الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 7، تابع : الأصل الأول-معرفة الله تعالى . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بتوضيح مفهوم معرفة الله تعالى من خلال آياته الكونية والشرعية، ويبين أهمية التأمل في خلق الله وكلامه للوصول إلى هذه المعرفة.
يشرح المقطع كيف تدل مخلوقات الله تعالى وآياته الكونية والشرعية على وحدانيته، ويستشهد بآيات قرآنية وأدلة شعرية لتوضيح هذه الدلائل.
يشرح معنى العبادة والتوحيد وأهمية إفراد الله تعالى بالعبادة، ويبين خطورة الشرك وآثاره على الأعمال الصالحة.
يؤكد على خطورة الشرك بالله تعالى وآثاره السلبية على الأعمال الصالحة، ويبين أن حتى الشرك البسيط يمكن أن يؤدي إلى الكفر والردة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى في تعليقه على ثلاثة الأصول، قال قوله: «فإذا قيل لك بما عرفت ربك»، قال: أي فإذا قال لك قائل: بما استدللت به على معرفتك ربك، معبودك وخالقك، قال: «فقل بآياته ومخلوقاته»، قال: أي فقل عرفته بآياته ومخلوقاته التي نصبها دلالة على وحدانيته وتفرده بالربوبية والإلهية. والآيات جمع آية، والآية العلامة والدلالة والبرهان والحجة، وهي قد تكون آية كونية مثل السماء والأرض وما فيهما من مخلوقات بديعة، وما فيها من الكمال والجمال، وما فيها من الإحكام والإتقان، فهذه آيات كونية. وهكذا كذلك ما يجريه سبحانه وتعالى في هذه المخلوقات من تعاقب الليل والنهار، وحركة الأفلاك والشمس والقمر، وما يكون فيها مما يدب من حياة، وما فيها كذلك من أنواع وأصناف حركات المخلوقات، وغير ذلك كله من آيات الله الكونية. وهناك آيات شرعية، ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه سبحانه وتعالى، وما أيد الله عز وجل هؤلاء الرسل، كلها آيات تدل عليه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وكما تقدم الآية علامة ودلالة متضمنة لحجة وبرهان». قال: «والمخلوقات جمع مخلوق، وهو ما أوجد بعد العدم». وآيات الرب سبحانه هي دلالاته وبراهينه التي بها يعرف العباد، ويعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه. قال: «وآياته العيانية الخلقية والنظر فيها يعني ما يعاين بالعين، والنظر فيها يعني التأمل والتدبر، فبذلك يعرف ربه سبحانه وتعالى». وليس هو أول واجب على المكلف كما زعم بعض المتكلمة، بل أول واجب على المكلفين هو توحيد الله سبحانه وتعالى. قال: «والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية». فهناك آيات خلقية كونية، وآيات قولية سمعية تعلم بالسماع، بما كان من إبلاغ الرسل عليهم الصلاة والسلام، مما أوحاه الله إليهم، ومنه ما أنزل من كتب، وما علم من شرع ودين بعثت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. قال: «والرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به، وهو آياته القولية، ويستدلون على ذلك بمفعولاته، أي آياته الكونية». ما فعله الله سبحانه وتعالى في الخلق من خلق المخلوقات، وما يجري فيها من بدائع صنعه وعجائب خلقه وعظيم حكمته. قال: «التي تشهد على صحة ذلك، أي هذه الآيات الكونية تشهد على صحة الآيات الشرعية السمعية». قال: «وهي آيات العيانية»، فالعيانية هي الكونية التي تعاين بالعين. قال: «والعقل يجمع بين هذه وه، وهذه، أي بين الشرعية السمعية والعيانية الكونية». قال: «فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل». فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة، وكل شيء من آياته ومخلوقاته، فتتفق هذه الدلائل كلها على معرفة الرب سبحانه وتعالى. قال: «وإذا عرفنا ربنا سبحانه وتعالى، علمنا أنه وحده الذي يعبد، لا يشرك معه غيره جل وعلا». قال: «وكل شيء من آياته ومخلوقاته، يعني كذلك يدل على هذا». قال: «وإن دق، دال على وحدانيته وتفرده بالربوبية»، يعني ولو كان شيئًا يسيرًا دقيقًا، فهو يدل على الله سبحانه وتعالى. قال: «كما قال الشاعر: فوى عجبًا كيف يعصى الإله، أم كيف يجحده الجاحد، وإله بكل تحريكة، وفي تسكينة أبدًا شاهد، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد». وقال آخر: «تأمل في نبات الأرض، وانظر إلى آثار ما صنع المليك، عيون من لجين شاخصات بأبصار هي الذهب السبيك، على قصب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك». وقال آخر: «تأمل سطور الكائنات، فإنها من الملك الأعلى إليك رسائل، واتخط فيها لو تأملت خطها، على كل شيء ما خلق الله باطل». فإذا تأملت في هذا الكون، فإن عجبًا سيأتيك، وسؤالًا سيرد إليك، يكون جوابه أن الله عز وجل هو الإله الواحد الفرد الصمد، الذي خلق هذه المخلوقات، فيعبد، فيجب أن يعبد وحده سبحانه وتعالى. قال: «قوله: ومن آياته الليل والنهار»، قال: أي ومن أعظم آياته المشاهدة بالأبصار الليل والنهار، وكون الليل يأتي على النهار فيغطيه حتى كأنه لم يكن، ثم يأتي النهار فيذهب بظلمة الليل حتى كأن الليل لم يكن. قال: «وقوله: والشمس والقمر»، أي ومن أعظم آياته المشاهدة بالأبصار الشمس والقمر، وكونهما يجريان هذا الجريان المتقن، للشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، وللليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون. قال: «وقوله: ومن مخلوقات السماوات السبع والأراضون السبع وما فيهن وما بينهما»، قال: أي ومن أعظم مخلوقات الله الدال على وحدانية تعالى السماوات السبع، وسعتها وارتفاعها، والأراضون السبع وامتدادها وسعة أرجائها، وما في السماوات السبع من الكواكب الزاهرة والآيات الباهرة، وما في الأراضين السبع من الجبال والبحار وأصناف المخلوقات من الحيوانات والنباتات وسائر الموجودات، وما بين السماوات والأرض من الأهوية والسحاب وغير ذلك. قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾»، قال: أي ومن حجج وحدانيتي تعالى وبراهين فردانيته الدالة على ما ذكره المصنف، ما تعرف به تعالى إلينا بما نراه من مخلوقاته، ومنها الليل والنهار، فمجئ هذا وذهاب هذا من دلائل قدرته وحكمته الدالة على وحدانيته. قال: «وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾»، قال: استواء يليق بجلاله وعظمته. قال: «مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». وبهذا قال السلف، وأدلة علوه على خلقه واستواءه على عرشه أكثر من أن تحصر. قال: «وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، أن يأتي بالليل فيغطي به النهار، ويلبسه إياه حتى يذهب بنوره، ويغشي النهار بالليل طلبًا سريعًا لا يفصل بينهما شيء، ولا يدرك أحدهما الآخر». وهذا التعاقب بهذا الإتقان، وهذا الإحكام الليل والنهار يتعاقبان، ولهما وقت معلوم محدود. قال: «وقوله: والنجوم مسخرات بأمره»، قال: مذللات جارية في مجاريها بأمر الله، لا تتقدم ولا تتأخر. وإذا تأملت هذا العالم، وجدته على أحسن نظام وأتمه، وأدله على وجود خالقه جل وعلا، ووحدانيته وقدرته وكمال علمه وحكمته. قال: «وقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾»، قال: فهو المتفرد بالخلق كما أنه المتفرد بالأمر، فلا شريك له في الخلق كما أنه لا شريك له في الأمر، له الخلق كله وله الأمر كله، وبيده الخير كله، وعلى كل شيء قدير. قال: «قوله: والرب هو المعبود»، قال: أي ومن معاني الرب، ومما يطلق عليه المعبود، كما أنه يطلق الخالق والرازق والمالك والمتصرف، ومربي جميع الخلق بالنعم. قال: «وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾»، قال: هذا خطاب لجميع الخلق، وهو أول أمر يمر بك في المصحف الكريم، كما أن أول فعل يمر بك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وتقديم المعمول هنا يفيد الحصر، أي لا نعبد سواك. قال: «ومعنى اعبدوا ربكم، ومعنى قول الرسل: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ومعنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هو ما فسره ابن عباس بقوله: كل موضع في القرآن اعبدوا الله، فمعناه وحدوا الله». وقال: «عبادة الله توحيد الله»، يعني اعبدوه وحده دون كل من سواه. قال: «وهذا يفيدك عظم شأن التوحيد، وأنه أوجب الواجبات، وأنه أول فرض على المكلف، علما وعملا». وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، التي أوجب الواجبات، يعني هي العلم بمعناها، والعمل بما دلت عليه من إفراد الله بالعبادة، والبراءة من الشرك وأهله. قال: «وإذا عبد الله تارة وأشرك معه تارة، فليس بعابد لله على الحقيقة». كما سمى الله المشركين مشركين، وهم يعبدون الله ويخلصون له العبادة في الشدائد. قال: «وإذا عبد الله تارة وأشرك معه تارة أخرى، فليس بعابد لله على الحقيقة، كما سمى الله المشركين مشركين، وهم يعبدون الله ويخلصون له العبادة في الشدائد، وعند ركوب البحار وتلاطم الأمواج، يهربون يفزعون يلجون إليه تعالى وحده، ويعرفون أن تلك الآلهة ليست شيئًا في الحقيقة، وأنها لا تنفع عند الكروب». قال: «بل نفى عنهم تلك العبادة بالكلية في غير موضع من كتابه، ولم يرد في العبادة إلا إفراده تعالى بجميع أنواعها». فمن أطاعه بجميع ما أمره به منها فقد وحده، وإلا فلا. قال: «فإذا خدش هذه العبادة بشرك واحد، بطلت، كالطهارة يبطلها الحدث، ولو كان حدثًا يسيرًا». لو أخرج المتطهر قطرة من بول، بطلت طهارته، لا فرق بين قطرة وبين أكثر، لأن هذا من نواقض الطهارة. قال: «وكذلك التوحيد والعبادة إذا وقع شرك، بطل ذلك التوحيد، لو وجد، وإلا فلا يجتمع توحيد مع شرك حقيقة». فالعبادة يبطلها الشرك، كما تبطل الطهارة الحدث، فلا ينفع صاحبها ما عمل من عمل، ولو كان كثيرًا. قال: «ولا يمنع من بطلان العمل، ولو كان المبطل قليلًا يسيرًا». قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، نكره في سياق النفي، فأفادت العموم، ولو شيئًا يسيرًا صغيرًا، فإنه يكون سببًا للكفر والعياذ بالله والردة. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والأسئلة نجعلها إن شاء الله إلى وقت لاحق، والله تعالى أعلم.