طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 110

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 110

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 110، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

توحيد الإلهية ومفهومه وعلاقته بالباطل

يشرح الشيخ ابن بريك مفهوم توحيد الإلهية وأهميته في إظهار الحق، حيث يبين أن نفي الإلهية عن غير الله وإثباتها لله وحده هو من تمام التوحيد. كما يستدل من كلام الإمام ابن القيم على أن تكذيب أعداء الرسل يؤدي إلى ظهور براهين صدق الرسل.

حكمة الله في خلق الأضداد والأسباب المضادة للحق

يشرح المقطع حكمة الله في خلق الأضداد وترتيب الأسباب والمسببات، حيث يبين أن وجود الأضداد يساعد في إظهار الحق وإثباته، وأن وجود الشر النسبي هو سبب لمعرفة فضل الخير. كما يبين أن الله لم يخلق شرًا محضًا بل خلق كل خير.

الحكمة الإلهية من وجود الأسباب المضادة للحق وتأثيرها

يشرح المقطع الحكمة من خلق الأسباب المضادة للحق، حيث يبين أن المقصود منها هو بيان منزلة الحق وأهله، والأسباب الموصلة إليه. كما يشير إلى أن وجود هذه المضادة يظهر دلالات الحق وشواهده، وأن الله تعالى له حكمة في كل ما يحدث في أمره ونهيه وقدره وكونه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال ونظير هذا اجتمال كلمة الإسلام، وهي الشهادة أن لا إله إلا الله، على النفي والإثبات، فكان بالإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات وتحقيق معنى الإلهية، وتجريد التوحيد الذي يقصد بنفي الإلهية عن كل من ادعيت فيه سوى الإله الحق تبارك وتعالى، فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير الله كما قاله أعداءه المشركون، ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد وكماله وتقريره وظهور أعلامه ووضوح شواهده وسط براهينه». ونظير ذلك أيضًا أن تكذيب أعداء الرسل لهم وردهم ما جاءوا به كان من الأسباب الموجبة الموجبة ظهور براهين صدق الرسل، ودفع ما احتجت به أعداءهم عليهم من الشبه الداحضة، ودحض حججهم الباطل، وتقرير طرق الرسالة وإضاح أدلتها، فإن الباطل كلما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق واستنارت معالمه ووضحت سبله وتقررت براهينه، فكسروا الباطل ودحض حججه، وإقامة الدليل على بطلانه من أدلة الحق وبراهينه. فتأمل كيف اكتظى الحق وجود الباطل، وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل، وكيف كان كفر أعداء الرسل بهم وتكذيبهم لهم ودفعهم ما جاءوا به هو من تمام صدق الرسل وثبوت رسالات الله وقيام حججه على العباد. ولنضرب لذلك مثلًا يتبين به، وهو ملك له عبد قد توحد في العالم بالشجاعة والبسالة، والناس بين مصدق ومكذب، فمن قائل: هو كذلك، ومن قائل: هو بخلاف ما يظن به، فإنه لم يقابل الشجعان ولا واجه الأقران، ولا نازل الأقران وقابل الشجعان لظهر أمره وانكشف حاله، فسمع به شجعان العالم وأبطالهم، فقصدوه من كل أوب وأموه من كل قطر، فأراد الملك أن يظهر لرعيته ما هو عليه من الشجاعة، فمكن تلك الشجعان والأبطال من منازلته ومقاومته، وقال: «دونكم وإياه وشأنكم به»، فهل تسليط الملك لأولئك على عبده ومملوكه إلا لإعلاء شأنه وإظهار شجاعته في العالم، وتخويف أعدائه به، وقضاء الملك أوطارًا به؟ وكما يترتب على هذا يظهر شجاعة عبده وقوته وحصول مقصوده بذلك، فكذلك ترتب عليه ظهور كذب من ادعى مقاومته، وظهور عجزهم وفضيحتهم وخزيهم، وأنهم ليسوا ممن يصلحوا لمهمات الملك وحوائجه، فإذا عدل بهم عن مهماته وولاياته، وعدل بها عنهم، كان ذلك مبتضى حكمة الملك حسن تصرفه بملكه، وأنه لو استعملهم في تلك المهمات لتشوش أمر المملكة وحصل الخلل والفساد. فالله أعلم حيث يجعل رسالاته، وهو أعلم بالشاكرين، والمقصود أن خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها في مقابلة الحق من أبين دلالاته وشواهده، فكان في خلقها من الحكمة ما لو فاتت لفاتت بها تلك الحكمة، ويأحب إلى الله تعالى من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب والله أعلم. وهذه الفقرات منه رحمه الله زيادة التأكيد لما أشار إليه فيما سبق من أمثلة في هذا الفصل في أن لله حكمة فيما يخلق من خير وشر في قدره وكونه، وأن وجود هذا الشر النسبي سبب لمعرفة فضل ذاك الخير. ومرت معنا عدة أمثلة على ذلك، ومن ذلك ما أشار إليه رحمه الله من شهادة أن لا إله إلا الله، والمتضمنة للنفي والإثبات، فلولا النفي كما تقدم ما تم الإثبات، فنفي الألوهية عما سوى الله سبب لإثباتها خالصة لله سبحانه وتعالى. وكيف يمكن أن تنفي الألوهية عما سوى الله ولا يوجد في الوجود من يثبتها لغير الله؟ إذن، كتبت حكمته سبحانه وتعالى وجود هذا المعنى في الكون بتقديره كونًا لا شرعًا، فشرعًا لا يحبه ولا يرضاه وينهى عنه ويبغضه، وأما بمقتضى حكمته سبحانه وتعالى أوجده كونًا لتظهر معالم حكمته في الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك. فما عرف الناس قدر التوحيد إلا بوجود الشرك وأهله، وما علموا كذلك أهمية التوحيد والعناية به إلا بوجود الشرك وأهله، وهكذا الأضداد توصل إلى معرفة صاحب الحق بالحق الذي وفقه الله إليه، وهكذا المثال الثاني والثالث والرابع في الأمثلة، ولا نظائر كثيرة سبقت كلها تدل على هذا المعنى. أولًا: أن الله لم يخلق شرًا محضًا، بل الشر نسبي بالنسبة لما يضاف إلى المخلوق، وأما بالنسبة لما خلقه الله فلم يخلق الله عز وجل إلا كل خير. ثم ثانيًا: كان في هذا حكمة، فبالباطل يعرف فضل الحق، كما بالكفر يعرف فضل الإيمان، وبالشرك علم فضل التوحيد، وبأتباع الرسل الصادقين ووجود من يضادهم، علم فضل طريق أهل الصدق، وهكذا كذلك بوجود أهل الشجاعة وما يضادهم من أهل الخيانة والخور، علم فضل الشجاعة وأهلها. ثم ختم بهذا المثال للملك الذي أراد أن يظهر شجاعة من معه، فإنه لا يمكنه أن يظهر هذه الشجاعة إلا وأن يوجد في الوجود من ينازعه، فبوجود من ينازعه فتحصل المغالبة، وتكون المغالبة فيها من الشدة ما يظهر حقًا وصدقًا أن المنتصر كان فعلًا شجاعًا وقويًا، وهذا تقريب للمعنى. فما علمت شجاعة هذا الشجاع إلا بوجود من يضاد هذا الشجاع، وحصول هذه المغالبة وانتصاره في هذه المغالبة، وهكذا كذلك لله الحكمة البالغة في إيجاد الحق وإيجاد أهل الحق، وإيجاد باطل يضاد ذلك الحق وأهل له، وبهذه المضادة يصل الإنسان بحكمة الله إلى تعظيم الحق وأهله. ولهذا ختم فقال: «والمقصود أن خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها في مقابلة الحق من أبين دلالاته وشواهده» إلى آخر كلامه يرحمه الله، يعني: بوجود هذه المضادة تبينت منزلة الحق وأهله، والأسباب الموصلة إليه، ولله حكمة في كل ما يكون في أمره ونهيه، وكذلك قدره وكونه سبحانه وتعالى. وهذه مناسبة إيراد هذا بعد ذكر مسائل القدر للتنبيه على هذا المعنى العظيم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.