الصحيح المسند من دلائل النبوة  144

الصحيح المسند من دلائل النبوة 144

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 144، الدرس الرابع والأربعون بعد المائة:( قال الإمام البخاري رحمه الله:حدثنا عبيد بن إسماعيل ... وأما من حيث السند فهيهات أن يقبل من المبتدعة جرح أئمة الدين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث سحر النبي ﷺ وتحليل ألفاظه

يشرح الحديث الذي يرويه البخاري عن عائشة حول سحر النبي ﷺ ويبين ألفاظه ودلالاته. يدل الحديث على حقيقة السحر ووقوعه على النبي ﷺ.

استخلاص الفوائد والمسائل الهامة من حديث السحر

يناقش المقطع دلالات حديث سحر النبي ﷺ ويبين أن السحر ينقسم إلى قسمين: سحر بالتخيل وسحر بالاستعانة بالجن. يستخلص مسائل متعددة منها فضل الدعاء وتأكيد صحة رسالة النبي ﷺ.

تأثير السحر وطرق علاجه وفقًا للشرع

يشرح حديث عائشة عن السحر وتأثيره ويبين أهمية مراعاة الشرع في التعامل معه. يشير إلى أن السحر قد يزول بالرقية دون الحاجة إلى إخراجه.

اختلاف العلماء في قيمة نِصاب زكاة الفطر

يُبين اختلاف العلماء في قيمة نِصاب زكاة الفطر حيث اختلفوا بين تقديرها بقيمة الذهب أو الفضة أو وزن معين من التمر. يعود الاختلاف إلى اجتهاد العلماء وعدم وجود إجماع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. رسول الله ﷺ: «الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. وعبيد بن إسماعيل هو الهباري البخاري القرشي، أبو محمد، وقيل: اسمه عبد الله، عبيد لقب له. أخرج له البخاري، وهو أحد الثقات. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة بن زيد، حافظ، أحد العلماء المعروفين، روى له البخاري ومسلم، وهو من التاسعة. وابن عروة وأبوه عروة بن الزبير، الصابر المحتسب. قال عن عائشة رضي الله عنها: قالت: «سحر النبي ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه -يعني كرر الدعاء- ثم قال: أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق. قال: فبماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان». قال: «فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخل -يعني تحقق الوصف- ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء -يعني متغير من أثر السحر- ولكأن نخلها رؤوس الشياطين». وفيه أن السحر والسحرة يتتبعون كل خبيث حسيًّا ومنظرًا ووصفًا. قال: قلت يا رسول الله: أفأخرجته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثور على الناس منه شرًا، وأمر بها فدفنت». قال: أخرجه مسلم. قال: وقد كتبته في «عصمة الله له ﷺ». قال أبو عبد الرحمن -يعني شيخنا رحمه الله-: وهذه طريقة بعض أهل العلم يكتب فيذكر نفسه، كالإمام البخاري رحمه الله في صحيحه يقول: «قال أبو عبد الله» -يريد نفسه-. قال: وقد طعن بعض المبتدعة من القدامى ومن المعاصرين في هذا الحديث، وهو حديث صحيح لا مطعن فيه. والنبي ﷺ بشر يجري عليه ما يجري على البشر إلا ما عصمه الله منه، وقد قامت الأدلة البالغة القاطعة على عصمته ﷺ فيما يتعلق بتبليغ شرع الله -يعني- وما لا ينافي ذلك فهو بشر يمرض، وكذلك يسحر، وغير ذلك مما يجري على البشر فيما لا ينافي البلاغ. قال: وقد تكفل الله بحفظ شرعه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فلم يبق مجال للطاعنين من حيث المتن. وأما من حيث السند فهيهات أن يقبل من المبتدع جرح أئمة الدين. والحديث له طرق كثيرة، وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في مواضع من صحيحه، وكذا مسلم رحمه الله كما أشار شيخنا. وأما ألفاظ الحديث المشكلة، فقوله في هذا الحديث: «أنه مطبوب» أي مسحور، ويسمى السحر طَبًّا لأنه يَطُب أي يعمل. وبعضهم ذكر أنه من باب التفاؤل مثل ما يقولون في اللذيغ: سليم. وقوله: «لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق» استشكل بعض أهل العلم هذا، فبني زريق هم من الأنصار من الخزرج، ولكن يفسر ذلك ما جاء في بعض الروايات. فقد جاء في صحيح البخاري في رواية ابن عيينة أنه قال: «لبيد بن الأعصم حليف اليهود كان منافقًا». واستدل بهذا جماعة من أهل العلم على أنه لم يكن يهوديًّا وإنما كان قبل ذلك يهوديًّا، وأما في ذلك الوقت فإنه أظهر الإسلام، ولكن كان من المنافقين. وانتصر لهذا جماعة من أهل العلم، وأشار إلى ذلك القاضي عياض وابن الجوزي أنه أسلم ولكنه كان معدودًا من المنافقين. وتحت هذا مسألة سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله. وقوله: «في مشط ومشاطة» المِشط معروف ما يُمشَط به الرأس، والمشاطة شعر الشعر الذي يلف على أو يلتف على هذا المِشط. وفيه أن السحرة يأخذون من آثار المسحور ما يكون به التأثير عليه، فإن تسلط السحر يكون بوجود شيء من آثاره إما أظفار وإما شيء من شعر أو قطعة من ثوب أو غير ذلك. وقوله: «وجف طلعة ذكر» المراد غشاء الطلع، وطلع النخل معروف، وهو ما يُفخت به. وقوله: «ذكر» تأكيد أنه ليس طلع الثمر الذي يكون «في الأنثى» ولكنه طلع الذكر -يعني- أن المشط والمشاطة وجف وغشاء طلعة الذكر لُف مع بعض ووضع في ذلك البئر. وجاء في رواية عند البخاري: «في مشط ومشاقة» فسره الإمام البخاري بأنه مشاقة الكتان، والكتان معروف نوع من القماش، فمشاقته -أي- ما يكون من خيوطه كذلك يجعل أو جعل في ذلك المشط والمقصود منه تتبع الأثر. وقال في هذه الرواية: «في بئر ذي أروان» وجاء في رواية أخرى صحيحة: «في بئر ذروان» ولا معارضة بين الروايتين، جمع بينهما أنهما إسمان لمسمى واحد، يقال: ذي أروان وذروان. وقوله: «والله لكأن ماءها نقاعة الحناء» أي تشبيه لتغير ماء البئر من خبثه، وكذلك من أثر السحر فيه. وفيه أن أهل السحر يضعون سحرهم في المواضع الخبيثة، وهو مواضع تجمع الشياطين. وقوله أو قول عائشة: «أفأخرجته؟ قال: لا» فيه ما سيأتي التنبيه عليه أنه ليس من شرط السحر -من شرط زوال السحر- أن يخرج السحر. وهذا الحديث أورده شيخنا رحمه الله تعالى في هذا الموضع ليستدل به على أنه عليه الصلاة والسلام أجيبت دعوته، وهذا موضع من مواضع كثيرة تدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. ووجه الشاهد من هذا الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه» بعد قوله: «حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه -يعني- أكثر من الدعاء- فأجاب الله دعاءه بإرسال هذين الملكين فأخبراه بما فيه مما كان يتأذى منه عليه الصلاة والسلام». وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل ما أشار إليه شيخنا في خاتمة هذا الحديث من أن في هذا الحديث حقيقة إثبات حقيقة السحر أولًا ووقوعه على النبي ﷺ ثانيًا، وكل المسألتين قد خالف فيها بعض أهل البدع والأهواء من العقلانيين، فقد زعموا أن السحر لا حقيقة له وإنما هو عبارة عن تخيل وليس الأمر كذلك. بل السحر ينقسم إلى قسمين: منهما ما يكون بالتخيل من الحركات الخفية واستعمال بعض الأدوية والعقاقير التي يكون بها الإيهام، وليس كل السحر من هذا النوع، ومن السحر نوع آخر ما يكون من الاستعانة بالجن، فيكون به الإضرار بالمسحور. وكلا الأمرين ثبت معناه في الكتاب وفي السنة، وأدلة الكتاب والسنة في هذا كثيرة. ومن تلك الأدلة على وجه الاختصار قول الله جل وعلا: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ وهن الساحرات. وهكذا كذلك ما جاء في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع السحرة، فكان سحرهم على قسمين: منه ما يكون بالتخيل، ومنه ما يكون بالاستعانة بالجن. وفي السنة أدلة كثيرة، ومنها هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يثبت النوع الذي فيه الاستعانة بالجن، ومن باب أولى ما يكون من معنى التخيل. فأما القسم الثاني وهو ما كان بمعنى التخيل فهذا لا ينكره أهل الأهواء، ولكن الذي ينكرونه هو النوع الأول. وفي الحديث إثباته، فإن هذا اليهودي الذي أظهر الإسلام نفاقًا إنما توصل لذلك بهذا. وفيه كذلك المسألة الأخرى التي أنكرها أهل الأهواء، وهي كون النبي ﷺ مسحورًا، ولا مانع من ذلك كما أشار شيخنا رحمه الله وغيره من أهل العلم من قبله. فإن ذلك لا ينافي عصمته ولا ينافي كذلك تبليغ الرسالة، فالعصمة في تبليغ الرسالة باقية. وأما وصول السحر إليه فقد ثبت ووقع، وهذا الحديث الصحيح الصريح الذي رواه البخاري ومسلم في كتابيهما، وهما من أصح الكتب من أصح كتب أهل الحديث، يدل على ذلك المعنى. وكذلك معاني بشريته قد ثبتت في مواضع كثيرة، ولا مانع أن يكون هذا كذلك كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾. ووجه الشاهد أن من عموم معنى بشريته أنه يلحقه ما يلحق الناس، ومن ذلك أنه يموت عليه الصلاة والسلام. فإذا ثبت هذا فما دونه من باب أولى، إذا ثبت الأشد فما دونه من باب أولى، فهو يلحقه المرض عليه الصلاة والسلام، وقد صحت الأحاديث في ذلك، وهي كثيرة، ومنها مرض موته عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك يلحقه الضر بما يكون من إضرار أعدائه به، ففي يوم أحد شج رأسه وجرح في وجنته عليه الصلاة والسلام، وأصيب بما أصيب به. وهكذا كذلك سمته يهودية فتأثر بهذا السم حتى أنه عليه الصلاة والسلام كان مرض موته من آثار ذلك السم، فمات منه عليه الصلاة والسلام، فجمع الله عز وجل بين الرسالة والشهادة صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك السحر فإنه من هذا الباب. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: فضل الدعاء، فإذا كان النبي ﷺ وهو المؤيد من عند الله عز وجل يفتقر إلى الدعاء، فمن دونه من باب أولى. وفيه كذلك سنة الله عز وجل في الابتلاء، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو من هو عليه الصلاة والسلام قد ابتلاه الله عز وجل، فمن دونه يتسلى بما أصيب به النبي عليه الصلاة والسلام أن يصبر ويحتسب وأن يعلم أن الخير فيما يختاره الله عز وجل. وفيه كذلك من المسائل: فضل الإلحاح على الله بالدعاء، فإنه من أسباب إجابة الدعاء. ولهذا قالت عائشة: «حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه -يعني- أكثر في الدعاء». ومعنى أنه كان يدعو في أيامه الماضية، لكن في هذا اليوم دعا زيادة فأجاب الله عز وجل دعاءه في ذلك اليوم بإرسال الملكين. فإذا هذا كان في حق النبي عليه الصلاة والسلام فمن دونه من باب أولى، وقد صحت الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحث على هذا المعنى من آداب ومسائل الدعاء، وهو الإلحاح على الله عز وجل بالدعاء. وفيه من المسائل كذلك معنى من معاني صفات الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وللملائكة صفات وأعمال، وهذا منها. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل معنى من معاني صدق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام في تحقق الرؤية، فرؤية الأنبياء حق وصدق. وفيه كذلك تأويل الرؤية، وهل فيه أنه يمكن أن يأتي خبر السحر في الرؤية فيصدق؟ قال بعض أهل العلم بهذا. والصحيح أن مثل هذا لا يمكن إلا أن يؤيد ببرهان وحجة، فالنبي عليه الصلاة والسلام رؤياه حق وصدق، فرؤية الأنبياء حق، أما غير النبي ﷺ فمحتمل، لكن إذا احتفت به القرائن وكذلك وجد ما يؤيده فإنه قد يستأنس به ولا يجزم كما ذكر معناه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة العمل بالرؤيا. فالرؤيا لا ينبني عليها أحكام، ولا تنسخ شرعًا، ولا كذلك تبتدئ تقرير تشريع، ولكن الرؤيا قد يستأنس بها في الإخبار عن بعض الأمور الغيبية، قد يستأنس بها ولا يجزم، ويستأنس إذا وجدت قرائن تؤيدها وتؤكدها. وفي هذا الحديث من المسائل مسألة عظيمة اشتهرت عند الفقهاء واختلفوا فيها، وهي في قتل الذمي أو المعاهد أو المستأمن بالسحر. فظاهر هذا الحديث أنه يهودي فعل السحر، وحد السحر في الإسلام القتل، ومع ذلك لم يقتله النبي ﷺ، فأشكل هذا على بعض أهل العلم. فذهب الإمام مالك رحمه الله أنه لا يقتل الساحر إلا إذا قتل. والنبي ﷺ لم يقتل بالسحر، فلذلك لا يقتل. والصحيح أنه لم يقتل لكونه كان مظهرًا للإسلام لكونه كان مظهرًا للإسلام وكان من المنافقين، وكان النبي ﷺ يتحاشى قتل المنافقين، فصوصًا في أول الإسلام. وهذا هو الصحيح، وهو الذي أشار إليه القاضي عياض وابن الجوزي وجماعة من أهل العلم، وبه يزول الإشكال الذي جاء في أكثر الروايات من أنه يهودي سحر النبي ﷺ ومع ذلك لم يقتل. وإلا فمثل هذا العمل نقض للعهد -عهد الذمة- فهو يوجب القتل. وفيه كذلك من المسائل: بعض أعمال السحرة الخبيثة التي يكون بها وضع السحر، فإنهم يستعينون بالجن مع ما يأخذونه ممن يراد سحره، فيكون بذلك وقوع السحر. وهذا كما هو قد أخبر به الشرع فهو كذلك لا ينافيه العقل، فهو لا ينافيه العقل، فالتأثير بمثل هذا ممكن وله نظائر، وله نظائر معقولة. وكما يقول أهل الطب الحديث: إن كل جزء من الإنسان له فيه بصمة -يعني- شيء يختص به، فهناك بصمة البنان يختص بكل إنسان ما يشتبه، زيد مع عمر مع خالد مع آخر، حتى ولو كان توأمين، توأم ما يشتبه في ذلك. كذلك كل ما في الإنسان: عينه، لسانه، صوته، كذلك ماذا عرقه، ورائحته، وشعره، وكل شيء. فإن ثبت مثل هذا إذا أثبت العلم الحديث مثل هذا المعنى، فهذا يؤكد أن الجن يستفيدون من هذا الاختصاص في إيقاع السحر، فهم يستطيعون به التمييز حتى ولو بعدوا عن المسحور بهذا الشيء الذي هو من آثار المسحور، فيصلون به إلى أذية هذا المسحور. ولهذا كذلك نظائر عقلية كثيرة يتوصل بها إلى إثبات هذا المعنى من جهة العقل، فضلًا عن الشرع. والمسلم الواجب عليه التسليم لما ثبت بالشرع ولو لم يفهمه بالعقل، لأن العقل كما تكرر وتقدم معنا قد يحيل الشيء اليوم ويثبته غدًا. وما أكثر ذلك في واقع الناس. لو قيل للناس قبل ألف سنة: إن الإنسان ممكن أن يسمع صوت صاحبه ومكلمه وبينهما آلاف الأميال لقالوا: هذا جنون، ما يمكن هذا، مستحيل، لأن العقل في ذلك الوقت ماذا يحيل هذا؟ ينفيه، ما يمكن. أما اليوم وقد وقع العقل ماذا أثبته؟ خلاص عندنا أجهزة اليوم توصل الصوت حتى البدو الذي ما عرف -كما يقال- أمور الحضارة ما يستحيل عليه مثل هذا. وما يستحيل عليه مثل هذا. ومثله لو قيل: إن الإنسان يطير في السماء، لو قيل هذا قبل ألف سنة لقالوا ماذا قالوا؟ هذا جنون، ما يمكن، مستحيل، ما يقول هذا إلا إنسان مجنون. وأما اليوم فهو مما لا يحيله العقل. وهكذا نظائر هذا كثير، فكذلك يقال في هذا الباب، فليس العقل كل شيء، بل العقل ينبغي أن يكون تابعًا للشرع، فالعقل قد يحيل الشيء في زمان ويثبته في زمان آخر، والعبرة بالوقوع، العبرة بالوقوع إذا وقع فإنه حق وصدق. والله عز وجل على كل شيء قدير، يجري في كونه وفي خلقه ما يشاء سبحانه وتعالى بحكمته وفضله وعدله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث كذلك تأثير السحر حتى على المكان الذي يوضع فيه. ولهذا بعض أهل الخبرة إذا أراد أن يبحث عن مكان السحر وعلم أنه في مكان ما، فينظر إلى آثار التغير في ذلك المكان. والغالب أن السحر يؤثر، فإذا وضع فيه جدار فستجد لون الجدار الذي وضع فيه السحر خلاف الجدار الآخر. وإذا وضع في ماء فستجد الماء الذي وضع فيه السحر يختلف عن لون الماء الآخر. وهكذا كذلك قل في غيره. ودليله هذا الحديث وتجارب الناس في هذا الباب. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لكأن ماءها نقاعة الحناء» قيل: إنه من خبث الماء، وقيل: إنه من أثر السحر، وكل المعنيين صحيح، أي: أنه صار كذلك للأمرين، للأمرين جميعًا، فازداد خبثه خبثًا. وفيه كذلك مضان وضع السحر للسحر، فإنهم يضعونه في أخبث مكان، يضعونه غالبًا في أخبث مكان. وكذلك خبرة ذوي الخبرة أثبتت ذلك، فكثيرًا ما يضعونه في الحمامات، ويضعونه كذلك مع بقايا النجاسات ونحو ذلك. وفي هذا الحديث مسألة أخرى عظيمة، وهي أن السحر قد يزول ولو لم يحرق. ودليله هذا الحديث، وهذه اللفظة: قالت عائشة: قلت يا رسول الله: أفأخرجته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني» بماذا عافاه الله؟ بما حصل له من الرقية رقته الملائكة فشفاه الله عز وجل كما جاء في بعض الروايات. فكذلك لا يلزم كل مسحور أو أهل المسحور أن يبحثوا عن السحر، بعضهم يشغل نفسه في البحث عن السحر، فيتكاسل في مسألة الرقية والشفاء، إنما هو بالرقية. وكشف السحر شيء زائد، فلا تشغل نفسك في البحث عن السحر، لكن انشغل بالرقية، فالشفاء يكون بها بإذن الله، وانشغل بالدعاء، فإن الشفاء يكون به بإذن الله. وليس من شرط الشفاء كشفك للسحر ومكانه وموضعه وعينه، فليس هذا من شرطه. وهذه اللفظة وهذه الرواية في الحديث تدل على ذلك. وفيه كذلك مراعاة المصالح من المفاسد عمومًا، وفي هذا الباب خصوصًا، فالنبي ﷺ لم يخرج السحر حتى لا يثور الناس منه شرًا، لأنه سيظهر وسيتناقل الناس الخبر وسيكون بهذا فتنة عظيمة. والنبي ﷺ لا يريد هذا، قد شفاه الله عافاه، فاكتفى بدفن البئر. وفيه كذلك أن من إتلاف السحر دفنه، لا يشترط في إتلافه الحرق، لا يشترط في إتلافه الحرق، فلو دفن لكان هذا كافيًا. ودليله هذا الحديث. ومما كذلك يستفاد: أننا لا نصدق ما قد يجري من حوار أحيانًا والاسترسال في الحوار من الخطأ مع الجن من المسحور، فقد يقول: سحرك فلان بن فلان، واستعان في سحرك بفلان، حتى لو كان هذا حقًا وصدقًا فإنه يثير فتنًا ومفاسد، فالمصلحة تقتضي إخفاء مثل ذلك. ثم هذا الذي يتكلم كذوب كما قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: «صدقك وهو كذوب»، فلا يجوز مثل هذا أن يصدق، لكن إذا وجدت قرينة تدل أن هذا محتمل فخذ بما يكون به الانتفاع من دون أن تصل إلى مفسدة أو تخالف الشرع. ولو استمر في الرقية لكان أسلم وأنفع له ولهذا المريض. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. ها هنا تنبيهان: التنبيه الأول: في الدرس الماضي استشكل على بعض الإخوة ما ذكر أن حديث أنس -وما بعده كذلك حديث أنس عن زيد بن ثابت- فيه أن فضل أهل العراق خاص بما جاء في هذا الحديث فيما كان في زمن النبي ﷺ. وكما تقدم قد أجبت على سؤال: أنه لا إشكال في هذا أولًا لأن الحديث لم يذكر فضلًا، لأن الحديث إنما فيه الإقبال بقلوب أهل هذه البلاد أن يسلموا. وأما أهل اليمن وأهل الشام فقد جاء فيهم فضائل كثيرة. وأما أهل العراق فعلى العكس كما تقدم، قال النبي عليه الصلاة والسلام في جهتهم: «منه الزلازل والفتن»، فلذلك قيل: إن كان فيه فضل لأهل العراق فيحمل بما قيد في هذا الحديث أولًا: إقبال القلوب، وإقبال القلوب فيمن يسلم في زمن النبي ﷺ ومن بعده. ولا ينافي ذلك وقوع الفتن، لأن هذا الفضل إنما هو مخصوص بإقبال القلوب في الإسلام، ولا يمنع أن تكون فتن حتى مع من يظهر الإسلام، وهذا هو الواقع، فأكثر الفتن التي وقعت للصحابة كانت من هذه الجهة. والتنبيه الثاني: في المسألة التي سبقت في الحديث الذي قبله في ما ذكر في وزن نواه ما هو وزن النواه؟ وبعد تتبع كلام الشراح وجد أن الشراح ذكروا أربعة أقوال على التفصيل، وترجع إلى قولين بالاختصار. فقالوا: إن المراد بالنوى نوى التمر، وذكر هذا جماعة من أهل العلم، وقيل: إن نوى التمر قدر وزنه بربع دينار، وأن هذا قول المالكية، وعليه عمل أهل المدينة. وقيل: وهو من الأقوال: إنه وزن معلوم، وهذا الوزن معلوم الذي هو النواه يقدر بخمسة دراهم، يقدر بخمسة دراهم وزن خمسة دراهم. وقيل: إنه يقدر بوزن ثلاثة دراهم وثلث، وهذا القول مبني على حديث رواه البيهقي من طريق قتادة عن أنس يرويه عن قتادة سعيد بن بشير -ليس بشيء- يقضع عفو أحمد وغيره، والرواية الأخرى كذلك ثلاثة دراهم وثلث جاءت من طريق الحجاج عن قتادة، وهو ابن أرطأ ضعيف كذلك، فعلم أن هذا التقدير لم يصح. والإمام أحمد رحمه الله يرجح أنه وزن معلوم قدر بثلاثة دراهم وثلث، بوزن ثلاثة دراهم وثلث، واستأنس ببعض الآثار المروية مع هذا الحديث، حتى قال بعضهم: إنه يحسن هذا الحديث، ثم اختلفوا بعد ذلك كونه وزن نوى من الذهب، هل المراد وزن ثلاثة دراهم فيكون بهذا الموزون من الذهب؟ قال الخطابي: هذا هو قول أكثر العلماء -أي- أنه كذلك- إلا أن الإمام أحمد رحمه الله قال: ثلاثة دراهم وثلث، وأكثرهم قالوا: خمسة دراهم. وذهب بعض أهل العلم أنه ليس كذلك، بل هو نواه، لكن من ذهب، نواه ولكن من ذهب. الأول: أن الموزون ذهب بوزن الفضة، والثاني: أنه من ذهب -يعني- ذهب. الأول: ذهب بقيمة الفضة، وقيل: إنه نفس الوزن ذهب، فهذان قولان. وفيما يظهر من هذه الأقوال -كما ترون- إن أردنا ظاهر الحديث فهو كما قاله الصنعاني في «سبل السلام»: نواه من التمر يقدر بربع دينار، وهو عمل أهل المدينة، وهو عمل أهل المدينة، لأن الروايات المروية في هذا الباب ليست صحيحة. طيب، في شيء في هذا؟ يقول: هل محمد رشيد رضا من علماء السنة؟ مع أنه أنكر على حديث السحر. نعم، محمد رشيد رضا له أعمال وجهود تدل أنه ممن نصر السنة، إلا أنه تأثر بشيخه محمد عبده، ولا يسلم الإنسان إذا تتلمذ على من عنده شيء من الهوى من ذلك الهوى. ومن تتبع كتاباته وجد ذلك، فهو من أهل السنة الذين أخطأوا، ولا يدرى هل أقيمت عليه الحجة في ذلك ونصح وبين له؟ أما أنه اغتر بما كتبه مثل محمد عبده وغيره، وتعرفون بعض الناس لكثرة شواغله لا يحقق المسائل، فيكونوا في كثير منها مقلدًا، ونحو هذا الكلام، أو بنحو هذا الكلام عذره الشيخ الألباني رحمه الله، عذره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. فإذا نفرق بين القول والقائل، القول بدعة منكرة وباطل وظلال عظيم، أما القائل فنفصل فيه، فإن ثبت أنه قد قيمت عليه الحجة فيكون حكمه بما يستحق، وإن كان لا فلا. وبهذا نعرف أنه كذلك لا مشاحة في الأحكام ما دام الأمر ينبني على ذلك، فكل بحسب ما توصل إليه بعلمه. فكون الشيخ مقبل رحمه الله ألف رسالة خاصة في هذا وحكم عليه بحكم يخالف قول بعض أهل العلم لا يعني ذلك المضادة بينه وبين قول غيره، هذا باجتهاده وهذا باجتهاده، والأمر في هذا واسع، أهم شيء أصل المسألة هل هم متفقون عليها؟ نعم، ما قاله خطأ لا شك، نعم. طيب إلى هنا وجزاكم الله خيرًا.