الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
قدم وفد نجران النصارى إلى النبي محمد وكانوا يتزعمهم العاقب والسيد، ودار بينهم حوار حول الإسلام والنصرانية. انتهى الأمر بعقد صلح بينهم على شروط معينة.
دارت مباحثات بين وفد نجران والنبي حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم، فرد النبي عليهم بأسئلة منطقية تُظهر تناقض معتقداتهم. تم التوصل إلى صلح مع أهل نجران على دفع جزية سنوية.
أورد أبو عبيد القاسم بن سلام بنود الاتفاقية بين النبي وأهل نجران، وتطرق إلى نزول آية الجزية وتفسير الآيات المتعلقة بدعوة أهل الكتاب.
استدل المؤلف بقصة وفد نجران على أن النبي بُعث للناس عامة ودعا أهل الكتاب إلى الإسلام وفرض عليهم الجزية، مما يثبت أن رسالته لم تكن مقتصرة على العرب فقط.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابي "الجواب الصحيح من بدل دين المسيح". والمقصود هنا ذكر وفد نجران النصارى السيد والعاقب ومن معهما. قال أبو الفرج بن الجوزي: ثم دخل سنة عشر من الهجرة، فمن الحوادث فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب. فروى من إسحاق قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طالدًا في ربيع الآخر أو جماد الأول بسنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بن جران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، وذكر القصة. ثم قال: وفيها قدم وفد الأزد، وفيها قدم وفد غسان، وفيها قدم وفد زبيد، وفيها قدم وفد عبد القيس. قال إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمر في وفد عبد القيس، وكان نصرانيًا فأسلموا. وفيها قدم وفد كندة فأسلموا، وفيها قدم وفد بني حنيفة، وفيها قدم وفد بجيلة. قال: وفيها قدم العاقب والسيد من نجران، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب صلح. وذكر محمد بن سعد في الطبقات ذكر بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الأول سنة عشر لبني الحارث بن كعب، ذكره بإسناده. قال: أنبأنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن موسى المخزومي عن عبد الله بن عكرمة عن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه. ثم ذكر قدوم نصارى نجران من طريق علي بن محمد فقال: أنبأنا علي بن محمد، وهو المدائني، عن أبي معشر عن يزيد بن رومان ومحمد بن كعب قال: وأنبأنا علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الزهري وعكرمة بن خالد وعاصم بن عمر بن قتادة. قال: أنبأنا يزيد بن عايد بن جعدية عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعن غيرهم من أهل العلم، يزيد بعضهم على بعض، قالوا: ووفد وفلان وفلان في رجال من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هدم جرير بن عبد الله رضي الله عنه ذا الخلصة، وقتل من قتل من خثعم. فقالوا: آمنا بالله ورسوله، فاكتب لنا كتابًا. وذكروا القصة وقدوم وفود متعددة. قالوا: وقدما وفد نجران، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران. وخرج إليه أربعة عشر من أشرافهم نصارى، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم: العاقب واسمه عبد المسيح، رجل من كندة، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم، والذي يصدرون عن رأيه. وأبو الحارث أسقفهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، والسيد وصاحب رحلتهم. فدخلوا المسجد عليهم جبب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير، فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق. فقال رسول الله صجى عليهم: دعوهم. ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم فلم يكلمهم. فقال لهم عظيم نجران: ذلك من أجل زيكم هذا. فانصرفوا يومهم ذلك. ثم غدوا عليه بزي الرهبان، وسلموا عليه فرد عليهم، ودعاهم إلى الإسلام فأبوا. وكثر الكلام والحجاج بينهم، وتلا عليهم القرآن. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أنكرتم ما أقول فهلما نُباهلكم». فانصرفوا على ذلك. فغدا عبد المسيح رجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: قد بدا لنا ألا نُباهلك، فاحكم علينا بما أحببت، نعطيك ونصالحك. فصالحهم على ألفي حلة في رجب، وألف في صفر، أو قيمة كل حلة من الأواقي. وعلى عارية ثلاثين درعًا وثلاثين رمحًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين فرسًا إن كان باليمن كيد ونجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم. لا يغير أسقف من سِقْفَتِهِ ولا راهب من رهبانيته ولا واقف من وقفانيته. وأشهد على ذلك شهودًا منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، والمغيرة بن شعبة. ورجعوا إلى بلادهم. فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرًا حتى رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري. وأقام أهل نجران على ما تقرر لهم به النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله صلوات الله عليه ورحمته ورضوانه. ثم ولي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكتب لهم بالوصية بهم عند وفاته. ثم صاروا إلى الربا فأخرجهم عمر منفًا من أرضهم. وكتب لهم: هذا ما تقرر لعمر أمير المؤمنين لنجران، أنه من سار منهم فهو آمن بأمان الله، لا يضرهم أحد من المسلمين. وأوفى لهم بما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. أما بعد: فمن وقع به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسع لهم من جريب الأرض، فما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة. وعقب لهم فكان أرضهم لا سبيل عليهم فيها لأحد، ولا مغرم. أما بعد: فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم، فإنهم أقوام لهم الذمة، وجزيتهم عنهم متروكة أربعة وعشرين شهرًا بعد أن يقدموا، ولا يكلفوا إلا من ضيعتِهِم التي اعتملوا، غير مظلومين ولا معنوف عليهم. شهد عثمان بن عفان ومعيقب بن أبي فاطمة. وقع ناس منهم بالعراق، فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة. وماذا ترى؟ أمن سعد عن علي بن محمد المدائني عن أشياخه في حديث وفد نجران، فهو يوافق ماذا ترى من إسحاق؟ فإن قوله: «أربعة عشر من أشرافهم» يوافق قول من روى عن إسحاق. عن محمد بن جعفر قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران، ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم. في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يأول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ونجعتهم، واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، حتى حسن علمه في دينهم. فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأكرموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا له الترامات لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. ولما وجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجهًا، وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة. فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: «تعيس الأبعد» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: «بل أنت تعست». قال: «لما يا أخي؟» قال: «والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره». فقال له كرز: «ما منعك منه وأنت تعلم هذا؟» قال: «ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا، فقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى». فأضمر عليه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. وهو كان يحدث عن هذا الحديث فيما بلغني. قال ابن هشام: وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتابًا عندهم، فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرئاسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتمًا مع الخواتم التي قبله، ولم يكسرها. فخرج الرئيس الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، فعثر، فقال ابنه: «تعيس الأبعد» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبوه: «لا تفعل، فإنه نبي». واسمه في الوثائق - يعني الكتب - فلما مات، لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فحسن إسلامه. وحج وهو يقول: «إليك تغدو إليك تغدو قلقًا وضينها، معترضًا في بطنها جنينها، مخالفًا دين نصارى دينها». قال المسعودي: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر. عليهم جبب الحبرات وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب. قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: «ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم». وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «دعوهم فصلوا إلى المشرق». قال ابن إسحاق: وكانت تسمية الأربعة عشر الذين يؤول إليهم أمرهم: العاقب وهو عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس والحارث وزيد وقيس ويزيد ونبي وخويلد وعمر وقالد وعبد الله ويحنس، في ستين راكبًا. فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة والعاقب عبد المسيح والأيهم السيد، وهم على دين الملك، مع اختلافهم في أمرهم. يقولون: «هو الله»، ويقولون: «هو ولد الله»، ويقولون: «هو ثالث ثلاثة». وكذلك قول النصارى. فهم يحتجون في قولهم: «هو الله» بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا، وذلك كله بأمر الله، وليجعله آية للناس. ويحتجون في قولهم: «إنه ولد الله» فإنهم يقولون: «لم يكن له أب يعلم له أب، وقد تكلم في المهد، وهذا شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم». ويحتجون في قولهم: «ثالث ثلاثة» في قول الله: «فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا». فيقولون: «لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلت وقضيت وأمرت وخلقت، ولكن هو وعيسى ومريم». وفي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن. فلما كلمهم الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلم». قالا: «قد أسلمنا». قال: «إنكما لم تسلم فأسلم». قالا: «بلى قد أسلمنا قبلك». قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام: دعواكما لله ولدًا، وعبادتكما للصليب، وأكلكما الخنزير». قال: «فمن أبوه يا محمد؟» وصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما. فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلافهم في أمرهم كله صدرًا من سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. وذكر نزول الآيات بسببهم غير واحد، مثل ما ذكره محمد بن جرير الطبري في تفسيره. قال: حدثنا المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر - يعني عبد الله بن أبي جعفر الرازي - عن أبيه عن الربيع في قوله تعالى: «آلم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم». قال: «إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى بن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان». «لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولد». فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: «نعم». قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟» قالوا: «بلى». قال: «ألستم تعلمون أن ربنا خيم على كل شيء، يكله ويحفظه ويرزقه؟» قالوا: «بلى». قال: «فأل يملك عيسى من ذلك شيئًا؟» قالوا: «لا». قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» قالوا: «بلى». قال: «فأل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما علم؟» قالوا: «لا». قال: «فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء». قال: «ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟» قالوا: «بلى». قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يتغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟» قالوا: «بلى». قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟» فعرفوا، ثم أبوا إلا جحودًا، فأنزل الله: «آلم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم». وقد ثبت في الصحاح حديث: «وفي نجران» في البخاري ومسلم عن حذيفة. وأقر به مسلم عن سعد بن أبي وقاص. قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي». وفي البخاري عن حذيفة من اليمن قال: «جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه». فقال أحدهما لصاحبه: «لا تفعل». قال: «والله لئن كان نبيًا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا». قال: «إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا». قال: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين». قال: «فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح». فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة». وفي سنة أبي داود وغيره. قال أبو داود: أخبرنا مصرف بن عمر اليامي قال: حدثنا يونس عن ابن بكير قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي عن ابن عباس قال: «صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألف حلة: النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين. وعلى عارية ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم، إن كان باليمن كيد ذي غدر. على أن لا يهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنون عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثًا أو يأكلوا الربا». قال إسماعيل: «فقد أكلوا الربا». قال أبو داود: «إذن نقضوا بعض ما شرط عليهم، فقد أحدثوا». وما ذكر أبو داود من صلحه لأهل نجران على الجزية المذكورة معروف عند أهل العلم. وقد ذكر ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، ذكره من طريقين. قال أبو عبيد رحمه الله: حدثنا أبو أيوب الدمشقي قال: حدثني سعدان بن يحيى عن عبد الله بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل نجران، فكتب لهم كتابًا». بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران، إذ كان له حكمه عليهم: «أن في كل سوداء وبيضاء وصفراء وحمراء أو ثمراء ورقيق وأفضل عليهم وترك ذلك لهم ألف حلة في كل صفر، ألف حلة في كل رجب، كل حلة أوقية. ما زاد الخراج أو نقص، فعلى الأواق فليحسب. وما قضوا من ركاب أو خيل أو دروع، أخففنا عنهم بالحساب. وعلى أهل نجران مأوى رسلي عشرين ليلة، فما دونها. وعليهم عارية ثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين درعًا إذا كان كيد باليمن ذو مغدرة. وما هلك مما أعار رسلي، وهو ضامن على رسلي حتى يؤدوه إليهم. وإن نجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم وملتهم وبيعهم ورغبانهم وأساقفهم وشاهدهم وغائبهم وكل ما تحت أيديهم من قرية أو كثير. وعلى أن لا يغيروا أسقفًا من سِقْفَتِهِ، ولا واقفًا من وِقْفَتِهِ، ولا راهبًا من رَهْبَانِيَتِهِ. وعلى أن لا يخسروا ولا يعشروا، ولا يطأ أرضهم جيش. ومن ملك منهم حقًا، فالنصف بينهم بنجران. على أن لا يأكلوا الربا، فمن أكل الربا من ذي قبل، فذمته منهم برية. وعليهم الجهد والنصف فيما استقبلوا، غير مظلومين ولا معنوف عليهم». شهد عثمان بن عفان ومعيقب. قال أبو عبيد: «الواقف: العهد في لغة بني الحارث بن كعب، يقول: إذا مات هذا الأسقف قام الآخر مكانه». قال أبو عبيد: قال أبو أيوب: حدثني عيسى بن يونس عن عبد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وزاد في حديثه: «فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا أبا بكر، ووفى لهم بذلك، وكتب لهم كتابًا نحوا من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أصابوا الربا في زمانه، فأجلاهم عمر، وكتب لهم: أما بعد، فمن وقع به من أمراء الشام أو العراق، فليوسع لهم من جريب الأرض، ومعتملوا من شيء فأولهم لوجه الله، وعقب من أرضهم». قال: «فأتوا العراق، فاتخذوا النجرانية». قال أبو عبيد: «وهي قرية بالكوفة». وكتب عثمان إلى الوليد بن عقبة: أما بعد، فإن العاقب والأسقف وسرات أهل نجران أتوني بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأروني شرط عمر رضي الله عنه. وقد سألت عثمان بن عفان، فأنبأني أنه قد كان بحث عن ذلك فوجده. عثمان بن حنيف. وقد سألت عثمان بن حنيف، فأنبأني أنه قد كان بحث عن ذلك فوجده. صار للدهاقين ليردعهم عن أرضهم. وإني قد وضعت عنهم من جزيتهم مئة حلة لوجه الله، وعقب لهم من أرضهم. وإني أصيك بهم، فإنهم قوم لهم ذمة. قال أبو عبيد: حدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن الهيثم عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لأهل نجران من محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم». ثم ذكر نحو هذه النسخة، وليس في حديثه قصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وفي آخره: شهد أبو سفيان بن حرب، والعرق بن عمر، ومالك بن عوف بن منبه، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة بن شعبة. قال أبو عبيد: حدثني عيسى بن سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب قال: «أول من أعطى الجزية أهل نجران، وكانوا نصارى». فإن قيل: قوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل مع دحية الكلبي، مدة هدنته للمشركين. وكان أبو سفيان - الذاكر - مسلمًا، وقد حضر عنده هرقل، وسأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأبو سفيان أسلم عام الفتح، ودل ذلك على أن هذا الكتاب كان قبل الفتح. ونزول آية الجزية كان بعد الفتح سنة تسع. ودل ذلك على أن هذه الآية نزلت قبل آية الجزية، وقبل آية المباهلة. وآية المباهلة قد علم يقينًا أنها نزلت في قصة قدوم وفد نجران. والمفسرون وأهل السير ذكروا أن آل عمران نزلت بسبب مناظرة أهل نجران. وقد ذكرناه من نقل أهل الحديث بالإسناد المتصل، ونقل أهل المغازي والسير: أن وفد نجران صالحهم على الجزية، وهم أول من أداها. فعلم أن قدومهم كان بعد نزول آية الجزية. وآية الجزية نزلت بعد فتح مكة. فعلم أن قدوم وفد نجران كان بعد آية السيف التي هي آية الجزية. قال الزهري: «أهل نجران أول من أدى الجزية». قوله تعالى: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ بعدها آيات نزلت قبل ذلك. قوله: ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون. يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ فيكون هذا مما تقدم نزوله، وتلك مما تأخر نزوله، وجمع بينهما للمناسبة، كما في نظائره. فإن الآيات كانت إذا نزلت، يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها في مواضع تناسبها، وإن كان ذلك مما تقدم ومما يبين ذلك: أن هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ لغرضها لعموم اليهود والنصارى. وكذلك ذكرهم العلم: أنها دعوة لطائفتين. وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بها اليهود. فدل ذلك على أن نزولها متقدم. فإن دعاه لليهود كان قبل نزول آيات الجزية. ولهذا لم يضرب الجزية على أهل خيبر، وغيرهم من يهود الحجاز. ولكن لما بعث معاذًا إلى اليمن، وكان كثير من أهلها يهود، أمره أن يأخذ عن كل حالم دينارًا أو عدله معافرا. وهذا كان متأخرًا بعد غزوة تبوك. وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ باليمن. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا الضحاك بن عبد الرحمن بن أبي حوشب. غير واحد: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أليون طاغية الروم قال: فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ وروى بإسنادي عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ قال: «بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل الكتاب، فآبوا عليه، فجاهدهم». وكذلك سائر الآيات التي فيها خطاب بالطائفتين. فقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لما تحاجون في إبراهيم﴾ وما أنزل التوراة والإنجيل إلا من بعد إبراهيم أفلا تعقلون. هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين. ومما ينبغي أن يعلم: أن أهل نجران كان منهم نصارى أهل ذمة، وكان منهم مسلمون، وهم الأكثرون. والنبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة لهؤلاء وهؤلاء. واستعمل عمر بن حزم على هؤلاء وهؤلاء، كما أخرجا في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح». وعن أنس أيضًا: «أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ابعث معنا رجلًا أمينًا يعلمنا السنة والإسلام». فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: «هذا أمين هذه الأمة». وفي الصحيحين عن حديثة بن اليمن قال: «جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلًا أمينًا». فقال: «لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين حق أمين». قال: «فاستشرف له الناس». فقال: «فبعث أبا عبيدة بن الجراح». وللبخاري عن حديثة قال: «جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه». قال: فقال أحدهما لصاحبه: «لا تفعل، والله لئن كان نبيًا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا». قال: «إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا». قال: «لأبعثنا معكم رجلًا أمينًا حق أمين». قال: «فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح». فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الروايات بقصة وفد نجران ليستدل به رحمه الله تأكيدًا لما ورد من الآيات في أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث للناس عامة: العرب وغير العرب، ومن ذلك أهل الكتاب: اليهود والنصارى. وهذه الروايات كما رأينا تدل على صحة أكثر التفاصيل التي رويت في قصة وفد نجران. فأصل القصة في الصحيحين في حديث حذيفة، وهكذا أيضًا ما أشار إليه في رواية مسلم، وهكذا أيضًا ما رواه ابن إسحاق وابن سعد، وهكذا أيضًا جاء في بعض السنن، وهكذا في كتاب أبي عبيد في الأموال، يحسن أكثر التفاصيل. وأنها صحت وثبتت. وبعضها فيه ضعف، بعضها من فرد في بعض الروايات، فيه ضعف. كما مر معنا بعضها بلاغات، يقول ابن إسحاق: «بلغني». وبعضه مرسل، كما جاء في رواية محمد بن جعفر، فإنه يرويه مرسلًا. وهكذا أيضًا بعضه في إسناده من هو متروك، مثل علي بن مجاهد. وهكذا في إسناد ابن جرير، في ضعف. لكن كما قلنا: مجموعة هذه الطرق يثبت الكثير من هذه التفاصيل. ولهذا حسن جماعة من أهل العلم بعض هذه الروايات. والخلاصة: يثبت بهذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا نصارى نجران. وأنه فرض عليهم الجزية على التفاصيل التي سمعناها. وهذا يدل على خطأ وكذب من زعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرسل للعرب خاصة. فإنه أرسل للعرب ولغيرهم، بل إسلام من أسلم من نصارى نجران، ومن يهود، كذلك العرب الذين كانوا حول المدينة. يدل على تأكيد هذا المعنى: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث للناس عامة، ومنهم أهل الكتاب. وأن هذا كان مستقرًا عند أهل الكتاب، بل في كتبهم ما يدل على ذلك، كما سيأتي - إن شاء الله - إشارة إليه في موضعه: أي الإخبار ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام. ولزوم الإيمان به عند اليهود والنصارى. ولكن الكثير منهم - خصوصًا المتأخرون - جحدوا ذلك، وكتموه، بل حرفوا أكثر الكتب. وإن كان الكثير منها كان موجودًا، فإنهم حرفوا ما بأيديهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، يخفون ما فيه ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، ووجوب الإيمان به.