الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 13، تابع : مراتب الدين . المرتبة الأولى-الإسلام .أركان الإسلام. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أركان الإسلام الخمسة وشرح معنى الشهادة في الإسلام، مشيرًا إلى أهمية تحقيق الشهادة وليس مجرد القول. كما يوضح العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان.
يفصل هذا الفصل شروط الشهادة الثلاثة: العلم واليقين والعمل، ويشرح دلالة شهادة الله تعالى لنفسه وشهادة الملائكة وأولي العلم على فضل العلم وأهله.
يتناول هذا الفصل فضل العلم وأهله كما دلت عليه شهادة الله تعالى وأولي العلم، ويشير إلى صحة الحديث النبوي وروايته، موضحًا أنه صحيح سواء كان مرفوعًا أو موقوفًا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله- في حاشيته، في تعليقه على الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة. وكان آخر ما وقفنا عليه قوله: «والبراءة من الشرك أهله»، هذا اليوم -نعم-، وأخذنا كذلك إلى قوله: «وكل مرتبة لها أركان»، ثم قال -رحمه الله تعالى-: قال. قوله: «فأركان الإسلام خمسة»، قال: أي لا يستقيم إلا بها، ولا يثبت بدونها، وما فقد منها زال الإسلام بفقده؛ لأنه كما تقدم معنا: الركن جانبه الأقوى الذي لا يقوم الشيء إلا به، وهو من ما هي الشيء. فالبيت له أربعة أركان، إذا زال أحد أركانه سقط البيت، وكذلك الإسلام له خمسة أركان، فإذا زال أحدها سقط الإسلام. وهل معنى هذا أن تارك أحد هذه الأركان الخمسة يعد كافرًا كفرًا أكبر، ليس بمسلم؟ الجواب: فيما دون الشهادتين من الأعمال، من الأركان العملية، فيه خلاف بين أهل العلم. فمنهم من قال: كفره كفر أكبر، أي تاركه. ومنهم من قال: كفره كفر دون كفر. روى وذكر هذين القولين الحافظ بن رجب -رحمه الله- في شرحه «جامع العلوم الحكم». قال -رحمه الله تعالى-: وقوله: «شهادة أن لا إله إلا الله، أن محمدًا رسول الله» إلى قوله: «وحج بيت الله الحرام»، ذكرها المصنف -رحمه الله- كما جاء في الحديث الصحيح: «بني الإسلام على خمس»، وهو حديث ابن عمر في الصحيحين، وجاء معناه عن عدد من الصحابة. قال: أي قواعد أو دعائم. وفي رواية: «على خمسة»، أي أركان، يعني تقدير التذكير والتأنيث. قال: مثل الإسلام ببناء وقيم على خمسة أعمدة، لا يستقيم إلا بها. وقدم الأهم فالأهم، فبدأ بقطبها: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم ثنى بشهادة أن محمدًا رسول الله، وهي ركن، الشهادتان ركن، وكثيرًا ما تقرن بها. ثم قال: «ويقام الصلاة، وإيطاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام»، فهذه مباني الإسلام التي ابتني وتركب منها. قال: وتأتي أدلتها. وكل خصلة من خصال الإسلام داخلة في الإيمان. وما كان من الأعمال الباطنة فوصف الإيمان عليه أغلب من وصف الإسلام. وما كان من الأعمال الدينية الظاهرة، كالشهادتين والصلاة، وأنواع العبادات التي تظهر ويطلع عليها الناس، فوصف الإسلام عليها أغلب من وصف الإيمان. فدائرة الإسلام أوسع من دائرة الإيمان، كما أن دائرة الإيمان أوسع من دائرة الإحسان. ومعناه: كل محسن مؤمن، وهو كذلك مسلم، وليس كل مؤمن محسن، ولا كل مسلم محسن. وهكذا كذلك كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن؛ لأن الإيمان أوسع، فيكون متناولًا للإسلام وزيادة. فمن حقق الأعمال الظاهرة فهو المسلم، والله أعلم بسريرته. ومن حقق الظاهر والباطن فهو المؤمن، والله أعلم بمراقبته. ومن حقق هذه الثلاث: الأعمال الظاهرة والباطنة، وكانت معه حسن مراقبة، فهو المحسن. والإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. إذا أطلق الإسلام، فقد يدخل فيه الإيمان، وليس بلازم. وإذا أطلق الإيمان، فقد يدخل فيه الإسلام، ولابد؛ لأن من وصف بالإيمان، فقد وصف بالإسلام من باب أولى. فننتبه لهذا. فمن وصف بالإسلام قد يدخل فيه الإيمان، وليس بلازم. ومن وصف بالإيمان فإنه يدخل فيه الإسلام. هذا في اصطلاح الشرع. وأما بما يعبر به في اللغة، وفي كلام أهل العلم، فإن هذه الألفاظ إذا افترقت اجتمعت مطلقًا. قد يطلق لفظ مؤمن ويراد به المسلم، وقد يطلق مسلم ويراد مؤمن. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «فدليل الشهادة»، قال: هذا شروع من المصنف في بيان أدلة أركان الإسلام الخمسة. والشهادة خبر قاطع. وأطلق لفظ الشهادة على شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنها أعظم شهادة في الوجود على أعظم مشهود به، فلا ينصرف في الإطلاق إلا إليها. والشهادة لها شروط ثلاثة، لا يتحقق تحقيق الشهادة إلا بها: الشرط الأول: العلم. والشرط الثاني: اليقين. والشرط الثالث: العمل. فليست الشهادة مجرد تلفظ باللفظ. فمن قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله»، لابد أن يفهم أن معناها في اللغة العربية، وفي كذلك لسان الشرع: أن يكون عندك علم بمعناها، وأن يكون عندك يقين لما تضمنه هذا العلم، وأن يكون ثالثًا عندك عمل يبرهن هذه الشهادة. فإذا تحققت هذه الثلاث فأنت صدقت في هذه الشهادة. وإذا لم تتحقق هذه الثلاثة لا تتحقق هذه الشهادة. ولهذا فإن المطلوب هو الشهادة، وليس القول. ليس المطلوب أن تقول: لا إله إلا الله. ولهذا إذا أطلق القول فإنه يقيد، يقيد بما يدل على معنى الشهادة. «من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة»، هذا الذي يقولها خالصًا من قلبه هو الذي حقق الشهادة؛ لأنه قالها خالصًا من قلبه بعلم، وقالها خالصًا بقلبه بيقين. ومن تحقق معه الإخلاص لزم منه ماذا؟ العمل. لزم منه العمل. فلفظ الشهادة لفظ أدق من أن يعبر عنه قول، أو يعبر عنه تلفظ، بل هو لفظ في الشرع وفي اللغة يتضمن هذه المعاني الثلاثة، يتضمن هذه المعاني الثلاثة. كما ذكر معنى ذلك الإمام بن القيم -رحمه الله- في مواضع من كتبه. قال -رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾، قال: أي لا معبود بحق في الوجود إلا هو وحده، فهو الإله الحق، ومن ادعيت فيه الألوهية سواه فهو أبطل الباطل وأضل الضلال. فالله الإله الحق المستحق للعبادة وحده دون كل ما سواه. عبارة السلف في الشهادة تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار. وذكر ابن القيم وغيره -رحمه الله- أنه لا تنافي بينها -يعني بين هذه المعاني الثلاثة- فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. وأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به، وتكلمه بذلك، وإعلامه غيره بما شهد به، وإلزامه بمضمونها. وشهادته سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقصد، تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به. فأما العلم، فالشهادة تتضمنه ضرورة. ومن تكلم به فقد شهد به. ولفظ الشهادة يستعمل في الإعلام، وتدل على الأمر. ومنه تقول: شهد فلان الهلال، ومعناه ماذا؟ رآه بعلم عنده فيه بينة. وماذا؟ وأخبر به. فهذا معنى العلم والإعلام والإخبار. قال: وشهادة سبحانه أعظم شهادة في الوجود أنه لا إله إلا هو، المتفرد بالإلهية. من أعظم شاهد وهو الله سبحانه وتعالى وتقدس، على أعظم مشهود به، وهو وحدانيته جل وعلا؛ فإنه لا شهادة أعظم ولا أجل ولا أثبت من شهادته تعالى لنفسه بالألوهية. وشهادة رب العالمين لا ينقصها شيء البتة. وذكر الكلبي أن حبرين من أحبار الشام قدما على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله؟ فأنزل الله هذه الآية، فأسلما. ورواية الكلبي ليست صحيحة، لكن معنى الآية ظاهر في الدلالة على المقصود. وإذا تأملنا هذا، وقد ذكر الإمام بن القيم -رحمه الله- في مواضع أخرى ما تقدم من شروط هذه الشهادة، فلا تتحقق شهادة إلا بعلم ويقين وعمل. ومعنى ذلك مذكور ها هنا، لكن المؤلف -رحمه الله- اختصر؛ لأن بحث الإمام بن القيم -رحمه الله- مطول في هذا البحث. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «والملائكة وأولو العلم»، أي والملائكة شهدوا لله بأنه لا إله إلا هو، كما شهد الله بذلك لنفسه المقدسة. وأولو العلم شهدوا بذلك أيضًا أنه لا إله إلا هو. وفي هذا دليل لما تقدم أن الشهادة لا تكون إلا بعلم. ولهذا لم يستشهد أهل الجهل، وإنما شهد على شهادة الله سبحانه وتعالى في وحدانيته هو نفسه سبحانه وتعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾. وهذه شهادة الخالق الذي هو أعلم بنفسه من غيره، وأعلم بخلقه من أنفسهم، وهو بكل شيء عليم. وكذلك ثنى بقوله: «وأولو العلم والملائكة». ولاحظ عطف «أولو العلم والملائكة» من دون العامل، تدل عند أهل البلاغة على افتراق شهادة من عطف بعامل وبدون عامل. فهنا شهادة الملائكة والعلماء وحملة العلم ليست كشهادة الله سبحانه وتعالى؛ فمهما بلغوا من العلم، فقد قال الله عز وجل: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. فإذا كان هذا في حق من أعرف الناس بالله، بما علمهم الله، ومع ذلك فهم شهدوا، ولم يكن ذلك على أكمل أوجه العلم؛ لأن العلم الكامل لله وحده سبحانه وتعالى. تزداد بهذا لله عظمة، وله إجلالًا سبحانه وتعالى. ويشبه هذا قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، فأولي الأمر ليس فيه عامل، فدل على أن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة من؟ لطاعة الله وطاعة الرسول. فطاعتهم ليست طاعة منفصلة منفردة. ولهذا لم يأتي العامل معه، وإنما أفرد في حق الله وحق الرسول صلى الله عليه وسلم. أما حق الله فلأنه الخالق الذي يفعل بخلقه ما يشاء. وأما الرسول لأنه لا يقول إلا بما أوحاه الله إليه، وهو القائل: ﴿وما ينطق عن الهوى * إنه إلا وحي يوحى﴾. وهكذا كذلك ها هنا. قال -رحمه الله تعالى-: كما شهد الله بذلك لنفسه المقدسة، وأولي العلم شهدوا بذلك أيضًا. لكن تقدم معنى أن شهادة أولي العلم بما أعطاهم الله من العلم أنه لا إله إلا هو، وفسرت بالإقرار وبالتبيين والإظهار. واستشهادهم فيه تعديل وتزكية لأهل العلم؛ إذ ارتقوا إلى هذا المقام الذي استشهدهم الله تعالى فيه. وفي هذا دليل على فضل الأنبياء، ومن تبعهم ممن سار بسيرهم وأخذ تركتهم من العلماء. وهكذا كذلك الملائكة. قال -رحمه الله تعالى-: قال: الذي استشهدهم الله تعالى فيه على وحدانية عز وجل، ولينتفي جحد الجاحدين وانتحال المبطلين. وهذا فيه أعظم حاث لك على طلب العلم؛ فإن الله شهد واستشهد الملائكة واستشهد أهل العلم. ففي هذه الشهادة رفعة أهل العلم حيث استشهدوا على ما شهد به رب العالمين. وأي ثناء أشرف من هذا الثناء عليهم وتعديلهم؟ وشهادته وشهادته لهم أنهم أولو العلم، وجعلهم حجة على من أنكرها، ودل على فضل العلم. وفي الحديث: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، وهذا أعظم مرغب في العلم، وإن زهد فيه الأكثر. والحديث ورد بألفاظ فيها ضعف وروايات، فقد جاء من حديث أبي هريرة أو ابن عمر، وفي بعضها كذاب، وبعضها فيه ضعف. لكن ورد من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، واختلف في صحبته. فمن قارن بصحبته جعله مرفوعًا صحيحًا متصلًا. وبه صحح العلامة الألباني -رحمه الله- في «المشكاة» وفي غيرها: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». فهذا الحديث بهذا الإسناد على هذا المعنى صحيح. ولو لم يصح مرفوعًا لكان من الموقوف؛ لأنه روي موقوفًا، صححه بعضها. للعلم وله حكم الرفع. نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.