته الضراء كان ذلك سببًا لتذكيره، فرجع إلى الله تائبًا منكسرًا مخبتًا بعد أن كان عنده من الغفلة والعظمة، كسره البلاء فصار راجعًا تائبًا إلى الله، فرده الله عز وجل بالضراء إليه، فكان حاله بعد الضراء أحسن من حاله بعد السراء، هذا هو قول سبحانه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقسم ثالث: عنده غفلة في السراء، فإذا أصابته الضراء زاده ذلك بعدًا ونفورًا من الله سبحانه وتعالى، فهو ازداد حرمانًا وبعدًا من الله، وهذا الذي ذكره رحمه الله ها هنا. وقسم رابع: يرجع إلى الله في الضراء، وأعطاه الله من السراء ما كان سببًا لشكره بعد كفره، يعني ربما كان عنده من الضراء ما كان مدعاه إلى تسخط ما هو فيه، فأعطاه الله شيء من السراء فكان ذلك سببًا في شكر الله ورجوعه إليه. وخير هؤلاء الأربعة: الأول الذي لم يزل ولا يزال في السراء والضراء بين الشكر والصبر، ولا يزيده السراء إلا شكرًا، ولا يزيده الضراء إلا رجوعًا وصبرًا، فلذلك كان، وهذا هو الشاهد من ذكر هذه المسألة في مسائل القدر، أن ذكر هؤلاء بمثابة التذكير بأن بعض الشر ليس شرًا محضًا، بل فيه من الخير ما هو أعظم من الشر، مثل البلاء الذي يصيب الإنسان إذا جعله سببًا لتوبته وإنابته والرجوع إلى الله، فرجوع العبد إلى الله أعظم من المصيبة التي أصيب بها، كونه يختم له بحسن الخاتمة بعد توبته وإنابته ورجوعه، خير له من قليل زال منه من هذه الدنيا الفانية. قال رحمه الله تعالى: «فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعة وسلطان شهوته وضرِحي وضرِحه، فجاء الطبيعة عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء، فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل، وبالله التوفيق». الأمر كما ذكر رحمه الله تعالى، صارت البلية للأول خير، وصارت البلية للثاني زيادة شر، لكن من أين جاء هذا الشر؟ لا، إنما من موقف هذا العبد مع ما ابتلاه الله عز وجل به، فإن هو أحسن في التعامل مع البلاء فإنه يرده إلى الله ويصلحه. ولله حكم أخرى في هذه البلاية التي يصيب بها الله عز وجل العبد، فقد يكون العبد رجلًا صالحًا لكن نفخ الشيطان فيه، ولا يسلم الإنسان من نفخ الشيطان، فأصابه شيء من العجب والغرور، فإذا ابتلاه الله عز وجل بشيء من البلاء يكون فيه كسر عجبه وغروره، كان هذا خير له يرده إلى الله ويصلح ما عنده من خلل ومرض. ولذلك تجد الخطأ أحيانًا يقع من الكبير فيما لا يتوقع منه، وذلك فيه حكمة لأجل أن ينكسر هذا الكبير ولا يكون عنده من العجب والغرور والخروج عن معاني العبودية ما هو خير له. وأمر آخر: ألا يرفع فوق منزلته فيغتر به، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق مثل هذا المعنى لما سبقت ناقته عليه الصلاة والسلام، قال كلمة عظيمة هي بمثابة القاعدة، وهي أنه: «حق على الله ما ارتفع شيء إلا وضعه»، لماذا؟ حتى لا يغتر أحد بذاك المرتفع، ولا يغتر ولا يكون التعاظم وغير ذلك من المعاني التي تمرض صاحب الشأن وتمرض من حوله، وهذا فيه حكمة لله عز وجل، وغير ذلك من الحكمة الأخرى الكثيرة. فلذلك السعيد من انتفع بما افتري به، بما كان فيه تهذيب نفسه وإصلاح سريرته وإرجاع نفسه الأمارة بالسوء إلى حياض الإيمان والسنة والطاعة والتقوى والانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى، والموفق من وفقه الله. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.