الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 28، وجوب الكفر بالطاغوت. تعريف الطاغوت. رأس الأمر وعموده وذروة سنامه. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية التوحيد كأساس للدين وأولوية الدعوة إليه، ويبين أن الرسل جميعًا بدأوا دعوتهم به. معرفة التوحيد والعمل به غاية جهد المسلم.
يُعرّف الطاغوت بأنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، ويبين أن الطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة. يشمل ذلك إبليس ومن عبد وهو راض ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه.
يشرح معنى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ويبين أن الحكم بغير ما أنزل الله يعتبر طاغوتا. الكفر بالطاغوت والإيمان بالله هو معنى لا إله إلا الله، ويتطرق إلى موضوع الجهاد ومراتبه.
يؤكد على أهمية التوحيد والكفر بالطاغوت كأساس للإسلام، ويبين أن الصلاة عمود الدين والجهاد في سبيل الله هو ذروة سنامه. الإيمان الحقيقي يتطلب العمل الصالح والتخلص من الشرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قال: ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وغير ذلك من الآيات الدال على عظم التوحيد. وكلا الآيتين فيهما العموم الواضح أن أول شيء بدأت به الرسل قومهم هو التوحيد، وفيه كذلك أن التوحيد الذي هو نفي وإثبات قد يأتي التعبير عنه بالنهي عن عبادة الطاغوت؛ لأن الطاغوت كما سيأتي مأخوذ معناه من الطغيان، تجاوز الحد بعبادة غير الله، وهذا من الشرك كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: وأيضا في إفراد الرسل جاءت الآيات، كما قال عن نوح وهود، وأيضا في أفراد الرسل -يعني أحاد أحاد الرسل فردا فردا على رسول رسول- كل رسول يذكر الله عز وجل عنه أنه أول ما دعا قومه إلى التوحيد. قال: كما قال عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم: إن أول شيء بدأوا به قومهم «أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، فهذه دعوة الرسل وزبدة الرسالة، وبه تعرف عظمة شأن التوحيد، ومعرفتك عظمته بأن تصرف همتك إليه وإلى معرفته والعمل به غاية جهدك. ومع هذا فعسى أن تحقق هذا التوحيد؛ لأن المسألة ليست معرفة مجملة، بل علم يحتاج إلى تفصيل تعرف دقائق مسائل علم العقيدة والتوحيد، ثم تجتهد في العمل بذلك في ظاهرك وباطنك، وقولك وفعلك. قال رحمه الله: وقال: بأن تصرف همتك إليه وإلى معرفته والعمل به غاية جهدك، وإلى معرفة ما يضاد وما سواه من أنواع العلوم الفروعية بعد ذلك، فيهتم -فيهتم الإنسان- غاية الاهتمام معرفة أصل الدين إجمالاً قبل الواجب من الفروع؛ الصلاة والزكاة وغير ذلك، فلا تصح الصلاة ولا الزكاة قبل الأصل -أي التوحيد-، فلابد من معرفة أصل الدين إجمالاً، ثم معرفة فروعه تفصيلاً. وفي حديث معاذ رضي الله عنه لما بعثوا إلى اليمن، قال له: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»، وهذا يفيد أنهم إذا لم يعلموا التوحيد ولم يعملوا به، فلا يدعوهم إلى الصلاة، إن لم يطيعوه في الدخول في الإسلام؛ فإن الصلاة لا تنفع ولا غيرها بدون التوحيد؛ فإنه لا يستقيم بناء على غير أساس، ولا فرع على غير أصل، فالأساس هو التوحيد والأصل هو التوحيد، وما فوقه من مباني الدين وغيره يقوم على هذا الأصل وهذا الأساس. قال: والأصل والأساس والتوحيد، والصلاة وإن كانت عمود الإسلام، فمع ذلك لم تفرض إلا بعد الأمر بالتوحيد بنحو عشر سنين -يعني حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في مكة إلى التوحيد-، وقد تقدم أن أول ما فرضت الصلاة في مكة ركعتين ركعتين. قال: ومما يبين أن التوحيد هو الأصل كونه يوجد من يدخل الجنة ولو لم يصل ركعة واحدة، وذلك إذا اعتقد التوحيد وعمل به ومات متمسكا به، كأن يقتل قبل أن يصلي أو يموت، والصلاة لا تنفع وحدها، ولو صلى وزكى وصام إذا لم يعتقد التوحيد. وبذلك يعرف عظم شأن التوحيد، وقد وقع هذا لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يسلم فيقاتل قبل أن يصلي، فيبشر بالجنة، ويخبر أنه من أهل الجنة؛ بما كان من صدقه في توحيده، وصدقه في التوحيد دفعه للجهاد في سبيل الله. ولا يعني ذلك إهمال الواجبات بحجة التعلق بالتوحيد؛ فالتوحيد يطلب الطاعات، ومن لم يحقق الطاعات فتوحيده ناقص؛ لأن هذا المعنى تعلق بالرجاء في غير محله، وكما أن الله غفور رحيم هو كذلك شديد العقاب. والتوحيد كما قال أهل العلم ونقل على الإمة كالمفتاح لا يفتح إلا بأسنانه، فكذلك ينبغي أن يحرص على سائر ما هو من دين الله إكمالا للتوحيد، وقد تقدم أن من الأعمال ما هو شرط صحة في التوحيد، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، حتى إماطة الأذى عن الطريق من إكمال الإيمان والتوحيد. قال رحمه الله: وما هلك من هلك إلا بترك العلم بالتوحيد والعمل به، وما دخل الشيطان على من دخل، ولا مزق عقول من مزق، ولا وقع ما وقع إلا من آفة قولهم: يكفي النطق بالشهادة، ومجرد المعرفة. حتى أن من علمائهم من لا يعرف التوحيد أصلا؛ وذلك لكونهم ابتلوا بالشرك، عبادة الأوثان، وكثرة الشبهات الباطلة، فبذلك خفي التوحيد على كثير ممن يدعي العلم لعدم المعرفة به. وهذه حقيقة ابتليت بها الكثير من المجتمعات، فترى من ينتسب للعلم لا يرى أن ما عليه الناس أمر عظيم وخطير، يكفيه عنده أنهم يصلون، وأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ولم يدري أن لا إله إلا الله إذا لم يؤتى بشروطها فإنها لا تنفع. ومن أعظم ما تصح به لا إله إلا الله نفي الشرك؛ لأنها حقيقة نفي وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله، وإثباتها لله، فهذا الذي يدعو أصحاب القبور ويرجو من أصحاب القبور، ويطوف بتلك القبور، نقض ما عنده من إيمان إن وجد، وأبطل ما معه من عبادات؛ لأن الشرك يبطل ويبطل الإيمان كما يبطل الحدث الطهارة. فلا يكفي المعرفة والنطق للا إله إلا الله، بل لابد من أن يعلم معناها على الحقيقة، ويعمل به، ومن ذلك الحذر من الشرك. قال رحمه الله: وإلا فمعرفة التوحيد والشرك من أهون ما يكون وأسهله إجمالا، كما في زمن الصحابة؛ فإنهم كانوا يعرفون التوحيد والشرك، فمن قال: لا إله إلا الله، ترك الشرك، وعلم أنه باطل مناف لكلمة الإخلاص. ولهذا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد، وقال: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، وقد تقدم معنا الحديث، قال: قالوا: «أجعل الآلهة إله واحدا إن هذا لشيء عجاب». وأما حين كثرت الشبهات صعب معرفة التوحيد والتخلص من ضده، وكثر النفاق، وصار الكثير يقولها ويعبد مع الله غيره، فالله المستعان، ويريد بذلك ما في زمان المؤلف وقبله وبعده، بل وإلى يومنا هذا؛ الكثير من الناس لبس عليه بالشبه، وبقلة علمه بالتوحيد ودقائق مسائل التوحيد، لم يستطع التخلص مما ينافي التوحيد، حتى اختلطت عليهم الكثير من المسائل، فما عرفوا الفرق بين التعظيم الشرعي المأذون فيه للأنبياء والصالحين، وبين الغلو في هذا التعظيم الذي يفضي إلى الشرك الأكبر أو الأصغر المذموم. وعند ذلك وقع الشرك وكثر النفاق، وكثرة النفاق سواء عملياً واعتقادياً؛ بسبب إصرارهم على ما عليه المجتمع؛ فإنهم يضعفون عن أن يخالفوا ما عليه الناس، فصاروا ينافقون كما هو حال الكثير من المجتمعات، وهذا هو قول: «وصار الكثير يقولها ويعبد مع الله غيره فالله المستعان»، وهذا هو الواقع. فهؤلاء الذين يذهبون إلى الكثير من القبور في بلاد المسلمين يعبدون هذه القبور؛ لأن العبادة لا تنحصر بالسجود والركوع، مع أن بعضهم في الحقيقة يركع ويسجد، حتى أنهم ربما يستدبرون الكعبة والقبلة ويتوجهون إلى تلك القبور، يسألونها ويدعونها، وربما يسجدون عندها ويطوفون بها ويتمسحون بها وبتربتها وسدرتها وغير ذلك، وهم يقولون: لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله لا تنفع من أتى بالشرك وفعل الشرك. فلذلك كما قال رحمه الله: وابتدأ هذا من العلم الذي يجب أن يعتنى به، وأن يبذل له ما يكون سبباً في تحقيق العمل به على الوجه الصحيح. قال رحمه الله تعالى قوله: وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال: ولأجل ذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، بل الدين أمران: كفر بالطاغوت وإيمان بالله، وهذا هو معنى كلمة التوحيد: نفي وإثبات. ولو تأملت إلى كل ما جاء في هذا الدين فهو نفي وإثبات، فحقيقة كلمة التوحيد نفي وإثبات، وحقيقة الدين نفي وإثبات، ومن النفي والإثبات: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وسيأتي معنا الطاغوت. قال رحمه الله تعالى: بل الدين أمران: كفر بالطاغوت وإيمان بالله، ومن كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، كما أخبر الله سبحانه. قال: وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: هو الإمام محمد بن أبي بكر بن أبي أيوب الزرعي الدمشقي رحمه الله رحمة واسعة، المعروف بابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف المقبولة، المتوفى سنة سبعمائة وإحدى وخمسين. ومعنى المقبولة: أي التي تلقاها الناس بالقبول؛ لما فيها من علم غزير، وما فيها من تحقيقات دقيقة تدل على رسوخ، وكذلك سعة علم هذا العالم. قال رحمه الله تعالى قوله: الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، والطواغيت كثيرة، قال: يعني كل شيء يتعد به العبد حده -أي قدره الذي ينبغي له في الشرع- يصير به طاغوتا، سواء تعد حده من معبود مع الله بأي نوع من أنواع العبادة. وقد تقدم معنا أنواع كثيرة من العبادات، فمن دعا غير الله فقد اتخذ هذا المدعو طاغوتا، مع أن هذا المدعو بريء من دعاء عبادته، كعيسى عليه الصلاة والسلام. قال: أو متبوع في معاص الله، أو مطاع من دون الله في التحليل والتحريم، فإن كان يحرم ما أحل الله ويحل ما حرم الله. ثم قال ابن القيم: فإذا تأملت طواغيت العالم، فإذا هي لا تخرج عن هذه الثلاثة -يعني إما معبود كسائر ما يعبد من دون الله، وهو أنواع كثيرة: جمادات كأشجار وأحجار، وحيوانات كذلك، أنواع من الحيوان تعبد، أو كذلك الإنس أو الجن أو حتى الملائكة، فقد وقع الشرك في هذا كله-، والمتبوع كذلك من اتخذ له متبوعا نزله منزلة الأنبياء، أو مطاعا أي في التحليل والتحريم كما ذكر. فمن تأمل طواغيت العالم وجدها لا تخرج عن هذه، وبهذا كان ضلال من ضل في هذا الباب. قال رحمه الله قوله: والطواغيت كثيرة، أي: إذا عرفت ما حده ابن القيم بتحقق -يعني بتمع وتدبر- تبين أن الطواغيت كثيرة جدا، من بني آدم، من بني آدم بلا حصر؛ وذلك أن كل من تجاوز حده بالشرع صار بخروجه منه وتجاوزه طاغوتا. وما أكثر هؤلاء، وقد يكون طاغوت في ملكه ومملكته، وما أكثر الممالك التي يحصل فيها معنى الطاغوت؛ بأن يخرج عن ما أوجبه الشرع، سواء فيما يتعلق بالعقيدة أو العبادة أو المعاملة أو الأخلاق أو السلوك أو غير ذلك. قال رحمه الله تعالى قوله: ورؤوسهم خمسة، قال: أي أكبر الطواغيت بالاستقراء والتأمل خمسة، وليس معناه حصر، ولكن معناه ذكر الأشهر؛ لأن مفهوم العدد لا يفيد الحصر. قال رحمه الله قوله: إبليس لعنه الله، قال: هو رأسهم الأكبر، واللعن في الأصل الطرد والإبعاد، وتقدم: وإبليس مطرود مبعد عن رحمة الله، وهكذا لا نلعن إلا من لعنه الله ورسوله، أو من أذن الله ورسوله بلعنه، وعلى وجه التعيين لا يجوز ذلك إلا بالدليل. حتى أن الكافر لو كان حيا لا يجوز أن يلعن معينا؛ فنحن نرجو له أن يسلم وأن يهديه الله عز وجل، وهناك تفاصيل كثيرة في مسائل تتعلق باللعن، فينبغي أن ينتبه لهذا الباب. قال رحمه الله تعالى قوله: ومن عبد وهو راض، قال: أيب تلك العبادة الصادرة من العابد بأي نوع من أنواعها، فهو طاغوت من رؤساء الطواغيت وكبرائهم؛ فقد يكون راض فصار هو طاغوت، ومن عبده رضي أن يعبد الطاغوت. وإذا لم يرضى فهو ليس بطاغوت، وعبادة هذا الذي عبد عبادة طاغوتية، فعله طاغوتي لأنه تجاوز حد المعبود، بريء. قال قوله: ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، قال: أي ممن يقر الغلو والتعظيم بغير حق، فرعون، مشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد، واتخاذهم أربابا، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم، وفي مماتهم. وحكي عن بعض أئمة الضلال أنه قال: «من كان له حاجة فليأتي إلى قبري وليستغث بي» -يعني قبل أن يموت-، وما أكثر هؤلاء، حتى أن بعضهم جهز لنفسه قبة وقبرا داخل هذه القبة قبل أن يموت، وهذا معناه أنه يدعو الناس في حياته إلى أن يعبد بعد مماته، فصار هذا من الطواغيت الكبار ورؤوسهم الذين يدعون إلى الشرك بعبادة أنفسهم من قبل الناس. وهكذا كذلك لو أنه لم يدعو، ولكنه فعل فعل المقر، كأن يبنى له قبة مثلا، فيقر ذلك ولا ينكره، فهذا يدخل في معنى الطاغوت، وفي هذا المعنى أو في الذي قبله، فيجب أن يحذر من هذا الفعل، ومن من دعى إليه. قال رحمه الله تعالى قوله: ومن ادعى شيئا من علم الغيب، قال: أي كالمنجمين والرمالين ونحوهم، ونحوهم كثير ممن يفعل فعل السحرة والكهنة، وهم يختلفون من موضع إلى آخر، كالعراف، وقارئ الفنجان، وصاحب الكف، وهكذا. وكذلك من يدعي الغيب من أهل التطير وغيرهم، والمنجم هو الذي ينظر في النجوم، والرمال الذي ينظر -كما يزعم- في الرمل، وأنه بهذا يكشف الغيب، فهذا من أصول ورؤوس الطواغيت؛ لأن علم الغيب خاص بالله، قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. قال رحمه الله: ومن حكم بغير ما أنزل الله -أي كذلك-، وهذا هو الخامس، فمن حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت؛ لأن الحكم لله سبحانه وتعالى، إن الحكم إلا لله، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، قالت في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فإن الحكم بغير ما أنزل الله تارة يكون كفرا، وتارة يكون فسقا، وتارة يكون ظلما، ويكون كفراً أكبر إذا كان على وجه يكون فيه جعل حكم غير الله كحكم الله، أو أفضل منه، وما كان بمعناه، من منص العلماء أنه يكون فيه معنى الكفر الأكبر. وأما ما هو دون ذلك فإنه كفر دون كفر، كما روي عن ابن عباس وغيره؛ فإن ما من إنسان إلا ويقع منه تقصير قولاً أو فعلاً في عدم الحكم بما أنزل الله في نفسه وفي أهله وفي ولده، فهل معنى هذا أنه يكون كافراً؟ الجواب: لا. فإن من الناس لأجل الدنيا والشهوة وغير ذلك من الأمور الأخرى قد يدفعه ذلك لعدم الحكم بما أنزل الله إلى غير ما أنزل الله، مع اعتقاده وعلمه أنه لا يجوز ذلك، فهذا كفر دون كفر كما صح معنى عن ابن عباس وجماعة من السلف، ومن تبعهم من الإمة من الخلف. قال رحمه الله قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾. قال قوله: ومن حكم بغير ما أنزل الله، قال: كمن يحكم بقوانين الجاهلية، والقوانين الدولية، بل جميع من حكم بغير ما أنزل الله، سواء كان بالقوانين أو بشيء مخترع، وهو ليس من الشرع، أو بالهوى في الحكم، فهو طاغوت من أكبر الطواغيت، وهذا كما تقدم فيه تفصيل. قال قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾، أي: لا تكره أحدا على الدخول في الإسلام؛ فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهنه، لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه، فمن هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيد الدخول في الدين مكرها مقصورا. قيل: نزلت في عدد من أولاد الأنصار أرادوا استردادهم لما أجليت بنو النضير، وقيل: كان في ابتداء الأمر ثم نسخ بالأمر بالقتال. قال الشيخ: شرع الجهاد على مراتب، فأول ما أنزل الله فيها الإذن فيه بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، ثم نزل وجوبه بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية، ولم يؤمروا بقتال من سالمهم، وكذا من هادنهم -يعني في أول الأمر-، ثم أنزل الله براءة الأمر بنبذ العهد وقتال المشركين كافة، وبقتال أهل الكتاب إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية. ولم يبح ترك قتالهم وإن سالموهم وهادنوهم هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم، فتكون الهدنة بالمصلحة، وإلا فالأصل أن يكون الدين لله، وأن تكون كلمة الله العليا، وأن يمنع من يحول بين الناس وإرادتهم. وبعد ذلك لا إكراها في الدين، إما أن يعطوا الجزية، وإما أن يدخلوا في الإسلام، فبهذا التفسير يكون معناها صحيح، فليس لا إكراها في الدين: أدخل في الإسلام وخرج منه غدا، والعب بدين الله لعبا. بل قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه»، قال رحمه الله: وقال ابن القيم: كان محرما ثم مأذونا فيه ثم مأمورا به، لما بدأهم بالقتال لمن بدأهم، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين، قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. ومعنى هذه مراتب القتال، كان أول أمر محرما لما كان المسلمون في ضعف في مكة، ثم أذن فيه لما وصلوا إلى المدينة، ثم مأمورا به لكن لمن بدأهم بالقتال، كما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، ثم جاء الأمر بقتال جميع المشركين: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، والمراد بالفتنة: الكفر والشرك أن يعم الأرض، فحتى لا يعم الأرض الكفر والشرك يقاتل الكفار. ولهذا القتال شروط وضوابط، فليس القتال أن تستحل دماء الأبرياء والدماء المحرمة، فليس كل كافر يقاتل ويقتل، فهناك من لا يجوز قتاله وقتله، كالمعاهد والذمي والمستأمن، فهؤلاء ومن كان بمعنى هؤلاء لا يجوز قتالهم، فضلا عن المسلمين. فإن من الخوارج قديماً وحديثاً من يستحل دماء المسلمين، وأمور الدماء عظيمة في دين الإسلام، وينبغي الحذر. قال رحمه الله: قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «قاتلوا من كفر بالله»، وهو حديث بريدة في صحيح مسلم، حديث عظيم، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بوصية، فقال له: «أغزوا بسم الله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث»، قال: «إلى إحدى ثلاث خصال أو قال: خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم»، فإنهم «أبوك فاستعمل بالله وقاتلهم»، وذكر له الخصال الثلاث التي يؤمر بها أهل الإسلام في مقاتلة المشركين. قال رحمه الله تعالى قوله: تبين الرشد من الغي، أي: ظهر وتميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلال، بالآيات والبراهين الدال على ذلك. وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، قال: أي: تمسك بالتوحيد، فهو العروة الوثقى، واستمسك بالشيء وتمسك به -يعني تشبت به-، تأكيد لمعنى لزوم التوحيد. قال: وأمسك أخذ به وتعلق واعتصم، والعروة الوثقى: القوية التي لا تنفك ولا تنفصم، فمن تمسك بالتوحيد دين الله الذي أرسل به الرسل وأنزل به الكتب، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وصل الجنة بكل حال -يعني حتى لو حصل منه تقصير ما دام على أصل التوحيد- فهو بإذن الله يصل إلى الجنة. حتى عصاة المسلمين من الموحدين إن عذبوا فمصيرهم إلى الجنة، لكن إنسان عنده طاعة وهو على الشرك والكفر فهو إلى النار، لا نغتر بطاعة مع شرك وكفر. قال الله عز وجل عن بعض أهل الكتاب من النصارى وغيرهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ الآيات، ولا يعني ذلك التزهيد في الطاعات والجرأة على الذنوب والمعاصي والسيئات، لكن معناه الحرص على التوحيد، ومن أراد كمال السلامة فيكمل توحيده بكمال الطاعة. قال رحمه الله تعالى قوله: وهذا معنى لا إله إلا الله، قال: فإن معنى لا إله إلا الله كفر بالطاغوت وإيمان بالله، كما تقدم -أي أن الآية فيها معنى لا إله إلا الله-، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله: نفي وإثبات. وهي كما قال بعض أهل العلم: من أدق الآيات التي تفسر لا إله إلا الله؛ إذ فيها أنه لا يكفي أن تؤمن بالله حتى تكفر بماذا؟ بالطاغوت؛ لأن من آمن بالله ولم يكفر بالطاغوت فهو المشرك، ومن آمن بالله ولم يؤمن بالطاغوت فهو الكافر الملحد، والموحد هو الذي جمع بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت. وتقديم الكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله هذا من تأكيد معنى أن التحلية لا تتم إلا بالتخلية، وأن الإثبات لا يصح إلا بالنفي، لا يصح أن الإنسان يصلي بغير طهارة، لابد أولاً أن يكسب الطهارة ثم يصلي. فكذلك تريد إيمان بالله أترك الشرك، فإذا لم تترك الشرك فإيمانك باطل ما يصح، مهما تملقت مهما قلت مهما فعلت، مثل المشركين المشركون الأولون كانوا يفعلون عبادات ويتصدقون بصدقات ويفعلون أشياء كثيرة، ولكن لا يريدون أن يتركوا ما يعبدون من معبودات. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام»، قال: يعني رأس الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الإسلام، فمن انتسب إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وادعى أنه من أمة الإجابة وقد فقد منه رأس الأمر وحقيقته هو الإسلام، فليس من أمة الإجابة. وأمة الإجابة هم المسلمون الذين أجابوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأمة الدعوة هم الذين يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم ممن جاءوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من بعد النبي صلى الله عليه وسلم أمة دعوة، فهم مدعوون إلى دين الإسلام، فمن أجاب فهو من أمة الإجابة. قال رحمه الله: والإسلام هو الملجأ والدين، فمن فقد منه فقد كذب وافترأ في دعواه الاستجابة لله ورسوله، كما أن الحيوان إذا فقد منه رأسه فأي شيء ينفع سائر جسده -يعني الرأس هو الذي به الحياة، فإذا فقد فلا حياة-، وكذلك هذا الدين فرأسه الإسلام الذي هو الاستسلام لله عز وجل، كما سيأتي بالتوحيد والانقياد له بالطاعة. قال رحمه الله تعالى: فمن ادعى أنه من أمة الإجابة وقد فقد من الإسلام رأس الأمر وأساس إفراد الله بالعبادة، فلا وجود لما يدعيه؛ لفقد حقيقة الانتساب، فليس الإسلام والإيمان بالتمني والتحلي، ولكن ما وقر في القلب صدقه العمل. وأول عمل لابد أن يصدق ويصدق به إسلامه: إسلامه التوحيد، قال رحمه الله: قال شيخ الإسلام: كل اسم علق بأسماء الدين من إسلام أو إيمان أو غيرهما، إنما يثبت لمن اتصف بتلك الصفة الموجبة لذلك -انتهى-، يعني انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله. ومعنى: ليس العبرة كما سمعنا بالتحلي والتسمي، لكن العبرة بالحقائق، فقد يقول الإنسان: أنا مسلم، ويقول: أنا مؤمن، ويقول: أنا سني، أنا سلفي، لكن هل هو على هذا حقيقة؟ قال: كمن ادعى أنه متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو مع الله غيره، كان يسأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ويزعم أن ذلك قربى إلى الله، وأنه مما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أنه هو المضاد المعاند المعادي للنبي صلى الله عليه وسلم، المنقص المستهزئ بدين النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان يقرأ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإذا كان عندكم ماذا يقرأ؟ إذن عندك مشبوكة مع بعض. قال: فإذا كان يقر أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق، ومع ذلك يعمل بخلافه، فقد عكس الدين والشرع جميعا، وخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ومرق من الإسلام -يعني خرج من الإسلام- إما خروجا كليا وإما خروجا جزئيا. قال: حيث جعل الشرك توحيدا، وزعم أن هذا مما أمر به، فعطل الدين والشرع جميعا، فما سبق هو من الشرك الأكبر، فخروجه خروج كلي، ومثال الخروج الجزئي: أن يكون منه شيء دون الشرك والكفر الأكبر. قال رحمه الله قوله: وعموده الصلاة، قال: هذا فيه عظم شأن الصلاة، وأنه من الدين بهذا المكان العظيم، وهو أن مكان من الدين مكان العمود من الفسطاط، الفسطاط يعني الخيمة، فلا تقوم الخيمة بدون عمود، فكذلك لا يقوم الدين بدون عمود، فعمود هذا الدين الصلاة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم عن جابر، وعند أبي داود وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». قال: فكما أن عمود الفسطاط إذا سقطت سقط الفسطاط -أي الخيمة-، فكذلك إذا فقدت الصلاة سقط دين تاركها، ولم يبقى له دين؛ لأن مجرد ترك الصلاة كفر مخرج من الملة، وهذا والصحيح أنه كفر أكبر. وهذا الحديث من أدلة مختار الإمام أحمد وغيره، وأنه إذا تركها كسلا فهو كافر، حتى لو تكاسل على الصحيح، قال: فإن قول: «عموده الصلاة» يدل على أن المراد فعل الصلاة، ليس المراد الإقرار بها؛ فإن المبتدأ والخبر معرفتان يقتضيان الحصر، وأنها وحدها عمود الدين. وأما جحد وجوبها فكفر إجماعا، إذا جحدها فهو كافر حتى ولو صلى، وإن فعلها، هذا هو كما أن جحد شيء مجمع عليه عند الأئمة كفر -يعني من جحد شيئا معلوم من الدين الضرورة فهو كفر-، حتى ولو لم يفعل هذا الشيء الذي جحده -يعني حتى ولو فعله إذا كان أمرا-، أو كذلك تركها إن كانت نهيا. قال رحمه الله تعالى قوله: وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، قال: ذروة الشيء أعلى، وذروة البعير سنامه وهو أعلى وأرفع، وهذا يفيد أن الجهاد هو أعلى وأرفع خصال الدين؛ وذلك لأنه فيه بذل المهج التي ليس شيء أنفس منها، ولا يعادل شيء البته، فيبدل مهجته ويبدل ماله لظهور الدين وتأييده -يعني مهجته روحه-. قال: وجهاد الكفار والمنافقين، فبذلك استحق أن يكون من الدين بهذا المكان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يُغْف