الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 39، الدرس التاسع والثلاثون : (وهكذا أمته قد كلفوا ... فهي سبيل الفوز والسعادة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ توحيد القصد والطلب وأهميته في قتال الكفار، ويبين أن الأمة الإسلامية كلفت بقتال الكفار دون تعارض مع قوله تعالى 'لا إكراه في الدين'. يفسر الشيخ التكليف في هذا السياق ويفرق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة.
يتناول المقطع تفسير آية 'لا إكراه في الدين' وتأويلاتها المختلفة، حيث اختلف المفسرون بين القول بأنها منسوخة بآيات القتال أو العكس، والراجح هو التفصيل بجمع بين الآيات. يُفسر الإكراه المنهي عنه على أنه إكراه الفطر على الإسلام.
يُفسر المقطع آية 'لا إكراه في الدين' بأنها تختص بأهل الكتاب، حيث يُخيّرون بين الإسلام ودفع الجزية، ويُستدل على هذا التفسير بنصوص الكتاب والسنة. يُرد أيضًا على تأويلات العقلانيين والمغرضين الذين يستخدمون الآية لتشويه الإسلام.
يُبين الشارح أن قبول الجزية ليس إقرارًا بحقية دين المشركين، بل هو فرصة لهم للدخول في الإسلام. يُظهر أن كلمة التوحيد سبب للسعادة والخير في الدنيا والآخرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وهكذا أمته قد كلف به، وفي نص الكتاب وصفه قد حفظته، لفظة الشهادة فهي سبيل النصر والسعادة. أورد رحمه الله تعالى هذين البيتين كذلك ليبين مزايا وخصائص هذا النوع من التوحيد، وهو توحيد القصد والطلب. فقال رحمه الله تعالى: وهكذا أمته قد كلفوا، يعني أن هذه الأمة كذلك كلفت بقتال الكفار. قلنا: إنه يريد رحمه الله بكلف بمعنى فرض عليها ذلك، لا ما أراد المعتزلة من التكليف الذي بمعنى المشقة. وقلنا: إن الأفضل ترك هذا التعبير؛ لأن لفظ التكليف على وجه الإثبات لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة، فالأولى والأفضل تركه؛ لأنه صار مدخلًا لقول بعض أهل الضلالة، كما أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فالخلاص: أنه أراد أن كذلك هذه الأمة، والمراد بالأمة أمة الإجابة، كما مر معنا أن الأمة أمتان: أمة دعوة، وهم كل من أتوا بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ممن في زمانه وممن بعد زمانه من المسلمين والكافرين والناس أجمعين، وأمة إجابة، هم أخص من أمة الدعوة، وهم الذين استجابوا للدين الذي دعا إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسموا أو سموا بأمة الإجابة، وهم أهل الإسلام. فقوله رحمه الله: وهكذا أمته قد كلفوا به، وفي نسخة: بدأ، وهكذا أمته قد كلفوا بدأ، يعني بالذي أمر. فقوله: به أو بدأ، الضمير يرجع أو الإشارة ترجع إلى ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو قتال الكفار، كما قال الله عز وجل بذلك: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾. فأمرهم الله عز وجل بالشدة والغلظة وقتال الكفار، فهذا مما أمر به أهل الإسلام. فهل إذا كان كذلك يكون هناك تعارض مع قول الله عز وجل: ﴿لا إكراه في الدين﴾؟ الجواب: لا، لا تعارض بين هذه الأدلة وبين قول الله عز وجل: ﴿لا إكراه في الدين﴾. وقد اختلف المفسرون بتفسير هذه الآية، فمنهم من زعم أن هذه الآية منسوخة بآيات القتال، كقول الله عز وجل لنبيه وللمسلمين عمومًا: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا جاهدوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾، ونحوها من الآيات: آيات القتال وآيات السيف. فقالوا: إن هذه الآية منسوخة بآيات القتال وآيات السيف. ومنهم من قال العكس: بل هذه الآية ناسخة لآيات القتال، وهذا قول ضعيف جدًا ومرجوح، وهو معارض بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة. والقول الثالث: التفصيل، وأحسن ما يقال به، وهو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية: أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية محكمة، وأنه يجمع بينهما بجمع كما دلت عليه الأدلة الشرعية؛ إذ لا دليل على النسخ. ومن زعم النسخ فلابد من الدليل؛ لأن النسخ لابد أن يكون له دليل، فلا دليل على ذلك. ويجمع بين الدليلين بأن يقال أو يوجه بأن الإكراه الذي ذكر في هذه الآية ونهى عنه الرب أو أخبر عنه الرب جل وعلا، فسر بتفسيرين: التفسير الأول: أن هذا الإكراه هو إكراه الفطر، أي أن هذا الدين دين الفطرة ودين العدل ودين الكمال، فلا حاجة لإكراه الفطر عليه، بل كل صاحب فطرة صحيحة سليمة سيدع لهذا الدين من دون إكراه. هذا هو التفسير الأول، وقد جاءت أدلة تدل على هذا المعنى، ومنه ما جاء بمسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا رجلًا إلى الإسلام، فقال هذا الرجل: إني أجد نفسي كارها، إني أجد نفسي كارها. فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وإن كنت كارها فأسلم». وهذا ليس فيه إكراه النبي عليه الصلاة والسلام له بالقوة، ولكن فيه ترغيب له أن يدخل في الإسلام، وأن الإسلام في الحقيقة لا ينافي الفطرة، وأن هذا الكره الذي وجدته بنفسك سيزول إذا استعنت بالله عز وجل ودخلت في الدين وباشرت أعماله، ودخل الإيمان في قلبك، فإن نفسك لن تكرهه أبدًا؛ لأنه دين الفطرة ودين الكمال ودين الاستقامة ودين العدل. وهذا الذي وقع، وكذلك منه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في الصحيح: «إن الله ليعجب من قوم يدخلون الجنة في السلاسل». لم يجبرهم أحد على أن يدخلوا في دين الإسلام بالسلاسل، بالقوة، وإنما أسر هؤلاء الكفار، فصاروا بعد الأسر بين المسلمين، فلما رأوا الإسلام عن قرب وخالطوا أهل الإسلام وعرفوا أخلاق هذا الدين، وكذلك شرائع هذا الدين، دخل الإيمان في قلوبهم فأسلموا. هذا هو التفسير الأول لمعنى الإكراه. والتفسير الثاني لمعنى الإكراه: أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿لا إكراه في الدين﴾، أي لا إكراه في الدين لأهل الكتاب؛ فإن أهل الكتاب يخيرون بين خصلتين: إما أن يسلموا، وإما أن يدفعوا الجزية. ويدل عليه ما جاء في نصوص الكتاب والسنة. فأما نصوص الكتاب في الجزية فهي كثيرة، وأما في السنة فهي كثيرة. ويجمع ذلك ما جاء وصح في سبب نزول هذه الآية، فقد جاء عن عبد الله بن عباس ورواه ابن جرير رحمه الله تعالى بإسناد حسن، وصححه شيخنا رحمه الله في تحقيقه لتفسير ابن كثير: أنه جاء عبد الله بن عباس في سبب نزول هذه الآية: ﴿لا إكراه في الدين﴾ أنها نزلت في الأنصار؛ فقد كان لهم أبناء قد دخلوا في اليهودية أو النصرانية، فلما أراد بنو النظير أن يرحلوا وكان فيهم بعض الأنصار، أراد بعض الآباء أن يجبروا ويكرهوا أبناءهم. فنزلت هذه الآية: ﴿لا إكراه في الدين﴾، يعني: ما دام أنهم يدفعون الجزية فلا تكرهوهم ولو كانوا أبناءهم. فمعنى: ﴿لا إكراه في الدين﴾، أي لا إكراه فيما يتعلق بأهل الكتاب. وأهل الكتاب يخيرون بين أمرين: إما يسلموا أو يدفعوا الجزية. هذا الذي فسر به معنى هذه الآية. فعلى هذا فكل الآيات الواردة في الكتاب على ظاهرها في قتال جميع من لم يسلم يقاتلون، فمن كان من أهل الكتاب فإنه يؤمر بأحد هذين الأمرين. وقد اختلف العلماء: هل يلحق المجوس بأهل الكتاب؟ وقد رويت آثار عن عمر رضي الله تعالى عنه بأنه ألحقهم بأهل الكتاب، وقال به جماعة من أهل العلم، وجماعة لم يقولوا به. لكن الذي نريد أن نفهمه ونعرفه: أن معنى «لا إكراه في الدين» معناه على هذا التفسير. وعلى هذا فتفسير بعض المعاصرين من العقلانيين ومن كذلك بعض المغرضين الذين استخدمهم أعداء هذا الدين في تشويه وصف الإسلام، يزعمون أن «لا إكراه في الدين» يدل على فتح باب الأديان على مصراعيه، وعلى الدعوة إلى وحدة الأديان، وكل ذلك من الباطل، بل من الكفر والعياذ بالله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، ويقول: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. فلا يمكن أن يقر يهودي ولا نصراني على ما هو عليه، بل يدعى بأحد أمرين: إما أن يسلم، وإما أن يدفع الجزية. وإذا دفع الجزية ليس معناه أن دينه حق، ولكن معناه أنه يكون فيه مجال لأن يدخل في هذا الدين بما بقي من حياته، يعل له المجال أن يدخل في هذا الدين بما بقي من حياته حتى يتعرف على الدين وفضائله، فلعله ينصف نفسه فيدخل في دين الله عز وجل. وأما البيت الثاني الذي ذكره، يريد رحمه الله تعالى أن يبين أن من فضل هذه الكلمة أنها - أي هذه الكلمة كلمة التوحيد - كانت سببا للسعادة، وكذلك الخير في الدنيا وفي الآخرة. سيأتي إن شاء الله زيادة بيان في الأبيات الآتية. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.