الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 183، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي قصة زوجين فقيرين كرمهم الله برزق وفير، مما يدل على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. هذه الكرامة تشير إلى أن كرامات الأولياء تدل على صدق نبوة الأنبياء.
يشرح الحديث النبوي حول الرحى التي تدور بنفسها ويحذر من المسألة ويحث على التسبب في الرزق. الله تكفل لمن سعى وأخذ بالأسباب ألا يرده خائبًا.
تناول حكم حديث احتطب الرجل، حيث أشار إلى تصحيح شيخه له وضعفه عند الإمام أحمد وتفرد أبي بكر بن عياش به. كما ناقش تراجعات العلامة الألباني في تصحيح هذا الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا ابن عامر، قال: أخبرنا أبو بكر عن هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل رجل على أهلي، فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما رأت امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: ﴿اللهم ارزقنا﴾، فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت. قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئًا. قال: فرجع الزوج، قال: أصبتم بعدي شيئًا؟ قالت امرأته: نعم، من ربنا. قام إلى الرحى، فذكر ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما إنه لو لم يرفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة». قال: وشهدت النبي صلى الله عليه وسلم هو يقول: «والله، لئن يأتي أحدكم صبيرًا، ثم يحمله يبيعه فيستعف فيستعف منه، خير له من أن يأتي رجلًا يسأله». هذا حديث صحيح، ورواته رواة الصحيح. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأدلة دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام من كرامات أتباعه، وتقدم معنا أن كرامات الأولياء هي دلائل لصدق نبوة الأنبياء. وهذا الحديث كما نرى. علق شيخنا رحمه الله: أخرجه الإمام أحمد من طريق شيخه ابن عامر، وهو الأسود بن عامر الملقب بشاذان، تقدم معنا أخرج له في الصحيحين أحد الثقات الأثبات، وهو يرويه عن أبي بكر. وكما قال شيخنا: هو ابن عياش، كذلك من رجال الصحيحين، إلا أنه اختلط في آخره، فهو ثقة اختلط في آخره، وهو يرويه عن هشام. قال شيخنا: هو ابن حسان، كذلك من أهل الصحيح، ومحمد هو ابن سيرين الإمام الحافظ المشهور من رجال الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وجه الشاهد من هذا الحديث هو ما فيه من كرامة لهذين الزوجين الفقيرين، إذ اشتدت فاقتهما وفقرهما حتى لم يجدا شيئًا يأكلانه، فخرج الرجل كما نرى يتسبب إلى البرية يبحث عن شيء لعل الله يرزقه شيئًا يأكله هو وأهله، فرجعا فلم يجد شيئًا. وكانت زوجته قد تسببت، فذهبت إلى الرحى وكذلك إلى التنور، لعل الله يرزق زوجها شيئًا، فتكون قد جهزت ما يكون سببًا لطعامهم، فجعل الله عز وجل ذلك سببًا في أن الرحى تدور فتخرج طحينًا، فكان ما رزقهم الله عز وجل به. وأشار شيخنا أن قوله: «قام إلى الرحى» يعني: أوقفها عند دورانها ورفعها من موضع طحنها؛ لأن الرحى كما يعرف بعضكم هو عبارة عن حجرين أحدهما في الأرض والثاني فوقه، ويحرك الأعلى فوق الأسفل فيضحن به الطحين، وهو له كيفيات وصور كثيرة. بعضها مثل حركة فرش الخبز تعرفون، فتكون في الأعلى حجر ثقيل يمر فوق البر فيضحن، ونوع آخر، والظاهر هذا هو المقصود ها هنا، يكون عبارة عن حجرين أحدهما دائري والآخر الذي فوقه مثله، والغالب أن الذي فوق مثل الذي في الأسفل في الثقل أو أثقل منه. وفي وسط الحجرين ثقب، وفي أعلى الحجر الأعلى يوضع في وسط الحجرين عود أو خشب أو حجر يكون سببًا في شبك الحجرين مع حركة الحجر الأعلى وثبات الأسفل، ويكون في طرف الحجر الأعلى مقبض، يعني هكذا يدور. فحركة الحجر الأعلى وهو يدور مع ثقله يكون سببًا في طحن البر في أسفله. فظاهر هذا الحديث أن الرحى كانت تدور بنفسها وتخرج طحينًا من بين الحجرين، فلما جاء الزوج ورفع الحجر لينظر أو ليخرج ما تحته توقف خروج الطحين. وهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «أما إنه لو لم يرفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة»، يعني أن الله رزقهم هذا الرزق، وكان رفع الحجر وهو بقدر الله سبب لوقوف ذلك، مثل ما قال عليه الصلاة والسلام: «لو لم تقل زمزم يعني إلزم مكانك، لا كان نهرًا يجري إلى يوم القيامة»، فهو سبب كذلك جعله الله عز وجل، وهو كله بقدر الله. وقول النبي صلى الله عليه وسلم بعده: «والله لأن يأتي أحدكم صبيرًا إلى آخره»، معناه: لا تستعجلوا على أنفسكم بترك الأسباب والوقوع في المحذور لشدة فقر وفاق أصابتكم، فتسألون الناس، ولكن ليتسبب أحدكم الرزق، فالله رحيم بعباده. ففيه التحذير من المسألة، والأحاديث والأدلة في هذا الباب كثيرة، وفيه الحث على التسبب في البحث عن الرزق، وأن الله عز وجل تكفل لمن سأله وطرق بابه ألا يرده خائبًا. وقوله يعني: «صبيرًا ثم يحمله يبيعه»، يعني: لو يأخذ أي شيء يبيع حطب أو مجموعة من الشجر الصغير ونحوه فيبيعه فيعف نفسه به خير له من أن يسأل الناس، حتى لا يقول أحد: أنا ما عندي عمل، أنا ما عندي ما أكتسب به، فيقال: تسبب، تسبب. وما سيضيعك الله. واليوم الحمد لله أسباب الرزق كثيرة. كان الصحابة رضي الله عنهم في فقر أشد من فقرنا، وفي كذلك قلة أسباب أكثر من قلة أسبابنا، ومع ذلك حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من المسألة وأمرهم بالتسبب في البحث عن الرزق، فكذلك نحن من باب أولى في هذا الزمان. يستطيع الرجل أن يذهب فيحتطب كما علم النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أصحابه، وهو تعليم لأمته إلى يوم الدين، ويكون هذا سببًا للرزق. يستطيع أن يذهب فيجمع العشق فيبيعه فيكون سببًا للرزق. يستطيع أن يذهب إلى أي مزرعة فيسألهم أن يعينهم في شيء فيكون سببًا للرزق. يستطيع أن يذهب إلى أي موضع يعمل فيه أناس فيعينهم في عملهم فيكون سببًا للرزق. تحمل الإنسان متاع أو كذلك فتعد له أو ترتب له أو غير ذلك من الأسباب الكثيرة التي هي من أسباب الرزق. تستطيع أن تذهب فتقطع من شجر الأراك ما تبيعه فيكون سببًا للرزق. تستطيع أن تذهب إلى البرية فتجمع ما يمكن أن يباع من لبان أو غيره، وما أكثر أشجار البر التي فيها أسباب الرزق، وهي كلها لله، لا يمنعك أحد أن تجتهد في إيجاد الأسباب فيرزقك الله سبحانه وتعالى. المقصود هو هذا. وهذا الحديث كما نرى شيخنا رحمه الله أخذ على ظاهر إسناده فصححه، والظاهر أنه حديث معل. فقد ذكر الخلال في «المنتخب من علله» عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل عن هذا الحديث فأشار إلى ضعفه. فقد سأل الإمام أحمد: هل رواه غير الأسود عن أبي بكر؟ فقال: لم أسمعه إلا من الأسود يعني عن أبي بكر، فتفرد به أبو بكر بن عياش، وهو كأنه في هذا الموضع لا يصلح للتفرد. وأشار الإمام أحمد رحمه الله أن أبا بكر يضطرب في حديثه، وأنه إذا كانت الرواية عن الكبار فذاك الصحيح، وإذا كان عن الصغار فذاك الذي لا يصلح للتفرد؛ لأنه اختلط رحمه الله في آخره. وقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله ذلك: أنه اختلط في آخره رحمه الله تعالى، وهو يضطرب في حديثه عن الصغار. وأشار العلامة الألباني رحمه الله - وهذا الظاهر من صنيعه في إيراد هذا الحديث في «الضعيفة» - وقد استشكل ذلك بعض أهل العلم؛ لأنه أورده أي الألباني رحمه الله في «الصحيحة» في المجلد السادس، وأورده كذلك في «الضعيفة» في المجلد الحادي عشر، ولم يذكر فيه تعليقًا. فقال المخرج للكتاب: لعل الشيخ رحمه الله - الألباني - أراد أن يشير إلى رواية شهر بن حوشب وما فيها من زيادة، وأنها ضعيفة؛ لأنه رحمه الله ذكر الحديث في «الصحيحة» هكذا قال في تعليقه على الحديث. ولكن الظاهر والله أعلم أن الشيخ الألباني رحمه الله أورده لوقوفه على العلة في هذا الحديث، ولكن كما تعرفون المجلدات الأخيرة خرجت ولم يكمل الشيخ رحمه الله دراسته لأحاديثها، فكأنه بيض له بياضًا يريد أن يكتب شيئًا، ولكن وافته المنية رحمه الله رحمة واسعة قبل أن يكتب شيئًا، فيكون هذا من تراجعاته في تصحيح هذا الحديث. وهذا هو الذي يظهر خصوصًا بعد وقوفنا على كلام الإمام أحمد رحمه الله، فيكون الحديث معل، ومعناه صحيح. وما أكثر كرامات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وأما بهذا الإسناد فلأجل تفرد أبي بكر بن عياش، وكلام الإمام أحمد رحمه الله الذي نقله الخلال، هو حديث معل، والله تعالى أعلم.