الصحيح المسند من دلائل النبوة  137

الصحيح المسند من دلائل النبوة 137

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 137، الدرس السابع والثلاثون بعد المائة:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:حدثنا أبو كامل حدثنا سعيد بن زيد ... ولكني آثرت حديث الإمام أحمد لأن في سند البخاري مبهمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعاء النبي بالبركة لعروة بن أبي الجعد وتأثيره

دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعروة بن أبي الجعد بالبركة بعد أن اشترى له شاتين ورجع بالدينار وشاة. أصبح عروة بعد ذلك يربح الكثير من المال في تجارته.

جواز الربح في التجارة وحدود الغبن

الربح في التجارة جائز إذا جرى به العرف ولم يخرج عن الحد المعروف للسلعة. يجب تجنب الغبن وظلم استغلال الجاهل والغريب.

أحكام التعامل في المال والأمانة في الوكالة

يجب التحلي بالعدالة والشفافية في المعاملات المالية والوكالة. يحذر من الظلم والاستغلال في الوكالة ويشير إلى أهمية حسن الخلق.

ختام الحديث وتوجيهات ختامية

المقطع ينهي الحديث بتلخيص النقاط الرئيسية ويشير إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء. يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كامل، وهو -كما قال الشيخ- مضفر بن مدرك، أحد الثقات المثبتين الذين روى لهم الإمام أحمد والنسائي وغيرهما. وقد كان صاحب جلالة في العلم، حتى قيل عنه: إنه ليس في أهل الحديث مثله، فكان لا يحدث إلا عن ثقة. وكان يقول يحيى بن معين: كنت آخذ هذا الشأن منه -يعني التبحر والتدقيق في رواية الحديث- فقد كان يفتش فلا يروي إلا عن ثقة. ومع ذلك فقد كان صاحب صلاح، فقد قال عنه كذلك يحيى بن معين: قل من رأيت يشبهه من الصالحين. فرحمه الله ورحم جميع علمائنا رحمة واسعة، جمعوا بين العلم والحرص عليه، وهكذا كذلك العمل الصالح. قال: حدثنا سعيد بن زيد، وهو سعيد بن زيد بن درهم، أخو حماد بن زيد الإمام المعروف. ذكر في ترجمته أنه صدوق له أوهام، كما قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله. وكان شيخنا يقول، رحمه الله الوادعي: هو إلى الضعف أقرب، هو إلى الضعف أقرب. ولشيخنا بعض الانتقادات على الحافظ ابن حجر في «التقريب»، ولهذا كان يقول: يا حبذا لو أن طالب العلم يرجع إلى «التهذيب» ولا يعتمد على «التقريب»، لأن بعض الأحكام في «التقريب» لا توافق ما ذكر في ترجمة الرجل في «التهذيب». روى له الإمام مسلم، رحمه الله، والبخاري تعليقا. قال: حدثنا الزبير بن الخريت، وهو من رجال الصحيحين، أحد الثقات البصريين، أخرج له كثيرا مسلم، رحمه الله، والبخاري كذلك في مواضع. قال: حدثنا أبو لبيد، وهو ابن زبار الأزدي الجهضمي، قال: عن عروة -كذلك هو- أحد الثقات، ولكنه فيه نصب، فقد قيل في ترجمته: إنه كان ناصبيا. من الناصبي؟ نعم، الذي ينصب العداء لأهل البيت، عكس الرافضي، الرافضي يغلو في أهل البيت، والناصبي ينصب العداء لأهل البيت. قال، رحمه الله تعالى: عن عروة بن أبي الجعد البارقي، أحد الصحابة الكرام، رضي الله عنه وعنهم جميعا. وقد كان عروة بن أبي الجعد -كما سيأتي معنا- رجلا مباركا، مع ذكاء أوتيه. وقيل: إن أول من تولى القضاء في الكوفة هو عروة. والله، عمر، رضي الله عنه، أرضاه، لم يرو إلا ثلاثة أحاديث. قال: قال: عرضت للنبي صلى الله عليه وسلم جلب -يعني مر عليه- قال: فأعطاني دينارا، وقال: أي عروة، ائت الجلب فاشتر لنا شاه. قال: فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار. والجلب يطلق على الطائفة والجمع من الغنم، وإلى اليوم يقال: جلب للطائفة والمجموعة من الغنم. قال: فاشتريت منه شاتين بدينار. الدينار عملة ذهبية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، تساوي تقريبا اليوم خمسة وعشرين ألفا تقريبا. كم صرف اليوم -يعني في الذهب- العشرين دينارا بكم؟ اللي هو النصاب، خمسمائة ألف تقريبا، أكثر -يعني أكثر من خمسة وعشرين- ثمانية ألف. الجرام يعني تقريبا كم؟ ثلاثين أو أكثر من ثلاثين، يعني تقريبا في حدود الثلاثين إلى الخمسة وعشرين ألف. معناه أن الشاه كانت بخمسة عشر ألفا تقريبا، أو اثني عشر ألفا وخمسمائة. شاتين بدينار، الدينار تقريبا إذا كان النصاب خمسمائة ألف، خمسة وثمانين جرام، فخمسة وعشرين ألفا الدينار، فشاتين بدينار يعني كل شاه باثني عشر ألفا، اثني عشر ألفا وخمسمائة. قال: فجئت أسوقهما، أو قال: أقودهما، فلقيني رجل، فساومني، فأبيعه شاه بدينار. ما شاء الله، سلم الدينار، رجع الدينار. قال: فجئت بالدينار وجئت بالشاه، فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم وهذه شاتكم. قال: وصنعت كيف؟ -يعني كيف أعطيتك دينارا فذهبت ورجعت والدينار معك والشاه معك- قال: وصنعت كيف؟ قال: فحدثته الحديث، فقال: ﴿اللهم بارك له في صفقة يمينه﴾. فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة، فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي. وكان يشتري الجواري ويبيع. قال: حدثنا إبراهيم -من الحجاج- قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد -وهو لمازة بن زبار، كما تقدم- عن عروة بن أبي الجعد البارقي -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- مثله. قال: ثم قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عفان، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، قال: كان عروة بن أبي الجعد البارقي نازلا بين أظهرنا، فحدث عنه أبو لبيد -لمازة بن زبار- عن عروة بن أبي الجعد، قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب، فأعطاني دينارا، فقال: أي عروة، ائت الجلب فاشتر لنا شاه. قال: فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار. فجئت أسوقهما، أو قال: أقودهما، فلقيني رجل، فساومني، فأبيعه شاه بدينار. فجئت بالدينار وجئت بالشاه، فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم وهذه شاتكم. قال: وصنعت كيف؟ فحدثته الحديث، فقال: ﴿اللهم بارك له في صفقة يمينه﴾. فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة، فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي. وكان يشتري الجواري ويبيع. قال: «حديث حسن». والحديث في البخاري، ولكني آثرت حديث الإمام أحمد؛ لأن في سند البخاري مبهمين. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، في إجابة دعائه عليه الصلاة والسلام. وقد استجاب الله عز وجل دعاء نبيه في وقائع كثيرة، مما يدل أن ذلك من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما في هذا الحديث، دعا النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي بهذه الدعوة، فبارك الله عز وجل له في صفقة يمينه -يعني في تجارته- فكان يبارك له حتى إنه كان يأتي كناسة الكوفة -يعني الشيء الذي قد لا يلتفت إليه فيما يكون فيه التجارة والبيع والمواضع التي قد لا يلتفت إليها- ومع ذلك يبارك الله عز وجل له في بيعه وشرائه، فيربح أربعين ألفا قبل أن يصل إلى أهله. وهذا موضع من مواضع كثيرة حقق الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام إجابة دعائه، فكان من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى كثيرة، من أهم هذه المسائل في هذا الحديث جواز التوكيل في البيع والشراء، فقد استدل العلماء بهذا الحديث على باب الوكالة. وفيه من المسائل كذلك مشروعية البيع والشراء، وكذلك الربح فيه، وأنه ليس له حد ما دام قد جرى به العرف. ففيه مشروعية البيع والشراء، وكذلك في الشاة والغنم عموما، وبالدينار والدرهم، وكذلك في عدم حد الربح. فما يقوله بعض العامة: أن ربح المثل حرام، ليس بصحيح. وهذا الحديث رد عليهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عروة البارقي إذ باع هذه الشاه بضعف ما اشتراها، اشتراها بنصف دينار وباعها بكم؟ بدينار. وباعها بدينار في لحظة -في لحظة- نفس الوقت الذي اشترى، ما هي إلا لحظات يسيرة، وباع ورجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ومعه شاه ودينار. ففيه جواز الزيادة في الربح إذا جرى العرف بذلك. وهذه مسألة دقيقة، الناس فيها بين إفراط وتفريط. فلا يجوز الغبن، ليس معنى هذا الحديث أنه يجوز لك أن ترفع بالسعر حتى تغبن الجاهل والغريب، فذلك لا يجوز. والغبن حرام، والتغرير بالجاهل والغريب حرام، وهو ظلم. والظلم ظلمات يوم القيامة. لكن معنى الحديث: إذا جرى العرف بذلك، فإنه يجوز الزيادة في الربح. وبعضها للعلم قسم السلع وأرباحها إلى أقسام، فمنها ما يحد بما حده فيه السلطان، بما جرى فيه أمر السلطان ونحوه في حد الأرباح، مثل السلع المعروف الثابتة فيها الأسعار. فمثلا اليوم الماء الذي نسميه «الصحة» له سعر معروف في جميع المحلات، فكون الإنسان يبيعه بأكثر من سعره مستغلا الجاهل والغريب، هذا غبن وظلم ظاهر، مع ما فيه كذلك من الخروج على أمر السلطان وتسعيرته. وهذا من المواضع التي يجوز فيها التسعير ويلتزم به؛ حتى لا يحصل الغبن وتدفع به الخصومات. وبعض السلع ليس فيها حد لاختلاف الأوصاف، وكذلك اختلاف الموارد والمخارج، فمثل هذا كذلك له العرف خاص. ولكن هذا العرف فيه حد أدنى وحد أقصى، يعني له شيء أعلى وله شيء أدنى. فما بين السعرين جائز، وما زاد عن ذلك فهو من الغبن، فهو من الغبن. فمثلا العسل، العسل درجات صحيح، والنوع الواحد منه درجات. فمثلا يوجد عسل السدر، أجود عسل السدر له منتهى في السعر، وأدنى أنواع السدر كذلك له معنى ومنتهى في هذا الدهر. فما بين هذين السعرين إذا صدق صاحبه في الوصف، فهو مما يجوز أن يبيع فيه. لكن إذا خرج عن العرف، فباع الشيء بأكثر من سعره مستغلا جهل المشتري أو كونه غريبا، فهذا من الغبن المحرم؛ لأنه غش واستغلال لجهل هذا الغريب والجاهل، فلا يجوز ذلك. ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهو ظلم، وظلم ظلمات يوم القيامة. فمثلا إذا قيل: إن أقصى سعر يرتفع فيه أجود أنواع السدر إلى مئة ألف مثلا الجالون الواحد، أو الدب الواحدة. فإذا جاء إنسان فباعها للغريب بمئتين، هذا يعد غبن وغش؛ لأن الغريب ما يدري أن هذا سعر السلع، يظن هذا سعرها، وهو ليس كذلك. ومثله كذلك الغنم، فالغنم أوصاف وأنواع، فقد يكون هناك شيء منها بسعر مرتفع، وآخر بسعر منخفض. وقد يباع هذا الجيد بسبب الحاجة بسعر منخفض. فترون مثلا الرعاة يبيعون الغنم في وقت القحط بأسعار منخفضة؛ لأنه يشق عليهم علفها. فإذا كان وقت الرخاء، فإن الأسعار ترتفع. وهكذا تمر بالناس أحوال، فإجعل الإنسان يبيع ربما الشيء بأقل أو بأكثر. لكن للأقل والأكثر في الغالب ماذا؟ حد. فإذا خرج عن هذا الحد، كان معنى آخر من معاني الغبن. فمثلا عندنا تقريبا أغلى شاه بكم؟ أغلى شاه بكم؟ من عنده خبرة في الغنم؟ ها؟ تقريبا؟ يصل إلى خمسين ألفا. قد يصل، هل يصل أكثر من هذا؟ ما يصل إلى مئة ألف. تظنون يوجد شاه بمئة ألف؟ ها؟ حتى الخمسين بالزيادة صحيح، يعني يمكن إذا كان شيء غريب وكبير زائد على اللزوم، مثل ما يقولون: هذا المولود السوري، ربما يصل إلى هذا الحد. لكن ما يصل إلى الثمانين والمئة أبدا. فكون الإنسان يبيع شاه للغريب والجاهل مثلا بمئة وعشرين أو مئة وخمسين، هذا يعتبر غبن. ولا يقول قائل: عندي دليل حديث عروة البارقي: اشترى بنصف دينار وباع بدينار. وأنا اشتريت مثلا بأربعين فبعت بمئة، أو اشتريت بخمسين فبعت بمئة. لا، ليس هذا بالصحيح. حديث عروة جرى في حدود ما يؤذن به شرعا وعرفا. ولهذا كان التنبيه على مثل هذا المعنى. فالناس في هذا بين إفراط وتفريط. فإن من الناس من يقول: لا يجوز أن تربح ضعف ما اشتريت أبدا. وهذا غير صحيح. قد تأتي بشيء من مكان بعيد، ربما إنسان يأتي بسلعة من الصين، ويشتريها برخص التراب، ويأتي هنا ويبيعها بعشرة أضعاف، لا بأس، حتى بعشرة أضعاف إذا كان هذا سعر السوق وجرى به العرف. حتى لو ربحت مئة ضعف، هذا حلال جائز، ما دام أنه سعر السوق. وأما أن يحد حد للربح، فهذا غير صحيح. إنما تبيع بسعر السوق، إن نزلت الأسعار نزلت معها، وإن ارتفعت الأسعار ارتفعت معها. والله هو المسعر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وذلك عدل الله يبتلي به من يشاء». فقد يكون هناك غلاء في الأسعار ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، وقد يكون عذابا بسبب ذنوب الناس. وقد يكون هناك انخفاض بالأسعار، وهذا كذلك من الله سبحانه وتعالى، وهو الحكيم العليم، وهو على كل شيء قدير. فالأمر في هذا وسط، لا إفراط ولا تفريط. وفيه من المسائل كذلك فضل هذا الصحابي الجليل وأمانته، رضي الله عنه، عروة بن أبي الجعد البارقي؛ فقد رد الشاه ورد الدينار. وهكذا ينبغي أن يكون الوكلاء على أمانة وديانه. وفيه من المسائل كذلك أدب التعامل في المال؛ فإن من أدب التعامل في المال المقابضة والمقايضة بما ترتفع به الشبهة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى أحاديث. ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري في «الأدب المفرد»، وصححه -أمر النبي صلى الله عليه وسلم- إذا أرسل الرجل عبده أن يكيله في أخذه وعطائه. وأنت كذلك إذا عاملت إنسانا، ولو كنت محسن فكذلك أكمل هذا الإحسان بإبعاد الشبهة. أرسل الإنسان معك أن تصرف له، أن تذهب إلى السوق. قال لك أخوك: اصرف لي هذه العملة الأجنبية. فإذا وصلت إلى السوق وصرفت، خذ من الصراف ماذا؟ ورقة سند، يبين أنك صرفت بكذا وكذا، وأتيها لصاحبها. هذا مالك، وهذا السند. كان الصرف اليوم بكذا. وكذلك إذا قبضت المال في شراء شيء، أترك ما يقوله الناس: خلاص الثقة بيننا، وتدخل المال في جيبك دون أن تعد. بل السنة أن تعد في قبضك، وتعد كذلك في إعطائك. عد المال، ثم بعد ذلك يذهب. حتى لا تقع الشبهة. بعض الناس ربما لا يعد، فإذا عدها بعد ذلك وجدها ناقصة، ربما سحب منها شيء، أو سقط منه شيء، فيرد اللوم على هذا المعطي الذي أعطاه، فيقول: سبحان الله، أعطاني ناقصة. ويبدأ في القلب شيء، وهو ظلم. ولو أنه عدها في أول الأمر، ما حصل مثل هذا. وهكذا قل حتى في الأشياء المكيلة، إذا بعت شيئا، لا تقول: هذا موزون، خلاص، هذا كيلو موزون، خذه، خذه، وضعه بالميزان، واجعل المشتري يرى بعينه: هذا كيلو، رأيت، خلاص، تفضل، خذ حقك. وهكذا كذلك في كل المعاملات. وفيه من المسائل كذلك ما أشار إليه بعض أهل العلم من عدم جواز تصرف الوكيل بغير إذن الموكل؛ فإن هذا الحديث يدل أن الأمانة تقتضي ما فعل عروة بن أبي الجعد البارقي؛ فإنه فعل ماذا؟ الأكمل. ويدل على ذلك قبول النبي صلى الله عليه وسلم منه الشاه والدينار. فما يظنه بعض الوكلاء من تصرفهم بأموال موكليهم بغير إذنهم، والربح منها دون علمهم، هذا من الظلم. ومن كذلك الاعتداء في أموال الغير. اليوم لو وقعت مثل هذه القصة لبعض الناس، ماذا سيفعل؟ سيرد الشاه، يقول: هذه الشاه والدينار راح في الشاه، الدينار ذهب في الشاه. وسيرى أن فعله هذا فضل، وأن ذلك حصل بشطارته وذكائه. وهي صدق شطارة، لكن بالمعنى الآخر شطارة -بالمعنى الآخر- وهذا غير جائز. بل الواجب والأمانة في مثل هذا المقام أن تقول: قد وفق الله، فاشتريتها بكذا، وهذه بكذا. إن كان لك مطمع، فقل: هل تعطيني شيء؟ رددت لك دينارك، ورددت لك الشاه. فإن أعطاك شيء من عنده، فذاك، وإن لم يعطك شيء، فليس لك شيء؛ لأنك فعلت على وجه ماذا؟ الإحسان. ما فعلت على وجه الأجرة. فكيف إذا كنت وكيلا بأجرة؟ هذا أشد. بعض الناس ربما يكون وكيلا لبعض الناس بأجرة، ومع ذلك يحاول أن يكتسب في ذلك. فيذهب إلى بعض التجار -مثل وكلاء اليوم في البناء وفي غيره- يذهب إلى بعض التجار، فيأخذ ربحه من التاجر. هو يظن هذا، بينما التاجر في الحقيقة لو جاءه المشتري المالك، سيخفض له في السعر. لكن لما جاء الوكيل، لم يخفض له في السعر، وجعل مقابل تخفيض السعر إعطاه نسبة، مقابل تخفيض السعر أعطاه نسبة. وأكثر الوكلاء اليوم -إلا من رحم الله- يفعل هذا، أكثر الوكلاء اليوم يفعل هذا، إلا من رحم الله. وقليل ما هم. هذا وكيل في بناء عمارة، وهذا وكيل في كهرباء، وهذا وكيل في سيارة، وهذا وكيل في قطع غيار، وغير ذلك. فإذا ذهب هذا الوكيل إلى صاحب قطع الغيار، أو صاحب مواد البناء، قال: لو هذه السلعة سعرها كذا، وهذا لك مني -لك- وهذا مني لك. هذا لا يجوز. أنت وكيل، سواء بأجرة أو محسن، والمال ليس مالك. عرف الوكيل بهذا، قل له: شوف، اشتريت السلعة بكذا، وأعطاني صاحب المحل كذا. فإن أذن لك بأخذه، وإلا فهو ماله؛ لأنك نلته بكسبه. وأنت تعرف أنه لو جاء نفسه لخفض له في السعر، وكان من تمام الأمانة أنك تطلب تخفيض السعر في مصلحة موكلك، خير من أن تأخذ ذلك لمصلحة نفسك؛ لأن الوكيل لا شك ما وكلك إلا أن تطلب له الأصلح، وأن تبحث له عن ماذا؟ عما هو أنفع له، خصوصا إذا أعطاك في ذلك أجرة. وفي الحديث من المسائل كذلك ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من حسن خلقه وعشرته مع صحابته، رضي الله عنهم. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم مقتديا بنبيه عليه الصلاة والسلام. فإذا وقع لك إحسان، فلا أقل أن ترد الإحسان بدعوة صالحة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمكافأة، وإن لم يكن فالدعاء، وإن لم يكن فالدعاء. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي. والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.