الصحيح المسند من دلائل النبوة 54

الصحيح المسند من دلائل النبوة 54

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 54، الدرس الرابع والخمسون:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:ثنا أسود بن عامر ثنا هريم ... وهو من الأحاديث التي ألزم البخاري ومسلماً أن يخرجاها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث أبي شحم ودلالته على نبوءة الرسول

يشرح حديث أبي شحم الذي يروي رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين دلالته على نبوءة النبي وصدق رسالته. يُصحح نص الحديث بناءً على كلام شيخه مقبل بن هادي الوادعي.

دلائل نبوته وفضل الصحابة وتوبتهم

يشرح حديثًا يدل على نبوته من خلال إخباره بأمر غيبي، ويبرز فضل الصحابة وتفاوت درجاتهم، ويشير إلى أهمية توبتهم وقبولها. يُؤكد على عدم الأمن من الذنوب حتى للصحابة.

أهمية التوبة وخطورة المعاصي

يُظهر خطورة المعاصي من خلال قصة صحابي امتنع النبي عن مبايعته حتى تاب، ويُبرز أهمية التوبة والعودة إلى الله. يُشدد على ضرورة مقاومة الذنوب ومحاولة تجنبها مع الإسراع بالتوبة.

ضوابط التنفير في الإسلام وتطبيقاتها

يتناول ضوابط التنفير في الإسلام، ويبين أن التنفير يكون بغير صريح العبارة في الملأ، ويتعين في حالات نادرة لدرء المفسدة الكبرى. يستدل بقصة الثلاثة الذين هجرهم النبي صلى الله عليه وسلم لتخلفهم عن غزوة تبوك.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: وقال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا أسود بن عامر، قال: حدثنا هريم بن سفيان، عن بيان، عن قيس، عن أبي شهم، رضي الله عنه، قال: مرت بنا جارية بالمدينة، فأخذت بكشحها. قال: وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبايع الناس -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فأتيت، فلم يبايعني، فقال: «صاحب الجبيدة الآن». قال: قلت: والله لا أعود. قال: فبايعني. قال: وحدثنا سريج، قال: حدثنا يزيد بن عطا، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم، رضي الله عنه، قال: كنت رجلًا بطالًا. قال: فمرت بي جارية في بعض طرق المدينة، إذ هويت إلى كشحها. فلما كان الغد -يعني مد يده إليها- قال: فلما كان الغد، قال: فأتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعونه، فأتيته، فبسطت يدي لبايعه، فقبض يده، وقال: «قال أحبك صاحبك الجبيدة». هكذا عندي الظاهر فيه سقط، انظروا في مسند أبي شحم، أحسبك «أيوه» صواب، أحسبك «صاحب الجبيدة» والكاف زائدة، قال: يعني أما إنك صاحب الجبيدة أمس. قال: قلت: يا رسول الله، بايعني، فوالله لا أعود أبدًا. قال: فنعم إذن. قال: حديث صحيح، وهو من الأحاديث التي ألزم الدار قطني البخارية ومسلمًا أن يخرجاها. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره للأدلة التي فيها إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور الغيبية، فيكون بمثل ما أخبر، وهو من دلائل نبوته وصدق رسالته، عليه الصلاة والسلام، التي أيد بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجه الشاهد من هذا الحديث هو أن هذا الرجل من الصحابة، رضي الله تعالى عنه، وقع في هذا الخطأ -مد يده إلى جارية لا تحل له- فلما كان من اليوم التالي، امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من مبايعته، وأخبره بجبيذته -يعني مد يده على وجه لا يحل لجارية لا تحل له- وهذا أمر غيبي، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، ذلك دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته، عليه الصلاة والسلام. ومر معنا هذا الحديث قريبًا في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، فنذكر هنا شيئًا يسيرًا من مسائله، من باب مذاكرة العلم، أهمها ما أشار إليه الشيخ، رحمه الله، إذ فيه علم من أعلام رسالته، ودليل من دلائل صدق نبوته، عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بهذا الأمر الغيبي. وهكذا كذلك في هذا الحديث التفريق بين السابقين الأولين من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ومن دونهم، فإن الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، كلهم أهل فضل، ولكنهم لا يتساوون في الفضل، ولهذا أثنى الله عز وجل على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة من كتابه، قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ومع ذلك، فسائر الصحابة فيهم فضل بالسابقة، وكذلك الصحبة، وحضور الوحي، وما كان من خطأ قد يقع من بعضهم، فهو مغفور مع سابقتهم، وهم كذلك أسرع وأقرب للتوبة من غيرهم، ووقائع كثيرة تدل على ذلك، ومنها هذا الحديث، فإنه فيه توبة هذا الصحابي، رضي الله تعالى عنه، أرضاه. وقد قال النبي، عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي»، وهو عام يشمل السابقين من المهاجرين والأنصار ومن دونهم، قال: «فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». والمعنى أن العمل الكثير منكم لا يساويه العمل القليل منهم، لسابقتهم ولفضلهم. وفيه كذلك فضل هذا الصحابي والصحابة عمومًا، فإنه تاب وحسن توبته، وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك عدم الأمن على النفس، فإن النفس أمارة بالسوء، فإذا كان وقع نحو ذلك في حق الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فمن دونهم من باب أولى أن يخاف المسلم على نفسه من ذنوبه. فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من مبايعة صحابي في جَبْذِهِ -يعني مد يد لا تحل- فكيف بما هو أعظم منها؟ هذا صحابي، ومع ذلك ما نفعته صحبته، بل امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من مبايعته حتى تاب، قال: قلت: والله لا أعود أبدًا يا رسول الله، فبايعني، فقال: «الآن إذن»، فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك. وهكذا كذلك فيه أن الخطأ والذنب لا يسلم منه أحد، فكل ابن آدم خطأ، وليس معنى ذلك أن يتعمد الإنسان الوقوع فيه، ولكن معناه إذا ابتلي فوقع فيه، فلا ينبغي أن يصيب نفسه بالقنوط من رحمة الله، فليس الشأن كل الشأن أن يخطأ الإنسان أو يذنب، فإن ذلك قد يكون فلتات لبني آدم، فكل ابن آدم خطأ، ولكن الشأن العظيم ألا يتوب المرء من ذنبه، فالعبرة بالتوبة. ومع ذلك ليس هذا يستدعي التساهل في الوقوع في الذنوب والمعاصي، لا، الإنسان يدافع نفسه ويجاهد نفسه، ولا يعرض نفسه للفتن، ويجعل بينه وبين غضب الله وسخطه وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ومع ذلك إذا وقع منه شيء، فليبادر بالتوبة وليسرع بها. فإذا كان مثل هذا الصحابي خشي على نفسه، وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من مبايعته، فمن دون الصحابة من باب أولى. وأخيرًا فيه كذلك من المسائل جواز الإغلاظ على أهل المعاصي ليرجعوا عن ما يقع فيه من المعاصي، وأن ذلك لا ينافي فضلهم، وإنما ذلك إعانة لهم على الخير، فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، فيعان المرء على التوبة، ومن ذلك الشدة فيما ينفع، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من مبايعته، وكان ذلك سببًا في توبته، رضي الله تعالى عنه، أرضاه. وهل بهذا الحديث التشهير به؟ ليس هذا ظاهرًا، فإنه قد يكون بينه وبينه مد يده، وأراد أن يبايع، فامتنع، خصوصًا أن الكلام لمن لا يعرف القصة لا يفهم المعنى، قال: «نهو النبي عليه الصلاة والسلام أحسبك صاحب الجبيدة»، لو سمع هذا أحد بجانبه، ما عرف ما «صاحب الجبيدة»، ما يدري ما معنى هذا. لكن لأن الرجل علم ما صنع بالأمس، قال: «أما إني أتوب إلى الله» أو قال: «لا أعود أبدًا يا رسول الله»، فبايعني. فإن كان في ملأ من الناس، فيكون بغير صريح العبارة، وكان هذا من غالب هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا. أما إذا اقتضى المقام التعيين والتسمية، فإنه يقع، وهذا نادر، وهذا من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى، وهو تدل عليه عمومات، ووردت به بعض الأدلة، مثل قصة الثلاثة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم حين تخلفوا في غزوة تبوك. والله تعالى أعلم.