الدرس في مختصر سيرة الرسول 14، فصل في سيرة العشرة المبشرون بالجنة-أبو بكر الصديق رضي الله عنه ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث هذا الفصل عن سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ونسبه، وأمه سلما بنت صخر التي أسلمت وهاجرت، ويبرز فضله كأول من أسلم وخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص القرآن والسنة.
يتناول هذا الفصل أبناء أبي بكر الصديق وهم عبد الله وأسماء وعائشة وعبد الرحمن ومحمد وأم كلثوم، مع ذكر أمهاتهم وتفاصيل حول حياتهم وأحداث مهمة في حياتهم، ويشير إلى فضل أبي بكر وصحبة أبنائه للنبي صلى الله عليه وسلم.
يتناول هذا الفصل تفاصيل وفاة أبي بكر الصديق، حيث يذكر اختلاف المؤرخين في سبب وفاته بين المرض والسم، ويشير إلى وصيته لعمر بن الخطاب بالخلافة بعد وفاته، مع ذكر تفاصيل الوصية والدعاء لعمر، ثم مبايعة عثمان بن عفان خلفا لعمر بن الخطاب بعد وفاته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ المقدسي رحمه الله تعالى: فصل في سيرة العشرة المبشرون بالجنة. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، اسمه عبد الله بن أبي قحافة، واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب التيمي القرشي، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، ومرة بن كعب أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم في نسبه. وهكذا يلتقي معه في هذا الجد طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهكذا يلتقي كذلك معه في هذا الجد خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، سيف الله، فهؤلاء الثلاثة من الصحابة: أبو بكر رضي الله عنه، وطلحة بن عبيد الله، وخالد بن الوليد، يلتقون بنسب النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب. وفيه فضل أبي بكر رضي الله عنه كذلك من جهة نسبه، فهو قرشي يلتقي نسبه بنسب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من بني عمومته من جهة هذا الجد. قال رحمه الله: وأمه أم الخير سلما بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فنسبها كذلك يلتقي بنسب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة مرة بن كعب، وأسلمت قديما وهاجرت، فلها فضل سابقة الإسلام والهجرة. وأما والد أبي بكر بن أبي قحافة عثمان بن عامر رضي الله عنه، فإنه أسلم عام الفتح، وهو شيخ كبير ضرير قد عمي، حتى أتى به أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح يجره بيده يقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومات والد أبي بكر عثمان بن عامر في خلافة عمر رضي الله عنه، مع كبره عمر حتى مات بعد ابنه أبي بكر الصديق، مات في خلافة عمر رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. قال رحمه الله: عاش ثلاثا وستين سنة سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أجمع عليه أهل التاريخ والسير، لم يختلفوا في كونه عاش سن النبي صلى الله عليه وسلم، فمات على ثلاث وستين سنة رضي الله عنه أرضاه كسن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أول الأمة إسلاما وخيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قد ثبت في الصحيحين وفي غيرها في أحاديث كثيرة، وهو خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص القرآن والسنة. فذكره الله عز وجل من بين سائر الناس في القرآن وأنه صاحبه، ولم يذكر أحد بالصحبة مثل ما ذكر أبو بكر رضي الله عنه. وهكذا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». وهكذا في مرض موته عليه الصلاة والسلام أمر بأن يستخلفوا في الصلاة من بعده أبا بكر. ولما حاول معه بعض نسائه وغيرهم في إمامة غيره، يريدون عمر لأن أبا بكر كان سريع الدمعة عليه كثرة الخشوع في الصلاة، فقالوا: لو جعلت غيره يا أم الناس -يعني حتى يفهموا قراءته- فقال: «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر». حتى قال من قال من أهل العلم أن في هذا إيذان باستخلافه رضي الله عنه أرضاه. بل صح في حديث عائشة وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى بكتاب يكتب بالخلافة لأبي بكر، ولكن منعه من ذلك ما خشيه من بعده. وأجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على فضله وعلى خيريته، فاختاروا لدنياهم ما اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لدينهم، فرضيوا به خليفة للدنيا كما رضي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة للدين والآخرة في الصلاة، فاتفق المهاجرون والأنصار على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وولي الخلافة سنتين ونصفا، وقيل سنتين أربعة أشهر إلا عشرة ليال، وقيل سنتين، وقيل عشرين شهرا، واختلفوا لاختلاف وفاته رضي الله عنه ومدت ذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. فأما وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فمضبوط كما مر معنا، وأما وفاة أبي بكر فاختلف فيه، ولهذا اختلفوا، فمنهم من قال سنتين ونصف، ومنهم من قال وأربعة أشهر، ومنهم من قال وثلاثة أشهر وبضعة أيام، والكثير منهم جعلوه وثلاثة أشهر وبضعة أيام. قال: وله من الولد عبد الله، أسلم قديما وله صحبة، وكان يدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما في الغار -يعني يأتي لهم بالطعام وغيره ويزورهم ويأتيهم بالأخبار- أصابه سهم يوم الطائف ومات في خلافة أبيه رضي الله عنه أرضاه. قال: وأسماء ذات النطاقين، سميت بذلك لقصة الهجرة المشهورة في الصحيح، وهي زوجة الزبير بن العوام، هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فكان أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة. وأمه قتيلة بنت عبد العزة من بني عامر بن لؤي لم تسلم. وعائشة الصديقة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ثالث أبناء وبنات أبي بكر رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. وأخوها لأمها وأبيها عبد الرحمن بن أبي بكر، شهد بدرا مع المشركين وأسلم بعد ذلك. وأمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة، أسلمت وهاجرت وتوفيت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وأبو عتيق محمد بن عبد الرحمن -يعني ابن أبي بكر- ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم نعرف في الصحابة أربعة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم أولاد بعض سواهم -يعني محمد ابن عبد الرحمن ابن أبي بكر ابن الصديق ابن أبي قحافة عثمان بن عامر- فهؤلاء أربعة مستسلسلون كلهم صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: الأب والابن وابن الابن وابن ابن الابن. وليس هذا لأحد من الصحابة إلا لأبي بكر، فأبوه وابنه وابن ابنه كلهم لهم صحبة، ولم يعرف هذا عن أحد من الصحابة. ويدلك على فضل أبي بكر فإنه اجتهد في دخول الإسلام إلى أهله حتى عمى الآباء والأبناء. قال: ومحمد ابن أبي بكر ولد عام حجة الوداع، أمه أسماء بنت عميس كما في حديث جابر في صحيح مسلم، ولدت به في ذي الحليفة. قال: وقتل بمصر وقبره بها، وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية. وأم كلثوم بنت أبي بكر ولدت بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه أرضاه، حملت أمها ومات أبو بكر وهي حامل، وكانت من التابعيات. أم كلثوم بنت أبي بكر من أعقل نساء العرب أجملهن، تزوجها ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وبعده مصعب بن الزبير. قال: وأمها حبيبة، وقيل فاختة بنت خارج بن زيد بن أبي زهير الأنصاري، تزوجها طلحة بن عبيد الله. وله ثلاث بنين وثلاث بنات كلهم له صحبة إلا أم كلثوم -يعني الأخيرة- لأنها ولدت بعد موت أبي بكر رضي الله عنه. قال: ومحمد ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم واختلف في صحبته، والصحيح أن له صحبة بما كان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ولد في حجة الوداع، رآه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان له شرف الصحبة، لكنه من صغار الصحابة، فالصحبة شيء والرواية شيء آخر، ولهذا اختلف في روايته: هل من قبيل المرفوع أو المرسل. قال: ومات أبو بكر رضي الله عنه بجمادى الآخرة لثلاث ليال بقين منه -يعني من جمادى الآخرة- معناه في سبعة وعشرين، وقيل لثمان بقين -يعني اثنين وعشرين- من جمادى الآخرة، وعلى هذا تكون مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وبضعة أيام. قال: سنة ثلاث عشرة، فيكون بهذا كما تقدم مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وبضعة أيام. وكان سبب موته كما ذكر في كتب التاريخ والسير أنه مرض بالسل، ذكر ذلك بعض أهل السير، قاله الزبير بن بكير. وذكر بعضهم أنه اغتسل في يوم بارد فأصيب بحمى فمات، ذكره الواقدي. والأشهر الذي ذكره أكثر أهل السير أنه مات مسموما رضي الله عنه أرضاه، سمته اليهود في حريرة أو غيرها من طعام أكله. وكان معه الحارث بن كلدة طبيب العرب الثقفي المشهور، حتى عمي الحارث بن كلدة من أثر السم، فمات قبل أبي بكر، وبقي أبو بكر رضي الله عنه سنة بعد أكل السم، فمات رضي الله عنه أرضاه من أثر السم كما ذكر ذلك صاحب تحفة الأحوذي وصاحب مروج الذهب وغيرهم من أهل التاريخ وأهل السير ومن كتب في ثنايا كتبه في السيرة أو في التاريخ. مع اتفاقهم أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة رضي الله عنه أرضاه. وأوصى رضي الله عنه أرضاه في مرض موته بالخلافة لعمر، وفيه قصة روى معناها ابن أبي حاتم في تفسيره، وجاء عند البيهقي وذكره الواقدي وإسناده حسن. أنه لما كان في مرضه نادى عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد وأسيد بن حضير، فقال رضي الله عنه أرضاه: يا عثمان، ماذا تعلم عن عمر رضي الله عنه؟ فقال عثمان: أنت أعلم به مني، والله ما علمي به إلا أن سريرته خير من علانيته، وليس فينا جميعا مثله. فسأل عبد الرحمن بن عوف فقال مثل ذلك، وأقر جميعا بذلك. ثم دعا بإداوة وقرطاس وأمر عثمان رضي الله عنه أن يكتب الوصية المشهورة التي قرئت على المسلمين، وفيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده من الدنيا خارجا منها وأول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب. أني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله وديني وإياكم ونفسي خيرا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فكل مرء مكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وعند هذه الآية في تفسير ابن كثير ذكر الأثر ابن كثير رحمه الله، وابن أبي حاتم في تفسيره، وهكذا كذلك السيوطي في الدر المنثور وغيرهم من أهل السير والتاريخ في ترجمة أبي بكر رضي الله عنه روي عن عائشة وغيرها. ثم قال: وأمر بما كتب، قال رضي الله عنه بعد أن كتب ذلك: أمر بتختيم الكتاب، ثم رفع يدي وقال: اللهم إني لم أرد إلا صلاحهم، وقد علمت فيهم بما أنت أعلم به، واجتهدت لهم برأيي. قال: ووليت عليهم خيرهم وأقواهم عليه، قال: فاخلفني فيهم فإنهم عبادك ونواصيهم بيدك، أصلحهم له وأصلحه لهم، يدعو لعمر رضي الله عنه ويدعو لي الناس. وانظروا إلى الاعتناء بالدعاء وفضل إصلاح الراعي للرعية. ثم قال رضي الله عنه: واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدى نبيك وهدى الصالحين بعده. ثم دعا فأوصى بما أوصى، وأمر عثمان أن يخرج على الناس بالكتاب. خرج عثمان فقال: تبايعون بما في هذا الكتاب؟ فقال الناس جميعا: نعم. وقال علي رضي الله عنه أرضاه: أما علمنا أنه عمر؟ فرضيوا جميعا وبايعوه رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.