الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 55، الدرس الخامس والخمسون : (ثم الزيارة على أقسام ... في السنن المثبتة الصحيحة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع أقسام زيارة القبور، حيث تنقسم إلى بدعية وشركية وسنية. الزيارة السنية تكون بالتذكير بالآخرة والدعاء.
المقطع يبين حكم شد الرحال لزيارة القبور، موضحا أنه من الأمور البدعية ولا يجوز السفر لزيارة القبور حتى لو كان قبر النبي.
الهجر المنهي عنه يشمل كل قول أو فعل ينافي الإسلام، مثل الشرك أو الدعاء على النفس، وينبغي للعاقل أن يكون حليماً.
المقطع يشير إلى كثرة الأحاديث في الباب ويشكر الله على انتهاء الكلام، مما يدل على ختام الدرس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: «ثم الزيارة على أقسام ثلاثة يا أمة الإسلام، فإن الزائر فيما أضمره في نفسه تذكرة بالآخرة، ثم دعا له وللأموات بالعفو والصفح عن الزلات، ولم يكن شد الرحال نحوها، ولم يقل هجرا كقول السفهاء». فتلك سنة أتت صريحة في السنن المثبتة الصحيحة. ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى بعد أن أشار إلى أن الزيارة، أي زيارة القبور، تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ثم قال: «الزيارة على أقسام ثلاثة يا أمة الإسلام». وأراد أن يبين هذا لأنه يقع عند الناس لبس في أمر الزيارة، فإن الزيارة ثلاثة أقسام: زيارة بدعية، وزيارة شركية، وزيارة سنية. فالزيارة السنية هي التي توفرت فيها الشروط التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، قال: «فإنه الزائر فيما أضمره في نفسه تذكرة بالآخرة». إنه في زيارته لهذا القبر أو هذه القبور التذكرة بالآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة». قال: «ثم دعا له وللأموات بالعفو والصفح عن الزلات». يدعو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بغير ما حده، علم أن من زار أهل القبور يقول: «سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». وغيرها مما جاء بهذا المعنى. فإن الذي يأتي إلى القبور يدعو لها، لا يدعو منها. فإن جاء ليدعو لها ويدعو لنفسه تذكيرا بذنوبه ومعاصيه وزلاته، مثل ما جاء في الحديث: «نسأل الله لنا ولكم العافية»، لنا ولكم، يدعو لنفسه ويدعو للأموات. قال: «ولم يكن شد الرحال نحوها». وشد الرحل يكون بالسفر، يعني لم يسافر في زيارة هذه القبور. فإن شد الرحل لزيارة القبور من الأمور البدعية كما سيأتي، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما جاء في الصحيح: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وذكر المساجد الثلاثة: مسجده، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى. ومعنى هذا: لا تشد الرحال على وجه التعبد لبقعة من البقاع إلا هذه البقاع. فخرج بهذا شد الرحل على وجه التعبد لغير بقعة، كأن تزور أهل العلم، أو تذهب لطلب العلم، أو تزور كذلك من بينك وبينه أخوة، أو تذهب للنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تخرج للجهاد في سبيل الله. فكل هذا من التعبد، تتعبد لله عز وجل بهذه الأعمال، لكنها ما ذهب إليها قصدا للبقعة. هذا الفرق. وخرج بهذا كذلك نوع آخر، وهو الخروج لغير العبادة، كمن يخرج إلى بقعة من البقاع للتنزه، هذا يذهب لبيته في موضع آخر، أو يذهب إلى حديقة، أو يذهب إلى البر، أو يذهب كذلك في البحر لطلب الرزق أو غير ذلك، يقصد بقعة من البقاع لغير التعبد، فهذا لا بأس به. لأنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فخرج بهذا شيئين: أولا، ما دون التعبد، فإنه لا بأس بشد الرحال فيه ما لم يكن فيه معصية أو مخالفة من وجه آخر. ثانيا، ما كان على وجه التعبد لكن لغير بقعة معينة. وعلى هذا يكون شد الرحال للقبور يعد من الأمور المحدثة المخالفة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان هذا القبر قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لا تخرج سفرا تريد به زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، إنما تزوره إذا دخلت المدينة، تقصد بسفرك الذهاب إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم إذا وصلت المدينة عند ذلك يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا قبور الصحابة. قال: «ولم يقل هجرا كقول السفهاء». ولم يقل هجرا كقول السفهاء، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة، ولا تقولوا هجرا». والمراد بالهجر الذي ذكر في هذا الحديث هو كل ما ينافي الإسلام، سواء في عقيدة أو في عمل. قول يكون فيه شيء محرم، مثل أن يدعو أو يطلب من هذه القبور ما لا يطلب إلا من الله جل وعلا، فهذا من الهجر؛ لأنه من المنكر العظيم. أو كذلك يتصخب على قضاء الله وقدره إذا جاء إلى بعض القبور، يبكي إن كان أب أو إن كان صديق أو كان عالم أو كان إمام أو غير ذلك، يتصخب على قدر الله ويذكر ما كان منه من أعمال يحب بقاءها، فيتصخب على القضاء والقدر، فهذا كذلك من الهجر. أو كذلك يدعو على نفسه بالثبور والهلاك؛ لأنه لا تطيب له الحياة بعد موت هذا المحب الذي كان يحبه، وهذا كذلك من القول الذي يدخل في الهجر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكل ما كان بهذا المعاني الثلاثة: مما فيه وقوع بالشرك، أو ما يكون بمعنى مما ينافي التوحيد، أو رد القضاء والقدر، أو الدعاء على النفس، أو ما كان بمعنى هذه المعاني الثلاثة، فهو يدخل بمعنى الهجر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال: «كقول السفهاء؛ لأن العاقل ما يقول مثل هذا الكلام». العاقل ما يقع في مثل هذه الأخطاء المذكورة، بل إن العاقل عقله يدفعه إلى الحلم في هذا الموقف. قال: «فتلك سنة أتت صريحة في السنن المثبتة الصحيحة». إذا كانت الزيارة على هذا الوجه، فهذه الزيارة السنية التي دلت عليها الأدلة الصحيحة الصريحة في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: «في السنة المثبتة» يعني في كتب السنة. والأحاديث بهذا الباب كثيرة بهذا المعنى. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين.