كتاب الصلاة  73

كتاب الصلاة 73

الدرس في كتاب الصلاة 73، الدرس الثالث والسبعون:(باب سجود السهو الحديث الأول بعد المائة:عن محمد بن سيرين ... 10-أن سهو الإمام لاحق للمأمومين لتمام المتابعة والاقتداء..). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في سجود السهو وأسبابه

يتناول شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه حول صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده للسهو بعد إكمال الصلاة، ويشرح معنى سجود السهو وأسبابه. أسباب سجود السهو هي الزيادة أو النقص أو الشك في الصلاة.

أحكام سجود السهو والتعامل مع الشك

يشرح كيفية التعامل مع الشك في الصلاة، ويبين اختلاف العلماء في كيفية التعامل مع الشك، ويختار الرأي الذي يرى أن المصلي يتحرى الصواب ويعمل به. كما يتناول أحكام سجود السهو.

أحكام مستنبطة من حديث ذي اليدين وتطبيقاتها

يتناول شرحًا لأحكام مستنبطة من حديث ذي اليدين، ويتطرق إلى مسائل متعلقة بالصلاة وسجود السهو، مثل جواز السهو من الأنبياء وحرمة الكلام في أثناء الصلاة. كما يبين التشريع والتخفيف عن الأمة.

  • 20 جمادى الأولى 1434هـ - 31/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى فيما ذكره من أحاديث عمدة الأحكام: باب سجود السهو. قال: الحديث الأول بعد المئة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي. قال ابن سيرين: وسماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا. قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه. وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلما. وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنسى ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فتقدم، فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. قال: فنبئت أن عمران بن حسين قال: ثم سلم. قال العشي ما بين زوال الشمس إلى غروبها. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق أحاديث الصحيحين من أحاديث الأحكام. وأقرب الألفاظ إلى ما ذكره، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله: فقد أخرجه بباب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، فقال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن شميل قال: أخبرنا ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه فذكر الحديث بلفظه. قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي إلى آخر الحديث. ورواه مسلم نحوا منه. وفي لفظ مسلم تسمية ذي اليدين بأنه من بني سليم. قوله رحمه الله: باب سجود السهو، تقدم معنى أن الباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد به هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام سجود السهو. والسجود مر معنا معناه، فهو الوصف المخصوص الذي يتعبد لله عز وجل به في الصلاة بأذكاره وصفته. قال الشارح رحمه الله: قوله: السهو هو النسيان، وهو الترك من غير علم. وليس على صاحبه حرج، حيث, قال صلى الله عليه وسلم: عفيت لأمتي عن الخطأ والنسيان. وقد وقع من النبي صلى الله عليه وسلم لحكم كثيرة، منها: بيان أنه بشر يقع منه ما يقع من غيره، إلا أنه لا يقر عليه عصمة لمقام النبوة. ومنها: التشريع للأمة في مثل هذه الحوادث. وحكمة تأكيد بشريته عليه الصلاة والسلام في وقائع كثيرة: أولا: أن لا يغلو فيه فيعطى ما لا يجوز أن يكون إلا لله سبحانه وتعالى. ولهذا كثر هذا المعنى وتأكيده في نصوص الكتاب والسنة: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي. وهكذا كذلك في السنة في مواضع كثيرة. ومنها هذا الموضع. ومن معاني تأكيد بشريته: حصول معنى الاقتداء والاتساب. وفي هذا رد على المتصوفة ومن سلك مسلكهم في إخراج النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى البشرية. بل هو بشر، فمن حكمة تأكيد ذلك حتى يتم الاقتداء به عليه الصلاة والسلام. ولما قال المشركون منكرين أن يكون هذا الوحي والقرآن أنزل على بشر، وأرادوا أن ينزل على ملك، قال الله عز وجل: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليه ما يلبسون. لأنه لا يمكن أن يكون محل الاقتداء والاتساء ملكا، إذ لو كان ملكا ما حصل الاقتداء والاتساء، ولكان هذا مانعا وحاجزا من حصول معنى الاقتداء والاتساء. لقالوا: إنما هو ملك ونحن بشر، فكيف نكلف ونحن لسنا مثله؟ ولما أرسل الله عز وجل جبريل ليعلم الناس، أرسله بصورة ماذا؟ بصورة بشر. قال: ومنها: التشريع للأمة في مثل هذه الحوادث، يعني أن يعلم الناس كيف يصنعون إذا أصابهم مثل هذا. ولأنهم بشر يحصل فيهم هذا كثيرا. قال: ومنها: التسلية والتعزية لمن يقع منه، فإنه حين يعلم أنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم فليس عليه حزن أن يخشى الخلل في دينه أو النقص في إيمانه، إلى غير ذلك من أسرار الله تعالى. لأنه قد يقول قائل: وهذا ما يريده الشيطان. فللشيطان نزغتان: نزغ إلى تفريط، ونزغ إلى إفراط. فقد يكون من نزغه ووساوسه أن يتهم الإنسان نفسه بخلل الدين ونقص الإيمان. لكن إذا علم أن مثل هذا قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، علم أن هذا شيء قد كتبه الله على بني آدم: النسيان والخطأ لا يسلم منه البشر. فكان هذا تسلية. وأما تفسير السهو بالنسيان، فهو تقريب للمعنى. وإلا فالأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فمبنى السهو ليس مبنى النسيان. ولهذا قال العلماء: أن بين السهو والنسيان فرق، فهو أخص من النسيان، إذ هو الترك على وجه الخطأ. فهو فيه معنى غفلة النسيان لا النسيان، وفيه معنى ترك الخطأ لا الخطأ. جمع بين الخطأ والنسيان، فهو عبارة عن خطأ مع غفلة تعرض للإنسان بسبب ما قد يخطر عليه فيشغله. قال رحمه الله: أسباب السجود له ثلاثة: إما زيادة في الصلاة، أو نقص فيها، أو شك. وشرع سجود السهو إرضاء للرحمن، وإغضابا للشيطان، وجبرا للنقصان، طاعة لله عز وجل. وهكذا كذلك بفعل هذه الطاعة ينغاض الشيطان، إذ أنه هو الذي يشغل الإنسان ويريد أن ينقص المصلي من صلاته. ولكن حين يسجد سجود السهو، يكون في هذا إغضابا وإغاض له، مع ما فيه من طاعة لله وجبر للنقصان ما وقع من نقص، سواء النقص بالزيادة أو بالنقص، يسمى نقصا لأن الصلاة لم تكن على هيئتها. ولهذا تفاصيل سيأتي إن شاء الله ذكرها. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: يروي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه إما صلاة الظهر أو العصر، فلما صلى الركعتين الأوليين سلم. ولما كان صلى الله عليه وسلم كاملا لا تطمئن نفسه إلا بالعمل التام، شعر بنقص وخلل لا يدري ما سببه. وسبب الشك قال بعض أهل العلم: أنه تكرر ذلك. وقال بعضهم: بل هو لأجل أن الرواة أو الراوي لم يبال بتعيين عين الصلاة، إذ المقصود أنها صلاة رباعية نهارية. وقيل: أن الشك من بعض الرواة. هذه ثلاثة أوجه ذكرت في ذكر سبب عدم تعيين إحدى الصلاتين، لأن لفظ العشي يتناول إحدى صلاتي النهار الرباعية. قال رحمه الله تعالى: فقام إلى خشبة في المسجد واتكأ عليها بنفس قلقه، وشبك بين أصابعه. وهذا من معنى إعانة النبي صلى الله عليه وسلم وحفظه، فإنه لا يقر على خطأ أو نقص. وفيه دليل على تشبيك الأصابع في المسجد. وأن ما ورد من حديث في ذلك على القول بصحته، يحمل أنه إذا كان على وجه يكون فيه ما ينافي الشرع، إما ما يكون من كشف العورة، فإنه غالبا يشبك به مع الاحتباء، أو ما يكون من سبب جلبان النعاس، يجلب النعاس خصوصا في الجمعة. ولهذا جاء النهي عنه يوم الجمعة. ولكن الراجح أن الحديث الوارد في هذا الباب لا يصح. ولهذا أورد الإمام البخاري هذا وبوب بالتوثيق المتقدم: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، أي لا حرج فيه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث. قال: لأن نفسه الكبيرة تحس بأن هناك شيئا لم تستكمله. وخرج المسرعون من المصلين، وهذا معنى السرعان، يعني من يغلب أنهم يخرجون أول الناس: أصحاب الأعمال ومن كان بمعنى هؤلاء. قال: وخرج المسرعون من المصلين من أبواب المسجد، وهم يتناجون بينهم، يعني يتحدثون كلاما خفيا بأن أمرا حدث، وهو قصر الصلاة. وكأنهم أكبروا مقام النبوة أن يطرأ عليه النسيان، ولهيبته صلى الله عليه وسلم في صدورهم، لم يجرؤ واحد منهم أن يفاتحه في هذا الموضوع الهام، بما في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. إلا أن رجلا من الصحابة يقال له: ذو اليدين، قطع هذا الصمت بأن سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال صلى الله عليه وسلم بناء على ظنه: لم أنسى ولم تقصر، أي الصلاة. حينئذ لما علم ذو اليدين أن الصلاة لم تقصر، وكان موقنا أنه لم يصلها إلا ركعتين، علم أنه صلى الله عليه وسلم قد نسي. فقال: بل نسيت. فأراد صلى الله عليه وسلم أن يتأكد من صحة خبر ذو اليدين، فقال لمن حوله من أصحابه: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. وفيه كذلك أدب السؤال عند الخطأ، فإن القول: نسيت الصلاة، فيه لا شك من المباشرة بمثل هذا ما ينافي أكمل منه. فقوله: أقصرت الصلاة، من السهو، فهذا ألطف لا شك. وهكذا كذلك من الأدب إذا رأيت خطأ، تقدم حسن الظن، حتى ولو تأكد من أنه خطأ، فتقول مثلا لمن رأيته وغلب على ظنك أنه لم يصل ونام ونعس: أصليت؟ ولا تقول: إلى الآن لم تصلي. لا، قل: أصليت؟ صليت الحمد لله. فهو سيقول: لا، خلاص قم بارك الله فيك صلي. ونحو ذلك تقديم العبارة التي يكون فيها نوع من اللطف والأدب. قال رحمه الله: فقالوا: نعم. حينئذ تقدم صلى الله عليه وسلم، فصلى ما ترك من الصلاة. وبعد التشهد سلم، ثم كبر وهو جالس وسجد مثل سجود صلب الصلاة أو أطول. وفي قوله: أو أطول، دليل على أنه لا يستحب أن يكون سجود السهو أقصر من سجود الصلاة. فأقل الأحوال أن يكون مثل سجود الصلاة. وما يفعله كثير من الناس من يجعل سجود السهو أقل من سجود الصلاة، هذا خطأ وخلاف السنة. بل السنة أن يكون السجود مثل سجود الصلاة أو أطول. قال: ثم رفع رأسه من السجود فكبر، ثم كبر وسجد مثل السجود أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر ثم سلم. ولم يتشهد. ومعنى أن سجود السهو كان بعد التسليم الأول، فإذا استدل العلماء بهذا على جواز التسليم وسجود السهو خارج الصلاة مع وقوع النقص، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله. قال الشك في الصلاة أحد أسباب سجود السهو. روى مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى ثلاثا أم أربعا، فلينظر في الشك وليبني على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فقوله: إذا شك، هو موضع الخلاف. فذهب مالك والشافعي، وهو المشهور عند أصحاب أحمد والثوري والأوزاعي وإسحاق وربيعة، يروى عن ابن عمر وابن عباس: ذهبوا إلى أن كل من لم يقطع فهو شاك، وإن كان أحد الجانبين راجحا عنده، فجعلوا من غلب على ظنه شاكا. وأمروه أن يقطع ما شك فيه ويبني على ما استيقن. وقالوا: الأصل عدم ما شك فيه، فرجح استصحاب الحال مطلقا، وإن قامت الشواهد والدلائل على خلافه. ولم يعتبروا التحري بحال. وذهب الإمام أحمد بإحدى الروايتين عنه إلى أن المنفرد يبني على اليقين لحديث أبي سعيد. وأما الإمام فيبني على غالب ظنه. وقد اختار ذلك الخرقي من أصحاب أحمد، والموفق يعني ابن قدامة. وقال الموفق: إنما خصصنا الإمام بذلك لأن له من ينبه بخلاف المنفرد. والقول الثالث: ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، وقول كثير من السلف والخلف، ومروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما. وهذا القول هو التحري والاجتهاد. وأن البناء على غالب الظن للإمام وللمنفرد، مستند إلى أصح أحاديث الباب. وهو حديث ابن مسعود، وهو في الصحيحين، وسأتي إن شاء الله. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت وذكروني. وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين. فجعل ما فعله بعد التحري تماما لصلاته، وجعله هنا متمما لصلاته ليس شاكا فيها. وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة، فهو راجح على مجرد استصحاب النفي. وهذا هو الصواب الذي أمر المصلي أن يتحراه. فإنما دل على أنه جمع أربعة من أنواع الأدلة راجح على استصحاب عدم الصلاة. وهذه حقيقة هذه المسألة. ومثل هذا يقال في عدد الطواف والسعي ورمي الجمار وغير ذلك. خلاصة هذا الخلاف: أنهم اختلفوا في الأحاديث الواردة في الباب على هذه الأقوال الثلاثة. فمنهم من جعل كل من وقع في الشك فعليه أن يبني على الأقل ويسجد سجود السهو، سواء أكان هذا الشك فيه ما يرجح أحد طرفيه أو ليس فيه ذلك. وذهب آخرون إلى أنه يتحرى ثم فرقوا بين المنفرد والإمام. وهذا القول الثاني. والقول الثالث وهو الذي رجحه المؤلف: أنه يتحرى مطلقا. والصواب من هذه الأقوال: أن المصلي مأمور بالتحري. فإذا تحرى واستيقن الصواب وعلم الصواب، فليعمل بالصواب ولا سهو عليه. سواء كان منفردا أو إماما، وسواء علم الصواب بنفسه أو بغيره. ما دام لم يحصل منه سهو بالفعل، فهو على الوجه الصحيح. وقد فعل ما أمره به النبي عليه الصلاة والسلام من التحري. مثاله: إمام صلى بالناس فشك هل هو الآن في الثالثة أم في الرابعة؟ شك هل هو في الثالثة أم في الرابعة؟ دخل في قلبه الشك، ولكن عنده شيء من غلبة الظن ما يرجح أحد طرفي الشك. فرجح أنها الرابعة. وهو يعلم أنه لو جلس وهي الثالثة سيسبح ماذا من خلفه من المأمومين؟ فلما جلس لم يسبح أحد، هذا أكد أنه ماذا؟ أنه في الرابعة. هل هذا نأمره بسجود السهو على القول الراجح؟ لا نأمره بسجود السهو. وإن حصل في قلبه هذا التردد، لكن لا نأمره بسجود السهو. قال رحمه الله تعالى: الأحكام المستنبطة من الحديث: أولا: جواز السهو من الأنبياء عليهم السلام في أفعالهم البلاغية، إلا أنهم لا يقرون عليه. أما الأقوال البلاغية، يعني الذي يؤمرون بالتبليغ فيها، فالسهو فيها ممتنع على الأنبياء. ونقل في ذلك الإجماع: تكفل الله عز وجل بحفظ ذلك. قال: الثاني: ومعنى التفريق هذا: أن السهو انظروا وقع في الصلاة وهو فعل، ولم يقع في الأقوال فيما يوحى إليه عليه الصلاة والسلام. وهل هذا معنى أنه لا سجود سهو في الأقوال؟ هذا الذي ذكره لا علاقة له بهذه المسألة. فهذه مسألة أخرى. والراجح فيها كذلك كما سيأتي إن شاء الله: أنه لا سهو في الأقوال، لأنه لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام فعل ولا الأمر به، مع وجود سببه. قال: ثانيا: الحكم والأسرار التي تترتب على هذا السهو، من بيان التشريع والتخفيف عن الأمة بالعفو عن النسيان منهم، وبيان أن الأنبياء بشر، يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من السهو في أفعالهم لا أقوالهم البلاغية. ثالثا: أن الخروج من الصلاة قبل إتمامها مع ظني أنها تمت، لا يقطعها، بل يجوز البناء عليها وإتمامها ناقصا منها. ولا يعني ذلك جواز الكلام في أثناء الصلاة لأجل الصلاة. فرق بين المسألتين. فرق بين أن نقول: كلام المتكلم بعد ظنه إتمام الصلاة لا يضر في إتمام ما بقي من الصلاة. انتهت ظن أن الصلاة انتهت. مثل هذا الحديث، فتكلموا، ثم بعد ذلك رجعوا فأكملوا الصلاة. أكملوا الصلاة بتكبيرة إحرام وبتسليم تحليلها: التكبير وتحليلها التسليم. لكن إنسان داخل الصلاة لا يجوز أن نقيس حديث ذي اليدين، فنقول: يدل حديث ذي اليدين على جواز الكلام داخل الصلاة للضرورة أو لما فيه مصلحة الصلاة أو المصلين. نقول: لو حصل الكلام، الصحيح أن المتكلم يعيد صلاته، لأن الكلام يبطل الصلاة. فمثلا لو أن إماما سهى فسبح له الناس فلم يدري ما الخطأ، فاضطر أحد الناس يتكلم فيقول له مثلا: أنت في الركعة الثانية لا الرابعة. أنت في الركعة الثانية لا الرابعة. أو أنت في الركعة كذا لا كذا. فإذا كلمه بهذا الكلام بطلت صلاته على الصحيح. وعلى القول الآخر فيمن استدل بهذا الحديث بهذا الوجه، وهو خطأ: صلاته صحيحة. فيواصل مع المصلين. والصواب الأول. فهناك فرق بين هذه الصورة والصورة الأخرى. قال رحمه الله: رابعا: أن الكلام بصلب الصلاة من الناس لا يبطلها، خلافا لمن أبطلها بذلك من العلماء. فقد تكلم فيها ذو اليدين، والنبي صلى الله عليه وسلم وبعض المصلين. أما إذا كان ناسيا فنعم. وأما إذا كان عامدا فلا. لكن ظاهر كلام المؤلف: أن فعلهم في الكلام كان نسيانا. وهذا ليس بالصحيح. بل كلامهم نسيان مع نسيان ما نسي من الصلاة، لا نسيان ما تكلم به. فما تكلم به هو عن عمد، وهم يعلمون أنهم الآن يتكلمون. ولكن في ظنهم أن الصلاة قد ماذا؟ قد انتهت أو قصرت. وفي كل الحالتين الصلاة الكلام بعدها ماذا؟ لا يضر بالصلاة. قال: خامسا: صحة بناء ما ترك من الصلاة على أولها، ولو طال الفصل. وكذلك لو نسي السجود، بشرط أن لا يخرج وقت الصلاة. قال: وكذلك لو نسي السجود وفعل ما ينافي الصلاة من كلام وغيره، فقد ثبت بالصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سجد بعد السلام والكلام. وهذا اللفظ فسر بتفاسير. فمنهم من فسره: أنه سجود السهو وليس أصل السجود. ولكن استدل به على جواز جبر السجود، ولو حصل بعده كلام. وهذا هو الذي دلت عليه الأدلة، خلافا لمذهب الأباضية. وصلاة الأباضية عجيبة. وجبرهم للصلاة عجيب. فهم يأتون بالناقص ولو كان من وسط الصلاة. أما الأدلة دلت على أن الناقص إذا كان من آخر الصلاة فيكمل. وما بعده يكمل. أما أن يؤتى بالناقص ولو في الوسط، فهذا شيء عجيب، وهو خلاف سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: سادسا: أن الحركة التي من غير جنس الصلاة لا تبطل الصلاة، ولو كثرت إذا وقعت من الجاهل والناسي. وكما قلنا: هذا إذا وقع على وجه النسيان في أثناء الصلاة لا يضر. أو الجهل لا يضر. وأما العمد فلا. وإذا وقع بعد ظن الخروج من الصلاة، ولو كان عمدا، فكذلك لا يضر. إذا كان بعد ظن الخروج من الصلاة، ولو كان عمدا، فهو كذلك لا يضر. قال: سابعا: وجوب سجدتي السهو لمن سها في الصلاة، فزاد فيها أو نقص منها، ليجبر به الصلاة ويرغم به الشيطان. ثامنا: أن سجود السهو لا يتعدد، ولو تعددت أسبابه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم سلم ونقص الصلاة، ومع ذلك اكتفى بسجدتين. لأنه ترك كم ركعتين؟ ولو ترك الإنسان سجدة واحدة لوجب ماذا؟ سجدتي سهو. فهنا ترك أشياء كثيرة، ومع ذلك سجد سجدتين. فدل على أن الإنسان إذا تكرر منه سهو في الصلاة، ولو كثير، فإنه يكفيه أن يسجد سجدتين إثنتين فقط. نعم، طبعا بعد جبر النقص، بعد جبر النقص إن كان هناك نقص. قال: التاسع: أن سجود السهو يكون بعد السلام إذا سلم المصلي عن نقص في الصلاة. وما عداه يكون قبل السلام. وهو مذهب الحنابلة. وهو تفصيل يجمع الأدلة، خلافا لمن قال: السجود كله بعد السلام، وهو مذهب الحنفية. أو كله قبل السلام، وهو مذهب الشافعية. وهذه المذاهب مبنية على بعض الأحاديث المروية في هذا الباب. قال رحمه الله: عاشرا: أن سهوى الإمام لاحق للمأمومين، لتمام المتابعة والاقتداء. ولأن ما طرى على صلاة الإمام من النقص يلحق من خلفه من المصلين. يعني حتى ولو كان المصلي لم يدرك هذا السهو، ما دام أنه سيسلم مع الإمام، فإنه يسجد مع الإمام. بخلاف على القول الصحيح إذا سلم الإمام وقام المصلي ليكمل صلاته، فإنه لا يتابع الإمام في سجود السهو. ما دام سجود السهو بعد السلام، فكون الإمام سلم، يقوم من المأموم يكمل صلاة. وبعد إكماله لصلاته، إذا كان قد أدرك سجود السهو، إذا كان قد أدرك موضع ومكان السهو، فإنه يسجد سجود السهو. وإذا كان لم يدرك مكان السهو، فإنه لا يسجد سجود السهو. مثاله: سهى الإمام في الركعة الأولى، وجاء المأموم في الركعة الثانية. وبعد أن سلم الإمام في الركعة الرابعة، قام المأموم وسجد الإمام سجود السهو ثم سلم. فهنا المأموم حين يقوم هو لم يدرك مكان السهو، فلا يسجد سجود السهو. لكن لو أدرك سجود السهو، كأن يكون الإمام سهى في الركعة الثانية، وأدرك المأموم معه مكان السهو. ولكن السهو اقتضى أن يسلم الإمام ثم يسجد سجود السهو بعد السلام. سينفصل للمأموم ويقوم، لكن قبل أن ينتهي من الصلاة سيسجد سجود السهو.