طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 108

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 108

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 108، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تأثير المخالطة على الأغذية والإنسان

شرح تأثير المخالطة على الأغذية والإنسان، حيث تتغير الأغذية الطيبة بمخالطتها لباطن الحيوان وتتأثر فطرة الإنسان بمخالطة من حوله. يبين كمال الله بذاته وأفعاله وسبب الشر في مخلوقاته.

تأثير البيئة والمجاورة على الطيب والخبيث

يشرح تأثير مجاورة الطيب والخبيث لبعضهما، ويحذر من مخالطة أهل السوء والبقاء في بيئة كافرة مستشهدًا بالأحاديث والآيات التي تنبه إلى خطورة الركون إلى الظالمين.

استغلال الفرد لما أعطاه الله من صفات وقدرات

ينبغي للإنسان استغلال شرع الله ليزن به ما يحقق كمال نفسه، واستغلال ما أعطاه الله من صفات وقدرات في الخير وتوجيه نفسه وأهله وولده وفق صفاتهم.

خاتمة وتسليم بقضاء الله

يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع التعبير عن التسليم بقضاء الله تعالى، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: المثال الثالث الأغذية الطيبة النافعة، إذا خالطت باطن الحيوان واستقرت هناك، خرجت عن حالتها التي خُلقت عليها، واكتسبت بهذه المخالطة والمجاورة خبثًا وفسادًا لم يكن فيها، لسلوكها في غير طرقها التي بها كمالها. ولما أنزل الله سبحانه الماء طاهرًا نافعًا، فمازج الأرض وسالت به أوديتها، أوجد جل جلاله بينهما، بسبب هذه المخالطة والممازجة، أنواع الثمار والفواكه والزروع والنخيل والزيتون والسائر الأغذية والأقوات. وأوجد مع ذلك المرَّ والشوك والحمضل وغير ذلك، واللقاح واحد، ولكن الأمة مختلفة. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ثم إنه سبحانه يصرِّف ما أخرجه من هذا الماء، ويقلِّبه ويحيلُ بعضه إلى بعض، وينقُل بعضه بالمخالطة والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعةٍ أخرى. وهذا كما خلق كل دابةٍ من ماء، ثم خالف بين صورها وقواها ومنافعها وأوصافها وما تصلح له، وأمشى بعضها على بطنه، وبعضها على رجلين، وبعضها على أربع، حكمةٌ بالغة وقدرةٌ باهرة. وكذلك سبحانه يقلِّب الليل والنهار، ويقلِّب ما يوجد فيه ماء، ويقلِّب أحوال العالم كيف يشاء، ويسلُك بذلك كله مسلك الحكمة البالغة التي بها يتم مراده، ويظهر ملكه، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. أفاد رحمه الله تعالى تثبيتًا لما سبق في هذا المثال الثالث، وتوضيحًا له، وتأكيدًا لما سبق في باب إضاح مسالك القضاء والقدر، وأن الله سبحانه وتعالى كاملٌ بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وما يكون في مخلوقاته من الشر، فإنه بسبب هذه المخلوقات، وما تُخالِط، أو كذلك، وما تفعل، أو بما تمرُّ به كذلك، من اختلاف الزمان والمكان الذي كان سببًا لتغييرها، تغيير طهارتها وكمالها وصفائها ونقائها الذي خلقها الله عز وجل عليها. ومرَّ معنا مثالان، ذكر مثالين، وهذا المثال الثالث في الأغذية الطيبة النافعة. الأغذية الطيبة النافعة بأصل خلقتها طيبة، فواكه وثمار وخضار، وأنواع المأكولات. فإذا خالطت باطن الحيوان، يعني دخلت إلى الجوف، فإنها تتغير، ويحصل لها بسبب هذه المخالطة ما يُغيرها، حتى يكون نهاية الخارج عذرة قذرة. ما هو الذي حول هذا الطيب إلى عذرة قذرة؟ الذي حولها مخالطتها في هذا المكان لأنواع من المخلوطات، مع ما مرت به، حتى كانت النتيجة هذه القذرة العذرة القذرة، أو هذا القذر. وهكذا كذلك بالنسبة للإنسان وأعماله، خلقه الله على الفطرة. فإذا خالط من يُغير هذه الفطرة، فإنه يتغير. حتى أنك تضع الشيء الطيب بجانب ما هو من جنسه، لكنه فيه شيء من الخبث، فينتقل هذا الخبث من الخبيث إلى الطيب. فإذا بالخلطة والمجاورة قد يدخل الخبث. فهذا الخبث جاء من فعل الله؟ الجواب: لا. وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليه». تضع التفاح الطيبة بجانب التفاح الخبيث، سرعان ما ينتقل الخبث من ماذا؟ من الخبيث إلى الطيب. وهكذا كذلك إذا وضعته في مكان طيب حفظ زمانًا طويلًا. وإذا وضعته في مكان سيء، فإنه لا يدوم بقاؤها طيبة. وهكذا كذلك إذا وضعت المؤمن في بيئة كافرة، فإنه مع الوقت سيتغير هذا المؤمن، ويضعف في إيمانه. ولهذا حذر الإسلام من البقاء في أرض المشركين والكافرين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بالحديث الصحيح: «إن المسلم والمشرك لا تترى نارهما». أي: يحذر من ذلك. وقال في أول حديث: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». لماذا؟ لأن المسلم ضعيف إذا جلس بين المشركين أثروا عليه وغيروه. إذا لم يتغير الجيل الأول، تغير الجيل الثاني أو الثالث، حتى يتحول أهل الإسلام إلى ماذا؟ إلى مرتدين وكفرة وملحدين. وهذا مشاهد، وأدلة وبراهين ذلك ظاهرة. بل حتى أهل السوء، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. الرُّكُون إلى الظَّالمين سبب في سيرك بسيرهم، وأخذك من أخلاقهم. فلذلك حذَّر ربنا سبحانه وتعالى من الرُّكُون إليهم، لا إلى أفعالهم وأقوالهم، ولا إلى أماكنهم، لأن كل ذلك يؤثر عليه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». فلابد أن يعطيك واحد من ثلاث. من تجالسه لابد أن يعطيك واحد من ثلاث. فإن كان طيبًا، قال: إما أن يهديك، أو يحذيك، أو تجد منه ريحًا طيبة. وإن كان خبثًا وخبيثًا، فإما أن يحذق ثيابك، وإما أن يجيك من شرره ودخانه، وإما أن يكون آخر شيء الريح الخبيثة. وهكذا كذلك في النسبة للأجناس وغيرها. ثم ذكر رحمه الله ثلاثة أمور أخرى توضح وتجلي هذا، يعني كيف أن الله يخلق الشيء بأصله طيبًا، فإما أن يزداد طيبًا بما يخالط، وإما أن يزداد خبثًا بما يخالط. فالماء أصله طيب، فإذا خالط طيبة أشياء طيبة أخرج الطيبات. خالط الأرض الطيبة، وكذلك البذور الطيبة، فأنبتت أصناف الزروع والثمار النافع المفيد. وهكذا إذا كان الإنسان على الفطرة الصحيحة، وخالطه الدين المنزل، وما جاء من شرع الله، ومن وحيه في كتابه، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ازداد مع كماله كمالًا، ومع خيره خيرًا، وأثمر شيئًا نافعًا عظيمًا. وهكذا كذلك إذا العكس، فإنه يكون ماذا؟ بحسب ما يخالط. ولذلك الماء واحد، والناتج مختلف. فهذه شجرة زهور وثمار، وهذه شجرة حمضل وشوك. لماذا؟ الأول خالط بذورًا طيبة، والثاني خالط بذورًا ليست بطيبة. فهذا ثمرة هذا، وهذا ثمرة هذا. فمن عمل عملًا صالحًا، فهو حرث في أرض طيبة، وأثمر ثمارًا طيبة. ومن عمل عملًا سيئًا، فإنه حرث في أرض خبيثة، وأثمرت كذلك لابد ثمارًا خبيثة. وهكذا. وكذلك ذكر رحمه الله أمرًا آخر، وهو أن الزمان والمكان، وما يجعل الله عز وجل في هذه الطبيعة، يكون سببًا في تغيير ما أنزل الله من مخلوقاته سبحانه وتعالى. ولذلك ترون مثلًا بعض الأشجار تصلح في الصيف، وبعضها لا تزرع إلا في الشتاء، وبعضها لا تجدها إلا في الليل، وبعضها لا تجدها إلا في النهار، حتى يعني الحيوانات والأسماك ونحو ذلك. وكذلك بالنسبة لأحوال مخلوقات الله، وما عليه كذلك بن آدم. فخلق الله عز وجل المخلوقات بصفات مختلفة. فهذا قوي يصلح لأعمال القوية، وهذا ضعيف يصلح لا يصلح لأعمال القوية. وهذا عنده قابلية القوة الغضب، ويحتاج أن يحجب ويحجز هذا الغضب. وهكذا. ومعناه أن الإنسان ينبغي يستفيد من شرع الله ما يزن به ما يكون به كمال نفسه، وكمال كل ما يحب الله عز وجل فيه الكمال. كما أنك في الزروع لا تزرع التمر في الشتاء، ولا الحبوب في الصيف، إنما في وقتها. في الصيف ولا تزرع الشعير إلا في وقته. وكل شيء يزرع في وقته. وإذا زرعته بغير وقته، كنت كالمجنون، فإنك تضيع الوقت والمال، وتعبث كذلك بجهدك وقوتك. وكذلك من لم يعطى ما يمكن أن يوجه إليه، فينبغي أن يستخدم ما أعطاه الله فيما يكون به كماله وخيره. وكل ميسر لما خلق له، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذن كذلك ينبغي أن يستغل للإنسان ما أعطاه الله فيما يكون به نفعه. أعطاك الله مالًا، وجهه وصلحته في الخير. قوة كذلك، علما كذلك. ومما رزقناهم ينفقون كذلك. تجد من نفسك الغضب، اترك أسباب ما يثيرك، ولا تتولى ما يخرجك عن العدل والكمال الذي يحبه الله. وجدت في نفسك ضعفًا، فلا تتولى شيء يحتاج لقوة، حتى لا يحصل منك النقص والخلل في شيء لا تستطيع. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يولي أصحابه من الأعمال والمهام كل بحسب ماذا؟ ما يرى من صفاته عليه الصلاة والسلام. وكذلك ينبغي المسلم أن يفعل مع نفسه وأهله وولده. وبهذا يصل إلى الكمال الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. رب إنسان إن شغل بالعلم ما استطاع أن يقوم الليل، فلا يترك قيام الليل، إذن يفعله متى؟ في أول الليل، لا يترك، لكن يفعله في أول الليل. إنسان عنده قوة ونشاط، فلا يبخل على نفسه أن يقوم بالثلث الأخير من الليل. إنسان عنده قوة يستطيع يصوم، لا يبخل على نفسه بالصيام. وآخر عنده ضعف، إذن يجتهد في أبواب الخير الأخرى، ولا يحرم نفسه من أبواب الخير. هذه إشارة منه رحمه الله إلى مثل هذه المعاني. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.