الصحيح المسند من دلائل النبوة 169

الصحيح المسند من دلائل النبوة 169

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 169، الدرس التاسع والستون بعد المائة:(ومنها حديث قيس بن النعمان وما فيه من البركة الإلهية ... قال الحافظ في الإصابة:أخرجه الطبراني وسنده صحيح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وبركته الإلهية

يشرح الحديث معجزة النبي وبركته الإلهية من خلال قصة استسقائه راعيًا ودعائه على شاة لا لبن فيها. يبرز هذا الحدث قدرة النبي الفائقة ونبوءته.

أهمية التوكل والأخذ بالأسباب

يجب على المسلمين الجمع بين التوكل على الله واتخاذ الأسباب لتحقيق أهدافهم. يدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في استسقائه راعيًا.

آداب إكرام الضيف والصبر على الابتلاء

يتناول المقطع آداب إكرام الضيف وجواز التخفي عند خوف الضرر، كما يتطرق إلى ضرورة الصبر على الابتلاء وعدم اليأس. يستدل على ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

حكمة الله في الابتلاء وتربية الإنسان

الله عز وجل له حكمة في ابتلاء عباده، وقد يكون في هذا البلاء تربية للإنسان ورحمة به. يجب على الإنسان أن يدرك حكمة الله ويجتهد في تصحيح أخطائه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: ومنها حديث قيس بن النعمان، وما فيه من البركة الإلهية. قال الإمام البيهقي، رحمه الله، في «دلائل النبوة»: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، قال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق بن أيوب، قال: أنبأنا محمد بن غالب، وابن أيوب هذا قيل فيه الفقيه، ومن المتأخرين، ومن من اشتهر من مشايخي مشايخ البيهقي، ولكن سيأتي أن له كذلك إسنادًا آخر عند الطبراني، صحا. قال رحمه الله: أنبأنا محمد بن غالب، وهو أبو جعفر الضبي، لقب بتمتام، قال عنه الإمام الذهبي، رحمه الله، في «السير»: حافظ متقن. قال: حدثنا أبو الوليد، وهو هشام بن عبد الملك، أحد الحفاظ، ثقات الأثبات، ممن أخرج له في الصحيحين، قال: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، وهو السدوسي، صدوق، أخرج له مسلم، قال: عن أبيه، أي إياد بن لقيط السدوسي، وهو كذلك ممن أخرج له الإمام مسلم، ثقة، قال: عن قيس بن النعمان، وهو السكوني، أحد الصحابة، ليس له إلا حديث واحد، وهو هذا الحديث، وإياد بن لقيط جار لقيس بن النعمان. قال: لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين، مروا بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه من اللبن - يعني طلب منه السقيا - فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أنها هنا عناقًا حملت أول الشتاء، وقد أجدبت. والمعنى أنها إما أخرجت ما في بطنها فلم يبق لبن - أسقطت - وإما معنى أنها أجدبت، أي جف ضرعها. وعلى كلا المعنيين، المقصود ليس عندنا شيء فيه لبن إلا هذه، كان فيها لبن ولم يبق فيها شيء، أو هي مظنة اللبن وليس فيها شيء. قال: وما بقي لها لبن، فقال: أدعو بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم، ومسح ضرعها ودعا. الاعتقال هو القبض عليها من جهة الأمام، كالبعير إذا وضع له العقال فإنه يعقل أحد يديه في الأمام، فإذا مسكت الشاة من الأمام يقال: اعتقل لها. قال: ومسح ضرعها ودعا، حتى أنزلت - يعني ما في ضرعها مما اجتمع من لبن - قال: وجاء أبو بكر رضي الله عنه بمجن، فحلب، وهو وعاء، قال: فحلب وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب. قال: فحلب وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط، قال: أوتراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإني محمد رسول الله، قال: فأنت الذي تزعم قريش أنه صابئ، قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا. قال الحافظ: وقال «الإصابة»: أخرجه الطبراني، وسنده صحيح. وقد ذكره الهيثمي، رحمه الله، في «مجمع الزوائد»، وأشار إلى إخراج الطبراني له، وصحح إسناده، فكلام الحافظ مظنته مأخوذ من كلام الهيثمي. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أهم هذه المسائل ما أشار إليه شيخنا، رحمه الله تعالى، مما هو موضع من مواضع صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام، إذ أن الله جل وعلا جعل له البركة الإلهية، ومن ذلك هذه الشاة التي ليس فيها لبن، فبرك عليها عليه الصلاة والسلام فجاء اللبن. وفيه من المسائل كذلك: أن ما يرجوه أهل الإيمان من الله سبحانه وتعالى من معاني النصر والتأييد والتوفيق ينبغي أن تتخذ لها الأسباب، فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام - وهو المؤيد بما أيده الله وخص به - عليه الصلاة والسلام اتخذ لإيجاد اللبن سببًا، وهو وجود هذه الشاة التي كانت قد سبق أن وجد في ضرعها لبن. وهذا يعلمنا اتخاذ الأسباب بمضمونها، ولو تأملنا معنى هذا فهو كثير في سيرته عليه الصلاة والسلام، فنحن من باب أولى أننا نتخذ أسبابًا من مضمونها تعيننا على ما نرجوه من خير الدنيا والآخرة، وما نرجوه من نصر الله عز وجل وتوفيقه وإعانته. فإذا كان كذلك، فإذا من الخطأ ألا تتخذ الأسباب من مضانها، وأعظم ذلك ألا تتخذ الأسباب أبدًا، فهذا من العجز ومن التواكل ومن معاني الهزيمة. مثلًا لو قال قائل: نحن نتوكل على الله، نتوكل على الله، ثم سواء في الأمر الديني أو الأمر الدنيوي، ثم لا يتخذ الأسباب التي يرجو بها الظفر بالشيء الديني، يتوكل على الله في تعلم العلم، وهو لا يجتهد في الحفظ، ولا يجتهد في القراءة، ولا يجتهد في الجلوس في مجالس العلم، ويقول: إن شاء الله سنتعلم. كيف ستتعلم؟ أنت لم تتخذ أسباب التعليم. التعليم والخير الديني الذي تريده من العلم ما ينال براحة الجسد، لابد لك من جد واجتهاد وتعب وسهر ونصب وحب ومذاكرة وكتابة وتفريغ وحضور الدروس وشراء الكتب، وغير ذلك مما تكون بإذن الله به الثمرة. فمن جد وجد، وأما أنك تقول: أنا سأجتهد إن شاء الله، وحسبي بذلك أني أرجو من عند الله ما يكون به إن شاء الله توفيقي، لا هذا ليس صحيح، هذا تواكل وليس توكل. لا نكون كبعض أهل الضلال، مثل جماعة التبليغ يقولون: اتقوا الله ويعلمكم الله. صحيح اتقوا الله ويعلمكم الله، لكن من تقوى الله الأخذ بالأسباب. من تقوى الله أخذ الأسباب التي يكون بها حصول التعليم. فليس تتق الله معنى أن ترضى بالجهل الذي أنت عليه، ولا تذهب إلى العلماء، ولا تثني الركب بين يدي العلماء، ولا تواصل الطلب الأسابيع والأشهر والأعوام، ثم تريد أن تتعلم. ما يمكن التعليم لابد له من ماذا؟ من جد واجتهاد وسهر وتعب ونصب في الحفظ والمراجعة والمدارسة وغير ذلك. وهكذا كذلك حتى الأمور الدنيوية، نحن نتق الله جل وعلا ونتوكل على الله في طلب الرزق الحلال، وأن يغنينا الله من حلاله عن حرامه، لكن ليس معنى ذلك أن تترك التسبب في التعيش. ترك ذلك معنى أنك ترضى لنفسك أن تكون عالة. الله عز وجل يرزق عباده، صحيح، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، لكن رزقها كيف؟ كما قال في حديث عمر رضي الله عنه: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا». ما في طائر يجلس في غصنه ويريد الرزق من الله، إنما الطائر يخرج ويطير، يذهب يمنة ويسرى، فيرزقه الله. وأنت كذلك، ليس تقعد وتجلس وتريد الرزق من الله، بل لابد من اتخاذ الأسباب. ومثله كذلك لو أن المسلم استعان ببعض الأمور المعاصرة التي قد يحتاجها في حياته العلمية والدعوية، فإن هذا لا ينافي توكله على الله سبحانه وتعالى أو إخلاصه لله سبحانه وتعالى، بل قد يكون هذا مما يجب في حق بعض الناس، مما يجب في حق بعض الناس، فقد تحتاج إلى بعض الأشياء المعاصرة التي يكون بها نصرة هذا الدين من علوم ومعارف، وكذلك ربما حتى شهادات أو غير ذلك. فينبغي أن نكون منصفين في هذا الباب، ونفقه مثل هذه المعاني التي دلت عليها الأدلة الشرعية. ومن كذلك فوائد هذا الحديث: فيه أدب من آداب الشرب، وهو تقديم الساقي لغيره، فساقي القوم آخرهم شربًا. نبينا عليه الصلاة والسلام هو أفضل الناس، عليه الصلاة والسلام، وفي هذا المجلس هو الأفضل، عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لما كان هو الساقي أخر شرب نفسه، عليه الصلاة والسلام. ويدل عليه أحاديث كثيرة، منها قصة أبي هريرة رضي الله عنه، فإنه كان متقررًا عندهم هذا الأدب وهذا العلم، ولهذا لما أمر أبا هريرة أن يسقي، خاف أن لا يبقى له شيء، لعلمه أن ساقي القوم آخر الناس شربًا. وفيه من المسائل كذلك: إكرام من هو مظنة الإكرام، فالنبي عليه الصلاة والسلام ابتدأ بمن في السقية، ابتدأ بمن ها هنا، كما نرى في الحديث، ها؟ ابتدأ بأبي بكر؛ لأنه الضيف بالنسبة لمن للراعي، بالنسبة للراعي هو الضيف. وهكذا كذلك إذا ابتدأت بإكرام من في المجلس، تبتدأ بالضيف، فمثلًا قد يكون عن يمينك أهل البيت، وفي الوسط الضيف، تبدأ بالضيف، ثم من عن يمينه، تبدأ بالضيف، ثم من عن يمينه، وهكذا يكون الأدب في مثل هذا المقام. وفيه من المسائل كذلك: مشروعية التخفي عند خوف الضرر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخفى أمره عن هذا الراعي، ولم يخبره إلا بعد أن وعده أن يكتم عليه، وفيه من المسائل كذلك: جواز عدم إظهار الحق إذا خشي المفسدة من إظهاره. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث يأمر عددًا من من أسلم ألا يظهر إسلامه خشية عليه، وهذا من هؤلاء، قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا». فهو يدل على ما تقدم. وفيه من المسائل كذلك: سنة الله في ابتلاء أهل الحق، فإذا كان هذا نبينا عليه الصلاة والسلام لم يستطع أن يظهر دينه في فترة من الفترات، ولم يستطع من آمن به أن يظهر دينه، فمن باب أولى أن يعلم كل من عرف الحق والتزم به أنه ليس من لازم أن تكون من أهل الحق أن يكون لك التأييد والنصر والغلب على كل حال، فإنه قد يبتلى. والابتلاء الذي قد يقع والامتحان والنقص لا يعني ذلك أنك على غير الحق، بل هذه سنة الله عز وجل في الامتحان والابتلاء. وها هنا ملحظان: الملحظ الأول: وهو أن لا يكون الابتلاء سببًا في صرف الإنسان عن الخير أو الشك فيه. والملحظ الثاني: وهو كذلك أن لا يجعل كل ابتلاء هو معناه أو كل مصيبة معناه أنه ابتلاء وتشريف، فإنه قد يكون كذلك عقوبة، قد يكون كذلك عقوبة. فلذلك ينبغي أن ينظر المسلم إلى هذين النظرين، فينظر باعتبار نقصه وتقصيره وتفريطه: أن بعض ما أصابه أو أن ما أصابه قد يكون ببعض ذنوبه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، وكما قال كذلك سبحانه وتعالى في حق خير الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. فنحن من باب أولى أن نتهم أنفسنا، وأن كذلك يعني نفتش عن عيوبنا. وليس المقصود من هذا أن يحبطنا عن طريق الخير والاجتهاد فيه، أو يصرفنا عنه، ولكن المقصود من هذا أن نصلح النقص ونطلب الكمال، أن نستعين بهذا المعنى لماذا؟ لابتعاد عن النقص وطلب الكمال. وفرق بين من يجعل هذا سببًا لصرف نفسه عن الخير، وبين من يستعين به لطلب الكمال، فنستعين بهذا. وهذا كذلك مدعاه أن يجتهد الإنسان في إصلاح نفسه وإصلاح من معه، وهذا هو المطلوب. وأما المعنى الأول فهو كما تقدم؛ لأجل أن يثبت الإنسان ويعينه ذلك على الصبر على ما قد يلقاه في طريقه. إذا كان هناك ضيوف كثير متفرقون في المجلس بين أهل البيت، فكيف تكون طريقة الإكرام؟ من أول ضيف عن اليمين تكون من أول ضيف عن اليمين، أول ضيف عن اليمين تبدأ به، ثم تتبع. وإذا كان هناك تسامح، لا بأس أن تبدأ من يمينك، لو كان غير الضيف، فالسنة أن تكبر، ثم تيمن. هذا يقول: شاه مريضة، هل يجوز ذبحها ثم رميها إذا كانت حالتها شبه ميؤوس منها؟ إذا خشي الضرر فيجوز، إذا غلب على ظنه الضرر، فإنه يجوز له أن يفعل هذا. وإلا فليس كل شاه مريضة ترمى وتذبح، فقد تمرض ثم يشفيها الله عز وجل، لكن إذا كان مرضها قد يضر، فهنا ممكن أن يقال: يفعل هكذا. بل يجوز أن تحرق إذا كان حرقها بعد ذبحها أنفى لمرضها، وهذا جائز. واستدل العلماء له بأدلة كثيرة تدل على هذا المعنى. أما إذا كانت مريضة فأنت تريد أن ترحمها فتذبحها؛ لأجل أن لا تتعب في مرضها، فهذا ليس بصواب. فلله حكمة في حصول هذا البلاء، فأنت تتركها والخير فيما يختاره الله لها، فقد تكون الشاة يعني تشفى، وأنت تظن أنها ستموت، ويشفيها الله عز وجل. وكذلك أنت حين ترى هذا يكون فيه تربية لك من مداواتها ورحمتها والاعتبار بهذا في نفسك وغيرك، ولله حكم في مثل هذا. رجل كان في صغيره، وما أخذ بعض الأشياء على بعض الناس، وهو لم يبلغ بعد، ويريد الآن لنتحلل من ذلك، يقدر هذا بقدر المستطاع، ويرده، ويقدره، ويقدره، يجتهد في تقديره.