الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 152، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش اعتقاد النصارى في الألوهية والخلق ويرد على قولهم بأن الكلمة الخالقة جزء من الله. يبين التناقض في قولهم بوجود خالق واحد له ثلاث صفات.
يتناول الرد على ادعاءات النصارى بأن المسيح هو كلمة الله ويبين تناقض أقوالهم حول كلمة الله وروح القدس. يظهر بطلان قولهم بوجود أكثر من خالق.
يتناول تناقض أقوال النصارى حول الخالق وكلمة الله ويعرض الآيات القرآنية التي تذكر مريم والمسيح. يرد على ادعاءاتهم حول اتحاد الله بالمسيح.
اجتمعت الأوجه العشرة على ردود سمعية وعقلية تثبت بطلان دين النصارى وتناقضهم. تشكل هذه الردود حججاً قوية ضد معتقداتهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «اكتابي جواب الصيح البداية دين المسيح». قلت: فهذا كلام سعيد من البطريق الذي قرر به دين النصارى، وفيه من الباطل ما يطول وصفه، لكن نذكر من ذلك وجوها. الوجه الأول: قوله «إن من عظيم تدبير الله أن بعث كلمته الخالقة التي بها خلق كل شيء من جوهره، ليست مخلوقة ولكن مولودة منه، فهبطت كلمة الله الخالقة بقوامها القائم الدائم، فالتحمت من مريم العذراء». وبيّن أنه جعل الكلمة خالقة، وقلت بعد هذا: «ولا كانت الكلمة برية منه ولا من روحه الخالقة». وقلت بعدها: «فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الأب ومؤازرة روح القدس جميعا خلقا جديدا». فيقال لهم: أخالق العالم عندكم خالق واحد وهو إله واحد، أم للعالم ثلاثة آلهة خالقون؟ فإن قالوا: «إن الخالق واحد»، وهم ثلاثة آلهة خالقون، كما أنهم في كثير من كلامهم يصرحون بثلاثة آلهة وثلاثة خالقين، ثم يقولون: «إله واحد وخالق واحد»، فيقال: «وهذا تناقض ظاهر، فإما هذا وإما هذا». وإذا قلتم: «الخالق واحد له ثلاث صفات»، لم ننازعكم في أن الخالق له صفات، لكن لا يختص بثلاثة. فإن قالوا: «بثلاثة آلهة خالقين»، كما قد كثر منهم في كثير من كلامهم بأن كفرهم بان كفرهم وعظم شركهم وبان أن شركهم أعظم من كل شرك في العالم، فغاية المجوس الثنوية إثبات اثنين: نور وظلمة، وهؤلاء يثبتون ثلاثة. ثم الأدلة السمعية في التوراة والإنجيل والزبور وسائر كلام الأنبياء مع الأدلة العقلية المبينة لكون الخالق واحدا كثيرة جدا، لا يمكن حصرها هنا. وإن قالوا: «إن الخالق واحد له صفات»، قل لهم: «فهذا مناقض لقولكم إنه بعث كلمته الخالقة، وقولكم ولا كانت الكلمة برية منه ولا من روحه الخالقة، وقولكم فهبطت الكلمة الخالقة، وقولكم فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الأب ومؤازرة الروح». فهذا يقتضي أن الكلمة خالقة، وأن الروح خالقة، وأنها خلقت بمسرة الأب الخالق ومؤازرة الروح الخالقة، وهذا الخالق هبط، والأب لم يهبط، فإذا كان الخالق واحدا له صفات، لم يكن هنا إلا خالق واحد. الوجه الثاني: قولكم «بعث كلمته الخالقة التي بها خلق كل شيء». وقد نطقت الكتب بأن الله يخلق الأشياء بكلامه، فيقول لها: «كن فيكون»، هكذا في القرآن والتوراة وغيرهما، لكن الخالق هو الله تعالى يخلق بكلامه، ليس كلامه خالقا، ولا يقول أحد قط: «إن كلام الله خلق السماوات والأرض». والتوراة كلام الله، والإنجيل كلام الله، ولا يقول أحد: «إن شيئا من ذلك خلق السماوات والأرض»، ولا يقول أحد: «يا كلام الله اغفر لي وارحمني». فقول هؤلاء: «إن كلمته هي الخالقة، وإنه خلق خلقا بها»، كلام متناقض. فإنها إن كانت هي الخالقة، لم تكن هي المخلوق بها، فالمخلوق به ليس هو الخالق. الوجه الثالث: أن يقال: قولكم «كلمة الله الخالقة»، أهي كلام الله كله، أم هي بعض كلام الله، أم هي المعنى القائم بالذات القديم الأزلي الذي يثبته ابن كلاب، أم حروف وأصوات قديمة أزلية كما يقوله بعض الناس، أم هي الذات المتكلمة؟ فإن كانت هي الذات المتكلمة، فهي الأب والرب، وتكون هي الموصوفة بالحياة، فليكن هناك كلام مولود، ولا كلمة أرسلت، ولا غير ذلك مما ذكره، وهذا خلاف قولهم كلهم، فإن الكلمة المتحدة بالمسيح ليست هي الأب عندهم. وإن قالوا: «بل هي كلام الله كله»، قيل لهم: «فيكون المسيح والتوراة والإنجيل والقرآن وسائر كلام الله هذا»، لا يقولونه، ولم يقل أحد ولا يقوله عاقل. وإن قالوا: «إنها هي المعنى الواحد القديم الأزلي أو الحروف والأصوات القديمة الأزلية»، قيل لهم: «هذان القولان وإن كانا باطلين، فإن قلتم بهما لزمكم أن يكون المسيح هو كلام الله كله». فإن هذين عند من يقول بهما هما جميع كلام الله، والتوراة والإنجيل وسائر كلام الله عبارة عن ذلك المعنى القائم بذات الله، وهو الحروف والأصوات القديمة القائمة بالذات عند من يقول بهذين. وإن قلتم: «إن المسيح بعض كلمات الله»، فحينئذ لله كلمات أخر غير المسيح، فاجعلوا كل كلمة خالقا كما جعلتم الكلمة المتحدة بالمسيح خالقا، إذ كنتم تقولون: «الكلمة هي الخالقة وهي المخلوق بها»، فقولوا عن سائر كلمات الله: «إنها خالقا مخلوق بها». وحينئذ يتعدد الخالق بتعدد كلمات الله، وإذا كانت كلمات الله لا نهاية لها، كان الخلق خالقون لا نهاية لهم، وهذا غاية الباطل والكفر. وبالجملة، أي شيء فسروا به الكلمة، تبين به فساد قولهم، ولكنهم يتكلمون بما لا يفهمونه، ويقولون الكذب والكفر والمتناقض. قال تعالى: «قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ظلوا من قبل وأظلوا كثيرا وظلوا عن سواء السبيل». الوجه الرابع: أن يقال لهم: «ما لم يعلم بالمعقول، فليس في المنقول ما يدل عليه». وأنتم لا تدعون أنكم عرفتموه بالعقل، لكن بما نقل عن الأنبياء. وأنتم قد فسرتم كلمته بعلمه وحكمته، وروح القدس بحياته. فمن أي نبي تنقلون أن علم الله وحكمته مولودتان منه، وأنه يسمى ابنا، وأن علمه أو حكمته خلق كل شيء، وأن حياته خلقت كل شيء، وأن علمه خالق وإله ورب، وحياته خالقة وإله ورب؟ ليس في الأنبياء من سمى شيئا من صفات الرب ولدا له، ولا ابنا، ولا ذكر أن الله ولد شيئا من صفاته. فدعواكم أن صفته القديمة الأزلية ولدت مرتين: مرة ولادة قديمة أزلية، وولادة حادثة من فرج مريم، كذب معلوم على الأنبياء، لم يقل أحد منهم: «إن الله هو الولد»، ولا «إن شيئا من صفاته ولده»، لا ولادة روحانية ولا ولادة جسمانية. الوجه الخامس: قولكم «بعث كلمته الخالقة فهبطت كلمة الله الخالقة التي بها خلق كل شيء، ليست مخلوقة ولكن مولودة منه». ولم يكن الله بلا كلمته ولا روحه قط. من قال من الأنبياء: «إنه لم يكن بلا روحه قط»، أو «أن روحه صفة له قديمة»، أو «أنها حياته»؟ كلام الأنبياء كله ينطق بأن روح الله وروح القدس ونحو ذلك هو ما ينزله على الأنبياء كالوحي والتأييد، أو الملائكة، فليست روح الله صفة قائمة به، ولا غيرها، ولكنها أمر بائن عنه. الوجه السادس: أنه إذا كان قد بعث كلمته الخالقة وهبطت والتحمت من مريم، فهو نفسه رب العالمين هبط والتحم من مريم، أم رب العالمين نفسه لم يهبط ولم يلتحم من مريم، وإنما هبط والتحم الكلمة التي أرسلها؟ فإن قلتم: «هو نفسه هبط والتحم»، كان الأب الوالد للكلمة هو الذي هبط والتحم، وكان الأب هو الكلمة، وهذا مناقض لأقوالكم. وإن قلتم: «إن المبعوث الهابط الملتحم ليس هو الأب بل هو كلمة الرب»، فقد جعلتموه الخالق، فيكون هناك خالقان: خالق أرسل فهبط والتحم، وخالق أرسل ذلك ولم يهبط ولم يلتحم، فقد أثبتتم خالقا ثالثا وهو الروح، وهذا تصريح بثلاثة آلهة خالقين. الوجه السابع: أنه قال: «إن الله بعث كلمته الخالقة التي بها خلق كل شيء». فمع كونه جعلها خالقة، جعل أنه بها خلق كل شيء، والذي خلق بها كل شيء هو خالق، فجعلها خالقة، وجعل خالقا آخر، وجعل أحد الخالقين قد خلق الآخر به كل شيء، وجعل هذا الخالق قد بعث ذاك الخالق الذي به خلق كل شيء. وجعل الكلمة الخالقة احتجبت بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الأب ومؤازرة روح القدس خلقا جديدا. وإذا كانت هي الخالقة بمسرة الأب الخالق على الخلق، فالأب لم يخلقه بل سر بذلك، وروح القدس وازرت ذلك، والخالق خلق الخلق، ومعلوم أنه إذا كان للخالق من يوازره على الخلق، لم يكن مستقلا بالخلق، بل يكون له فيه شريك. فالكلمة تارة يقولون: «هي الخالقة»، وتارة يقولون: «خلق بها الخالق أو خلق بها الخالق فخلقت»، وتارة يقولون: «إن روح القدس وازرها في الخلق». فهذه أربعة أقوال ينقض بعضها بعضا. الوجه الثامن: قوله «فهبطت كلمة الله الخالقة بقوامها القائم الدائم الثابت الذي لم يزل ولا يزول، فالتحمت من مريم العذراء». وهي جارية طاهرة مختارة من نسل داود، اصطفاها الله لهذا التدبير من نساء العالمين، وطهرها بروح القدس روحه الجوهرية التي جعلها أهلا لحلول كلمة الله الجوهرية بها. فيقال: «إن الكتب دلت على أن المسيح تجسد من روح القدس ومن مريم العذراء البتول». وهكذا هو في الأمان التي لهم، وبهذا أخبر القرآن، حيث أخبر في غير موضع أنه نفخ في مريم من روحه، مع إخباره أنه أرسل إليها روحه. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضا، لكن دعواكم أن روح القدس روح الله الجوهرية، أي حياته القديمة الأزلية، أمر مخالف لجميع كتب الله وأنبيائه. الوجه التاسع: قوله «فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها». وقوله «فكانت مسكنا لله في حلوله واحتجابه للطفها عن جميع ما لطف من الخلائق كلهم». فيقال لهم: «أولا من أين لك أن روح الإنسان ألطف من جميع المخلوقات، وأنها ألطف من الملائكة»؟ الوجه العاشر: قولكم «واعلم أنه لا يرى شيئا من لطيف الخلق إلا في غليظ الخلق، ولا يرى ما هو لطيف من اللطيف إلا مع ما هو أغلظ منه». يقال لهم: «إما أن يكون الله لما اتحد بالمسيح عندكم قد رآه الناس وعاينوه، أو لم يره أحد». فإن قلتم: «قد رآه الناس وعاينوه»، فهذا مخالف للحس والشرع والعقل. إلى هنا إن شاء الله. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأوجه العشرة وما سيأتي إن شاء الله تعليقا وتتبعا لبعض ما ذكره سعيد بن البطريق في تاريخه. وما نقل منه في هذا الموضع من كتاب شيخ الإسلام رحمه الله إما قرر فيه ابن البطريق دين النصارى وتضمن من الباطل كما ذكر الشيخ رحمه الله ما يطول وصفه. فأجاب في هذه الأوجه العشرة على أهم ما رأى رحمه الله التنبيه عليه مما اشتهر بين النصارى وذكره ابن البطريق مما يعلم به بطلان دين النصارى. وقد اجتمعت هذه الأوجه العشرة كما رأينا وسمعنا على ردود سمعية نقلية وعقلية واقعية تبين به بطلان دين النصارى وتناقضهم.