الصحيح المسند من دلائل النبوة  151

الصحيح المسند من دلائل النبوة 151

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 151، الدرس الحادي والخمسون بعد المائة:( ومنها تبرك بعض أصحابه بلباسه ... قال:إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني قال سهل:فكانت كفنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تبرك الصحابة بالنبي وتأصيل نبوته

تبرك الصحابة بلباس النبي صلى الله عليه وسلم يدل على نبوته وخصائصه الفريدة. هذا التبرك كان شائعًا بينهم كما يظهر في الحديث الذي يرويه رجل عن ثوب أعطاه النبي له.

التحذير من التبرك بغير النبي

التبرك بغير النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر بدعة وقد يؤدي إلى الشرك الأكبر، لذا يجب سد هذا الباب حماية للتوحيد. لم يثبت عن الصحابة والتابعين ما يخالف ذلك.

استنباطات وفوائد من الحديث النبوي

الحديث النبوي يحتوي على العديد من الفوائد، منها استحباب إكرام ذوي المواضع الخاصة ومشروعية السؤال للآخرة وعدم جواز أخذ مال الغير بغير طيب نفس. كما يبين جواز تكفين الميت بأي ثوب متيسر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: ومنها تبرك بعض أصحابه بلباسه. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن مسلمة -وهو ابن قعنب القعنبي، أحد الأعلام والثقات الأثبات ممن روى لهم في الصحيحين- قال: حدثنا ابن أبي حازم -وهو عبد العزيز بن أبي حازم، صدوق تكلم في روايته عن سليمان بن بلال- قال: عن أبيه. وأبوه سلم بن دينار الأعرج، أحد الأئمة، كذلك روى له في الصحيحين. قال: عن سهل رضي الله عنه: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فيها حاشيتها. أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة. قال: نعم. قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها -تعني تهديها للنبي صلى الله عليه وسلم إكرامًا له عليه الصلاة والسلام-. قال: فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها -يعني أحوج ما يكون إليها- قال: وخرج إلينا وإنها لإزاره -يعني قد لبسها إزارًا- قال: فحسنها فلان، فقال: اكسونيها ما أحسنها. ومعنى حسنها: أثنى عليها. قال القوم: ما أحسنت؛ لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، ثم سألته وعلمت أنه لا يرد -يعني سائلًا- قال: إني والله ما سألته لألبسه، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك قال: ومنها تبرك بعض أصحابه بلباسه. ومعناه: أنه قد اشتهر عند الصحابة رضي الله عنهم حصول البركة بلباسه من بعده عليه الصلاة والسلام، ولهذا نظائر كثيرة. واستشهد الشيخ -كما من سبقه أو سبقه من أهل العلم ممن ألف في الدلائل- بهذه القصة اكتفاءً بها عن غيرها، حتى إن المنافقين طمعوا أن يكسوهم النبي صلى الله عليه وسلم من لباسه. وتعلمون قصة عبد الله بن أبي حين مات، فالنبي صلى الله عليه وسلم ألبسه لباسه -كفنه فيه- وهذا يدل أنه قد اشتهر عندهم حصول البركة بلباسه عليه الصلاة والسلام. لكن هذه القصة -كونها في مسلم- وطلبها وأقر الصحابة هذا الصحابي لكونه طلبها لأن تكون كفنًا، دل ذلك على أن ذلك كان متحققًا عندهم رضي الله عنهم أرضاهم، فكلهم يقرون بهذا. وهذا هو موضع الشاهد من الحديث، ففيه من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام حصول البركة بلباسه، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. فليس أحد يتبرك بذاته، ولذلك لم يثبت عن الصحابة ولا عن أحد من الأئمة القول بخلاف هذا. وبه نعرف كذلك خطأ قول بعض المتأخرين: أن في مثل هذا الحديث ونظائره الجواز التبرك بالرجل الصالح. هذا خطأ، وأن الصحيح عدم تعميم هذا الحكم؛ لأن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. ويدل على ذلك ويؤكده أنه لم يثبت عن الصحابة ولا عن أحد ممن بعدهم ما ينافي ويخالف ذلك. فقول من قال: إن هذه الأحاديث فيها جواز التبرك بالرجل الصالح، هذا خطأ. وأعظم من ذلك أن يظن أن أحدًا يمكن التبرك به والانتفاع ببركته في الدنيا وفي الآخرة، فهذا أعظم فسادًا وشرًا، بل هو ذريعة للشرك. ولهذا كان قول المحققين من أهل العلم: سد هذا الباب، وأنه لا يجوز التبرك بأحد بعد النبي عليه الصلاة والسلام مهما كان هذا المتبرك به في الفضل؛ ففضله لنفسه، ولا يتبرك به سدًا لذرائع الشرك وحماية لحمى التوحيد، حتى لا يحصل من الغلو ما يفضي إلى الشرك ويوصل إليه. وهذا هو الواقع، فإن الباب ابتدئ بالتبرك وانتهى بالشرك. وما أكثر من وقع في الشرك باسم التبرك. مسألة التبرك بدعة، لكنها تفضي إلى الشرك. ولهذا كان في قول بعض أهل العلم: من الشرك الأصغر؛ لأنه يفضي إلى الشرك الأكبر. وكل ما أفضى إلى الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر. ولأنه كذلك يقع مقترنًا بشيء من الغلو في هذا المتبرك به. فانظروا اليوم إلى هؤلاء المتمسحين بالقبور والمتبركين بها، زعموا: هم في الحقيقة يرجون نفعًا ويؤملون دفع ضر مما يزعمون أنهم يتبركون به. وفيه -وهو عين الشرك-. فتلك الأتربة التي يأخذونها يطلبون بها الشفاء، أو ما يقطعونه من الستر حول وفوق تلك التوابيت أو غير ذلك مما يأخذونه ويزعمون أنه تبركًا، وهو في الحقيقة ليس تبركًا، فهو الشرك. فنعلم بهذا أن التبرك أولًا بغير النبي صلى الله عليه وسلم بدعة، بل هو ذريعة للشرك. ونعلم ثانيًا أنه قد يسمى تبركًا وهو ليس تبركًا بل هو شرك، كحال هؤلاء المتمسحين بالقباب والقبور والتوابيت والآخذين منها ما يرجون به دفع ضر وجلب نفع، فهو عين الشرك الذي كان يفعله المشركون الأولون. فالواجب سد هذا الباب. وقول من قال: إنه يشرع التبرك بالرجل الصالح خطأ، ولو قاله من قاله. وفي هذا الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل: فيه صبر النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة على شدة العيش. وفي هذا تسلية لمن بعده عليه الصلاة والسلام. فإذا كان نبي عليه الصلاة والسلام -وهو من هو عليه الصلاة والسلام- قد ابتلاه الله جل وعلا بشدة العيش، ومن معه من الصحابة حتى عز عليهم اللباس، صار اللباس عندهم وعليهم عزيزًا شديدًا قليلًا إن وجدوه، وجدوا ما لا يستر كل الجسد، ربما يجد أحدهم -كما قال أبو هريرة- ما لا يستر إلا ما بين سرته وركبته. وليس هذا فحسب، بل يتأنى في الخطأ لقصر ذاك الذي يستتر به خشية أن تنكشف عورته إذا كبر خطوته -يعني إذا قصير- ومع قصره ليس بواسع، لو فتح رجله كاملة انكشفت عورته. واليوم نحن -بحمد الله- تأسرنا من اللباس أرداف الأرداف، ليس لباسًا ولا لبسين ولا ثلاثة. وهذا من فضل الله عز وجل، ومع ذلك فقليل من عباد الله من يشكر، وأكثرهم يشتكي وتصخَّط. ولو تأمل الناس حال نبيهم عليه الصلاة والسلام وما كان عليه لكان لهم فيه أسوة وتسلية، أن ما هم فيه نعمة ينبغي أن يشكروا الله عز وجل عليه، على ما أنعم عليهم بها سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك فيه من المسائل: مواساة المسلمين بعضهم لبعض، وعلى وجه الخصوص إكرام ذوي موضع الإكرام. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة رضي الله عنهم -لحبهم له- يحبون إكرامه تارة بلباس وتارة بهدايا بطعام وغير ذلك. ففيه استحباب ذلك. وفيه حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك يقال فيما كان بمعناه. وفيه من المسائل كذلك مشروعية السؤال على الوجه المأذون فيه. ومما يؤذن فيه: أن يكون لأجل الآخرة لا لأجل الدنيا؛ فإن ذلك مما يؤذن فيه. فهذا الرجل أراد بذلك ما عند الله من أمر الآخرة، لم يرد الدنيا. وفيه كذلك عدم مشروعية السؤال مع الحاجة إذا علم أن ذلك يؤذي غيره. فإذا كنت فقيرًا وغيرك قريب من فقرك فلا تؤذيه بالمسألة، ولو ظننت أن ذلك يؤذن لك ما دام أنه فيه أذية فلا تسأل. فليس كونك مأذونًا لك يكفي في أن تسأل، ولكن اسأل من تظن أن المسألة لا تؤذيه ولا تضره. ومن ذلك سؤال من يظن أنه يضر بنفسه خشية أن يؤثر عنه البخل والشح. وفيه كذلك عدم جواز أخذ حق الغير إلا عن طيب نفس. فلا يحل أخذ مال الغير إلا عن طيب نفس، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان هذا الأخذ بالتصريح أو بالتلميح. لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه. فلو أخذه بقوة أو بسؤال أو بتعريض وهو بغير طيب نفس لم يحل له ولا يجوز. ومن ذلك ما استنكره الصحابة في تحسين الرجل هذا الكساء. ونص العلماء في كتب الفقه: أن من أهدي إليه بثنائه وكان ذلك سببًا في الإهداء، فإن ذلك مما لا يحل. ذلك مما لا يحل. يعني مثلًا: تأتي تقول: ما أجمل القلم الذي معك، ما شاء الله قلم جميل، من أين اشتريته؟ من المكان الفلاني؟ بكم اشتريته؟ فتكثر عليه السؤال حتى تحرجه فيقول: خذه هدية. فإذا أخذته وقد علمت أنه أعطاك من حرج وليس عن طيب نفس، فأنت أخذته بغير حله؛ لأنك أخذته بغير طيب نفس، حتى ولو قال: خذه. فكونه قال: خذه ليس معناه أن نفسه قد طابت، وإنما بإلحاحك وبإحراجك له أعطاك. وفي هذا الحديث كذلك جواز الكفن بأي ثوب، على خلاف ما يعتقده العامة. فالعامي ما يظنون أنه يشترط أن يكون بالأبيض، وأن يكون كذلك بثلاثة لفافات. يستحب أن يكون بثلاثة لفافات كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا يشترط. فإذا لم يتيسر ما هو الأفضل أن يسأل له الناس أو بما يجدون من ثيابه. الجواب الثاني: ما يجدون من ثيابه أفضل من أن يسأل له الناس. مثلًا: يقولون: فلان اليوم مات يا إخوان، ما عنده كفن، اجمعوا له كفن ما يحتاج لهذا، بل ما يجدون من ثيابه الواسع في بيته يكفن بها والحمد لله. فليس من شرط تكفينه أن يكون بالشيء الأبيض، ولا بثلاث قطع متساوية كما يظن الناس، حتى ربما بعضهم يظن أنه إذا كفن بغير ذلك حصل الإثم العظيم، كبيرة من الكبائر. وهذا خطأ وليس بصحيح. بل الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكفنون بما يتيسر ويجدون. وهذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى تدل على هذا المعنى. طيب، نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.