الصحيح المسند من دلائل النبوة 2

الصحيح المسند من دلائل النبوة 2

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 2، الدرس الثاني:من( وذكرت أيضا فصلا في دلائل النبوة التي أخبر ... من رآهم بعباد المشركين من الهند الذين يعبدون الأنداد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في دلائل النبوة وأهميتها

يتناول هذا الفصل شرح دلائل النبوة وأهميتها في إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن المعجزات ليست من حول الأنبياء ولا بقدرتهم. يتم التأكيد على دور هذه الدلائل في التصديق.

التمييز بين دلائل النبوة وكرامات الأولياء وخوارق السحرة

يفرق هذا الفصل بين دلائل النبوة وكرامات الأولياء وخوارق السحرة والمشعوذين، مع شرح أنواع الخوارق ودلالتها. يتم توضيح الفروق بين هذه الظواهر الثلاث.

حكم الاستعانة بالجن وضوابطها

يناقش هذا الفصل حكم الاستعانة بالجن، ويخلص إلى عدم جوازها لما قد يترتب عليها من مفاسد. يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة وموقف النبي صلى الله عليه وسلم.

ختام الدرس والإشارة إلى المواضيع اللاحقة

تم اختتام الدرس بذكر الجن والإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، مع التأكيد على علم الله تعالى بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الجامع الصحيح أو الصحيح المسند من دلائل النبوة»: «ذكرت أيضًا فصلًا في دلائل النبوة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأمور المستقبلية، وتركت الأدلة كما هي، فلم أحملها على فلان ولا فلان، خشية أن أحملها على أمر فيأتي في المستقبل ما هو أوضح منها، ومنها ما قد مضى، كأنه سقط منها، ومنها ما قد مضى». أحد عنده الطبعة الأولى عندك يا أبا عبد الله؟ نفسه، كأن الكلام يحتاج لأجل أن يستقيم زيادة: «ما هو أوضح منها، ومنها ما قد مضى». والله أعلم. قال: «فلم أحملها على فلان ولا فلان خشية أن أحملها على أمر فيأتي في المستقبل ما هو أوضح منها، ومنها ما قد مضى، وهو الأغلب، ولا أذكر ما لم يمضِ إلا إذا كان في جمل الحديث، فلم أستحسن قطع الحديث، وإن كان جائزًا بشروطه المعروفة في المصطلح، وقد توخيت الصحيح، وربما ذكرت الحديث وبعد البحث أعثر له على علة، فإما أن أحذفه، وإما أن أبقيه مبينًا علته لإفادة القارئ؛ يعني أن هذا الحديث معل، ولو اشتهر أنه صحيح». قال: «ولم أكثر من تخريج الحديث، حتى إن الحديث قد يكون متفقًا عليه، فبعضها خرجته من مسلم، وبعضها اكتفيت على البخاري؛ لأني قد ذكرت الحديث بسنده من الكتب المعتمدة، والحمد لله على كل حال، والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجه الكريم، وأن ينفع بهذا المؤلف الإسلام والمسلمين، آمين». قال: «تنبيه: هذه المعجزات التي أجراها الله على أيدي الأنبياء، ليس بحول الأنبياء عليهم السلام ولا بقدرتهم، ولكن الله أجراها على أيديهم تصديقًا لهم؛ لأجل أن لا يغلو أحد في الأنبياء، فالأنبياء لهم منزلتهم الرفيعة، ولكن لا يعني أن يجعل لهم شيئًا ما هو لله سبحانه، بل هم مع علو منزلتهم هم عبيد لله سبحانه وتعالى». قال: «ولكن الله أجراها على أيديهم تصديقًا لهم، نبهت على هذا؛ لأن لا يظن بعض الغلاة أن هذا من تصرفهم، كما يفعل عباد القبور ومن نحا نحوهم، فإنهم يغلون في الأنبياء والأولياء، وجعلوا لهم من التصرف ما هو لله سبحانه وتعالى، وهذا خطأ؛ كون أن عيسى عليه الصلاة والسلام أحيا الموتى، لا يعني أنه يحيي بقدرته وقوته، ولكن الله عز وجل أجرى ذلك على يديه، فالأمر لله أولًا وآخرًا، وهكذا يقال في سائر الآيات التي جعلها الله عز وجل على يد الأنبياء، أو ما كان من بعضها على يد الأولياء مما خصهم الله به». قال: «تنبيه آخر: يدخل في دلائل النبوة ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الحميدة، وما أوتيه صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، وشمول التشريع لدقائق الأمور وأسرار التشريع، كل هذه الأمور». قال: «يدرك دخولها من رزقه الله إيمانًا وبصيرة وفهما لهذا الدين؛ يعني أنها تدخل في دلائل النبوة». قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: «تنبيه آخر: لما رأيت بعض ذوي الأهواء من القدامى والعصريين -والشيخ لم يذكر هذا النوع؛ لأن هذا دلائل أو هذا من الدلائل الخفية التي لا يعلمها كل أحد، وإنما يعلمها من رزقه الله بصيرة- ولو كان كافرًا، حتى الكافر إذا كان عنده بصيرة وإنصاف، فإنه لا يشك أن مثل هذا لا يكون إلا من نبي». ولهذا آمن بعض الكفار بمجرد ما سمعوا كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ أنه أوتي جوامع الكلم، علموا أن مثل هذا لا يكون إلا من نبي، مثل من؟ نعم، ضماد، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا» إلى أن أكمل خطبة الحاجة، سمع كلامًا عجيبًا ما سمع مثله قط، فقال: «أعد علي يا محمد»، فأعاد عليه: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه» إلى آخر خطبة الحاجة، قال: «أعد علي يا محمد» ثلاث مرات، ثم أخبر أنه سمع كلام الناس وكلام الكهان والسحرة والشعراء، فلم يقف على شيء مثل هذا، فآمن به نبيًا ورسولًا عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من رأى أخلاقه عليه الصلاة والسلام وآمن به، ومن سمع بسيرته وما دعا إليه فآمن به، مثل النجاشي، النجاشي لم ير النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أخبر بما يدعو إليه وما عليه من أخلاق وما أنزل عليه من قرآن، قال: «أسمعوني، أسمعوني بعض الذي أنزل عليه»، فقرأوا عليه من سورة مريم، فقال: «إن هذا والذي أنزل على عيسى ليخرج من مشكاة واحدة»، فآمن، مع أنه كان كافرًا، كان نصرانيًا كتابيًا، لكن من أوتي بصيرة وإنصافًا، فإنه يدرك أن مثل هذا دليل من دلائل نبوة من جاء به. قال رحمه الله: «تنبيه آخر: لما رأيت بعض ذوي الأهواء من القدامى والعصريين قد طعن في دلائل النبوة وفي كرامات الأولياء؛ لأنها قد تظهر قد تظهر بعض الخوارق أو تظهر قد تظهر بعض الخوارق على أيدي السحر والمشعوذين، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد قام ببيان الفوارق بين دلائل النبوة وبين ما يحصل من الخوارق للسحرة والمشعوذين، رأيت أن أنقل من كتاب شيخ الإسلام «النبوات» ما تيسر؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة». قال رحمه الله تعالى: «والخوارق ثلاثة أنواع: إما أن تعين صاحبها على البر والتقوى، فهذه أحوال نبينا ومن اتبعه؛ يعني ممن أوتي بعض ما يؤتى أولياء الله من كرامات». قال: «خوارقهم لحجة في الدين أو حاجة للمسلمين، وحجة في الدين يعني ليظهر الله عز وجل دينه، كما فعل مع النبي عليه الصلاة والسلام انشق القمر، وهكذا كذلك أسري به، وهكذا كذلك نبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك منها ما هو حجة للدين، كانت آيات مؤيدات، أسلم بسببها كثير من الناس، وقامت الحجة على آخرين أكثر». وإما لحاجة المسلمين كنبع الماء من أصابعه عليه الصلاة والسلام، حاجة المسلمين إلى الماء أيد الله نبيه بأن نبع الماء من أصابعه، وكثر له الطعام القليل وبارك فيه، وغير ذلك ونحوه وقع للصحابة من بعده عليه الصلاة والسلام. قال: «والثاني: أن تعينهم على مباحات، كمن تعينه الجن على قضاء حوائجه المباحة، فهذا متوسط، وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه، بل هي على ثلاثة أحوال: فمنها ما هو كرامة، ومنها ما هو عادة، ومنها ما هو فتنة واستدراج من الشيطان». فإنها أي الجن قد تخدم بعض بني آدم كرامة من الله عز وجل وآية من آياته، كما كان لمن من أنبياء الله سليمان، سليمان خدمته الجن وسخر له الجن، فكان آية من آيات الله ودليل من دلائل نبوة رسول من رسول الله، وهو سليمان عليه الصلاة والسلام. وقد تكون كذلك عادة، قد تكون عادة لا تدل على كرامة ولا تدل كذلك على غيرها، وقد كان هذا في زمن أن يستخدم الجن بما يكون بين الإنس والجن، يعني كان بين الإنس والجن تداخل وخلطة لم تكن كحال الناس قبل وبعد، وهذا قد يكون في زمن من الأزمان، فكون أن إنسان من الناس يخدمه جني لا يعني ذلك أنه من البارين أو من أهل البر والتقوى، ولا يعني أنه كذلك من أهل السحر والشعودة، إلا أن إن كان به شيء يرجح هذا أو هذا. وقد يكون هذا الثالث وهو الغالب في هذا الزمان أن يكون فتنة واستدراج وتسلط من الجن على الإنس، فإن الجن في الغالب لا يخدمون الإنسان إلا أن يكون من هذا الإنسان شيء من التنازل عن دينه، ولهذا كان القول الراجح في مسألة استعانة الإنس بالجن أنها لا تجوز؛ لأن الجن لا يؤمنون، ولأنهم في الغالب لا يخدمون الإنس إلا بتنازل هذا الإنس عن شيء من دينه أو فتنته به، بل هو ذريعة للشرك والعياذ بالله، فإنه قل أن يسلم من يستعين بالجن من الوقوع في الشرك، قل أن يسلم. قال رحمه الله تعالى: «فكلام شيخ الإسلام باعتبار أحوال الجن مع الإنس في سائر أمر الإنسان مع الجان، أما باعتبار ما آل إليه الأمر، فالصحيح أنه لا يجوز الاستعانة بالجن أبدًا، حتى ولو قال: أنا ما أستعين بهم إلا في جائز وحلال وفي خير وفي بر». قال: «لا يجوز درء المفاسد أو جلب المصالح». قال رحمه الله تعالى: «وهذا يشبه تسخير الجن لسليمان عليه السلام، والأول مثل إرسال نبينا إلى الجن يدعوهم إلى الإيمان، فهذا أكمل من استخدام الجن في بعض الأمور المباحة». كلامه رحمه الله على مسألة الاستخدام فيما يعين أو فيما يكون فيه نصر للدين أو يكون في أمر مباح، وسليمان استعان بالجن في أمر ديني وفي أمر مباح. ومن أمثلة استعانته بهم في الأمر الديني ماذا؟ «طلبه أن يؤتى بعرش ملكة سبأ»، فإن هذا من الأمر الديني الذي كان داعيًا لإيمانها وإسلامها، فلما كان عند من عنده علم من الكتاب قدرة أكثر من قدرة الجن، قدم قدرة من عنده علم، وإلا في أول الأمر عرضه على من؟ على الجن. قال: «والأول مثل إرسال نبينا إلى الجن يدعوهم من الإيمان، فهذا أكمل من استخدام الجن في بعض الأمور المباحة، كاستخدام سليمان عليه السلام لهم في محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راصيات». قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. قال: «ونبينا أرسل إليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته كما أرسل إلى الإنس، فإذا اتبعوه صاروا سعداء، فهذا أكمل له من ذاك؛ يعني من تسخير الجن له». قال: «كما أن العبد الرسول أكمل من النبي الملك، ويوسف وداود وسليمان عليه السلام أنبياء ملوك، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو عبد الرسول كإبراهيم وموسى والمسيح عليه السلام، وهذا أفضل، واتباعهم أفضل». وهكذا هناك شيء آخر وهو ما سبق ذكره أن الجن في الغالب لا يخدمون الإنسان في الأمور المباحة إلا وربما فتنوه ووصلوا بذلك إلى نقصان دينه. قال: «والثالث: أن تعينه على محرمات، مثل الفواحش والظلم والشرك والقول الباطل، فهذا من جنس خوارق السحرة والكهان والكفار والفجار، مثل أهل البدع من الرفاعية -يعني الطريقة الرفاعية وهي من طرق الصوفية المعروفة المشهورة- قال: «وغيرهم، فإنهم يستعينون بها على الشرك وقتل النفوس بغير حق والفواحش». وهذه الثلاثة هي التي حرمها الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾؛ يعني إذا كانوا يستعينون بهم في أصول الذنوب والمعاصي وهي الشرك والقتل والزنا، فإنه إذن لا يجوز الاستعانة بهم في ذلك، وإذا كان هذا الغالب، فالاستعانة بهم في المباح وسيلة للوصول إلى هذا، فلذلك درءًا للمفاسد أفتى من أفتى من العلماء، وهم جمع ليسوا بقليل، بعدم جواز استعانة الإنس بالجن، ولو ادعى أنه يستعين بهم في الخير والبر. قال: «ولهذا كانت طريقتهم من جنس طريقة الكهان والشعراء والمجانين، وقد نزه الله نبيه عن أن يكون مجنونًا وشاعرًا وكاهنًا، فإن إخبارهم بالمغيبات عن شياطين تنزل عليهم كالكهان، وأقوى أحوالهم لمؤلههم، وهم من جنس المجانين». وقد قال شيخهم: «إن أصحاب الأحوال منهم من يموتون على غير الإسلام». وأما سماعهم ووجدهم، فهو شعر الشعراء، ولهذا شبههم من رآهم بعباد المشركين من الهند الذين يعبدون الأنداد. فخلاصة ذلك أن من استعان بالجن في المحرمات هم صنف ثالث، وهذا لا يجوز، وأما الصنف الثاني وهو الاستعان بهم في المباحات، فإنه لا يجوز درءًا للمفاسد وحماية لحمى التوحيد. وأما كون نبي من الأنبياء استعان بهم في زمن من الأزمنة، فليس حال النبي كحال غيره، وكون أحدًا من الناس زعم أنه استعان بهم فيما فيه نفع وليس فيه ضر، فهذا إن صح فهي حكاية عين، وليست بالتشريع، ولا يصح الاستدلال بها، بل عمومات الأدلة من الكتاب والسنة تقضي بسد هذا الباب وعدم الاستعانة بهم؛ حتى لا يدخل الشر على الإنسان من قبل هؤلاء الجن. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.