طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 67

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 67

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 67، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شر القدرية وصفاتهم

تناول الإمام ابن القيم أقسام القدرية في كتابه 'طريق الهجرتين'، موضحًا صفات القدرية الإبليسية والمشركية. استشهد بآيات قرآنية تبين أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل.

الفرق بين القدرية المشركية والإبليسية في الاستدلال بالقدر

الآيات التي احتج بها القدرية هي حجة عليهم لا لهم، وانقسم الناس في فهمها إلى أربع فرق. الفرقة الأولى جعلتها حجة على الله وانقسمت إلى فرقتين: فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وفرقة صدقت بها.

الرد على الفرق الضالة حول القضاء والقدر وخاتمة

يناقش المقطع آراء الفرق الضالة حول القضاء والقدر ويبين ضلالها، مشيرًا إلى أن العذاب الإلهي يأتي نتيجة لأفعال العباد وأن الله عادل في عذابه، ويختتم بالتعبير عن العلم الإلهي والتبرك بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مرت معنا في دروس سابقة ما قرأناه وذكره الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «طريق الهجرتين». وكان آخر ما وقفنا عليه هو ما ذكره رحمه الله من سياق ذكره لأقسام القدرية، وذكر ثلاثة أقسام من أقسام القدرية، وهم القدرية النفاة المجوسية، والقدرية المشركية أو المشركة، والقدرية الإبليسية. ثم ذكر رحمه الله تبعًا لذلك أن شر القدرية الإبليسية، والمشركية أشد من شر القدرية النفاة. وعلمنا فيما سبق لماذا سموا بالقدرية المجوسية، ولماذا سموا بالقدرية الإبليسية، ولماذا سموا بالقدرية المشركة أو المشركية. فالأولى لأنهم شابهوا المجوس في زعمهم أن هناك خالقًا للخير وخالقًا للشر. والإبليسية لأنهم شابهوا إبليس فنسب الغواية إلى الله، وهو منزه سبحانه وتعالى عن ذلك. والمشركية أو المشركة لأنهم شابهوا المشركين في اعتقادهم، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في الموضع الذي وقفنا عليه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأما القدرية الإبليسية والمشركية، فكثير منهم منسلخ من الشرع، عدو لله ورسله، لا يقر بأمر ولا نهي». وتلك وراثة عن شيوخهم الذين قال الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فهذه أربعة مواضع في القرآن بيَّن سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل. وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق. أورد رحمه الله تعالى هذه الآيات بعد أن ذكر القدرية الإبليسية والمشركية، فهما فرقتان. وقد تقدم الكلام على هاتين الفرقتين في درس ودروس سابقة. ثم بيَّن رحمه الله أن كثيرًا منهم إن سلخ عن الشرع فصار عدوًا لله وللرسل، لا يُقِرُّ بأمر ولا نهي. عندنا هنا فرقتان: الإبليسية، وهم أتباع إبليس، هم الذين زعموا أنهم يُثبتون القضاء والقدر، ويُقِرُّون به، ويُثبتون الأمر والنهي، ولكنهم متناقضون فيه. إذ يزعمون أن فعل الله تعالى -الله عن قولهم علوًا كبيرًا- في تناقض، إذ يأمرهم بشيء ثم يُجري قدره الكون على خلاف الذي أمرهم به كما زعموا. وسموا بإبليسية لأنهم ماذا؟ نُسِبُوا إلى إبليس، حيث قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمِ﴾، فنسب الغواية إلى الله تعالى -الله عن قوله علوًا كبيرًا-. وهذه الفرقة من القدرية لم تكن في مشركي العرب، وإنما كانت في بعض من ضل من أهل الكتاب. أما المشركية أو المشركة، فهم الذين شابهوا المشركين في باب القدر، أقروا بالقضاء والقدر، ولكنهم أنكروا الأمر والنهي. فإذن الإبليسية والمشركية يتفقون جميعًا في عدم إقرارهم بالأمر والنهي، على التفصيل الذي سمعناه. ثم ذكر رحمه الله هذه الآيات الأربع، كما أشار رحمه الله. وهذه الآيات كما ترون في القدرية المشركية، وهي كذلك في القدرية الإبليسية. فتستطيع أن تقول: كل قدر مشركي هو إبليسي، وليس كل قدر إبليسي هو مشركي. فالقدرية المشركية يوافقون القدرية الإبليسية، ولكن ليس كذلك في القدرية الإبليسية مع القدرية المشركية. والآية الأولى كما نرى استدل المشركون -وهذا من احتجاجهم بالقدر على الوجه الباطل- على أن الله عز وجل لو شاء ما أشركوا لا هم ولا آباؤهم. وهذا من الاستدلال الباطل بالقدر. هم زعموا أنهم يقرون بالقدر، ولكنهم لم يقروا بالأمر والنهي فيه. فأجابهم الله كما نرى في الآية: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. مجادلة بالباطل، لا يتبين لهم ذلك بعد أن يأتيهم عذاب الله. فعند ذلك يعرفون أنهم احتجوا بشيء باطل. ثم قال رحمه الله: «أن هذه المواضع الأربعة في القرآن التي احتج بها القدرية المشركية وكذلك الإبليسية هي بالحقيقة حجة عليهم لا حجة لهم». وبين رحمه الله أن هذه الفرق افترقت أو افترق الناس في هذه الآيات إلى أربع فرق، كما سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق». الفرقة الأولى جعلت هذه الحجة حجة صحيحة، وأن للمحتج بها الحجة على الله. ثم افترق هؤلاء فرقتين. ومعناه أنهم وافقوا المشركين في ماذا؟ في الاحتجاج. بينما الله عز وجل إنما ذكر الآيات لماذا؟ لأن يبين ضلال المشركين في استدلالهم بالقدر، وأنه من الاستدلال الباطل والمحاجة بالباطل. فهم يستحقون العقوبة مرتين: الأولى لفعلهم للشرك والمعاصي، والثانية لأجل ماذا؟ استدلالهم بالقدر وإرادة الله وفعله الكون على ذلك. وهذه تستحق عقوبة ماذا؟ تستحق عقوبة أخرى. قال رحمه الله تعالى: «ثم افترق هؤلاء فرقتين: فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد». قوله: «افترق هؤلاء فرقتين» من يقصد هؤلاء؟ الضمير يعود لمن؟ الذين وافقوا المشركين في الاستدلال بهذه الآيات على القدر. قال: «فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلمًا، والله لا يظلم من خلقه أحدًا». وفرقة صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وقالت: «ليس ذلك بظلم، والله يتصرف في ملكه كما يشاء، ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذبه على فعله هو، سبحانه لا على فعل عبده، إذ العبد لا فعل له، والملك ملكه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون». فإن هؤلاء الكفار إن قالوا هذه المقالة التي حكاها الله عنهم استهزاء منهم، ولو قالوها اعتقادًا للقضاء والقدر وإسنادًا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم ينكر ذلك عليهم. ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة، إذ قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء، فيكون للمشركين على الله الحجة. وكفى بهذا القول فسادًا وبطلانًا. ثم بيّن افتراق هاتين الفرقتين، يعني وجه الخلاف بين الفرقتين. الفرقة الأولى كما بيّن رحمه الله من كذّب بالأمر والوعد والوعيد، وزعم أن الأمر والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلمًا، والله لا يظلم من خلقه أحدًا. وهذا يوافق قول من القدرية المشركية تمامًا. وأما الفرقة الثانية، صدّقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وهؤلاء هم الإبليسية. وقالت: «ليس ذلك بظلم، والله يتصرّف في ملكه كما يشاء، ويعذّب العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذّبه على فعله، وسبحانه لا على فعل عبده». الأول صحيح، الثاني هل هو صحيح؟ الفقرة الأولى صحيحة، يعني أن التصديق بالأمر والنهي والوعد الوعيد يجب أن يكون وهو كذلك. وأن الله يفعل ما يشاء وهو كذلك، لكن هل صحيح أن الله يعذّب العبد على ما لا صنع له فيه؟ هذا ليس بالصحيح، هذا كذب وافتراء على الله. هل صحيح أن الله يعذّب العباد على فعله وسبحانه؟ هذا كذلك كذب ليس بالصحيح. بل الله عز وجل إن عذّب عذّب بعدله، وإن أعطى وأكرم أكرم بماذا؟ بفضله سبحانه وتعالى. فتعذيبه لعباده بما كان منهم، بما كان ماذا؟ من شركهم وكفرهم. ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾. بكيف؟ بتكذيبهم وبشركهم وبكفرهم كان العذاب والبأس. إذن العذاب والبأس كان بسبب ماذا؟ التكذيب والكفر والشرك. وهذا هو فعل الله أو فعل العباد؟ هذا فعل العباد، ولكنه جرى بأمر الله الكوني، وليس بأمره ماذا؟ الشرعي. لماذا جرى بأمره الكوني؟ لأن الله عز وجل لا يكون في ملكه إلا ما يريد كونًا، وإلا فليس هو برب سبحانه وتعالى. والله بفعل ذلك حكمة منه وماذا؟ وعدلًا، لأجل أن يجازي كل عامل بعمله. وإلا إذا شاء كما قال الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، لو شاء الله ما أذن لأحد بالشرك، ولما كان الكفر، ولما كانت المعاصي. ولكن كيف يعذب من يريد المعصية إذا لم يفعل المعصية؟ فإذا فعل المعصية استحق ماذا؟ العقوبة والعذاب. وإذا فعل المشرك والكافر الشرك والكفر استحق العقوبة والعذاب. فإذا عاقبه وعدبه عاقبه وعدبه بماذا؟ بعدله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك ما بعده في قوله: «إذ العبد لا فعل له»، هذا كذب على الله وعلى الواقع. و«الملك ملكه»، أي ملك الله صحيح. و«ولا يسأل عما يفعله وهم يسألون»، هذا صحيح. وهكذا ما بعده منه ما هو صحيح يوافق الشرع، ومنه ما هو كذب على الله بل وكذب على الواقع. وهذا هو قول من الإبليسية، وهم المتناقضون في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «الفرقة الثانية جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة». إذ لو صحت المشيئة العامة، وكان الله عز وجل قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان، لكانوا قد قالوا الحق، وكان الله عز وجل يصدقهم عليه، ولم ينكر عليهم. فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب -يعني يتخرصون بالظن- معناه يقولون القول بالظن بالتخرص، وهذا لا يجوز في باب العقائد. القول بالخرص يجوز متى؟ إذا قلنا في العقائد في غير العقائد، في باب المعاملات، في بعض المواضع بشروط تجوز. قال: «فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب، ونفى عنهم العلم، دل على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح، وأنهم كاذبون فيه». إذ لو كان علمًا لكانوا صادقين في الإخبار به. ولم يقل لهم: «هل عندكم من علم»، يعني معناه أنه من التخرص والقول بالظن السيء. وكذلك هو قول باطل. قال رحمه الله: «وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر». وزعمت بها أنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة، بل ولا على أفعال الحيوانات. وأنه لا يقدر أن يضل أحدًا ولا يهديه، ولا يوفقه أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من الذنوب والكفر، ولا يلهم رشده، ولا يجعل في قلبه الإيمان، ولا هو الذي جعل المصلي مصليًا، والبر برًا، والفاجر فاجرًا، والمؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك. فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء، والعداوة بين الشرع والقدر. فالأولى تحيزت إلى القدر، وحاربت الشرع. والثانية تحيزت إلى الشرع، وكذبت بالقدر. والطائفتان ضالتان، وإحداهما أضل من الأخرى. وهو يشير بهذا إلى الفرقتين: الفرقة الأولى الإبليسية، ومن وافقهم من المشركية في جزئية من هذا. والفرقة الثانية وهم القدرية النفاة المجوسية. فهم الذين زعموا أن الله لا يقدر على أفعال العباد، أن الله لا يقدر على أفعال العباد. نقف إلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس اللاحق لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.