الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 35، الدرس الخامس والثلاثون : الحديث المعضل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تعريف الحديث المعضل لغة واصطلاحا، حيث يشرح معنى كلمة 'معضل' لغة واستعمالها في مصطلح الحديث. يبين أن الإعضال يعني التعدي والإعياء لغة، وسقوط اثنين فأكثر من إسناد الحديث اصطلاحا.
يشرح الحديث المعضل بأنه الذي يسقط منه رجلان أو أكثر على التوالي في وسط سنده، وقد يتداخل مع المرسل أو المعلق. يبين أنه من أقسام الضعيف المردود بسبب السقط في السند.
يلخص أقسام الحديث الضعيف بسبب السقط مثل المنقطع والمعضل والمدلس، ويشير إلى استكمالها في درس لاحق. يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريفه لغة، المعضل، ما زلنا في الكلام على المعضل، وقرأنا كلام الشارح، وسبق التعليق عليه، ولن نقرأ ما يتيسر من كلام المعلق. قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريفه لغة، المعضل بفتح الضاد، اسم مفعول من أعضله، بمعنى أعياه، وأهل الحديث يقولون: أعضله، فهو معضل، هذا أحد المعاني كما سيأتي، للإعضال أعضله بمعنى أعياه. قال: قال ابن الصلاح: وهو اصطلاح مشكل من حيث اللغة، أي لأن معضلا بفتح الضاد لا يكون إلا من ثلاثي لازم. والفرق بين اللازم والمتعدي كما لا يخفى على الكثير منكم، هو حاجته إلى ما بعده من المفعول، وما كان بمعنى، فذهب زيد لازم، وضرب زيد عمرا هذا متعدي. ووجه الإشكال أن قولهم أعضله متعدي، بينما معضل كما قال لا يكون إلا من ثلاثي لازم، وعدي بالهمزة، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. قال رحمه الله: قال ابن الصلاح: وهو اصطلاح مشكل من حيث اللغة، أي لأن معضلا بفتح الضاد لا يكون إلا من ثلاثي لازم، عدي بالهمزة يعني صار متعديا بالهمزة، مثل أذهب زيد عمرا، أصله ذهب زيد لازم، فإذا قلت بزيادة الهمزة أذهب، صار زيد هو الذي فعل فعل الإذهاب، وعدى هذا الفعل إلى عمر، فصار الفعل بعد كونه لازما متعديا، ومثله عضل وأعضل، عضل وأعضل. قال: وهذا لازم معها. قال أي ابن الصلاح: وبحثت فوجدت له قولهم أمر عظيل، أي مستغلق شديد، وفعيل بمعنى فاعل يدل على الثلاثي. وفي الحقيقة، فعيل ليس فاعل، لأن فعيل يدل على ملازمة الصفة للموصوف، فليس كريم مثل مكرم، ولكن المعنى متقارب، حصل من الجميع إكرام، وكريم فيه زيادة الوصف بكونه ملازم للإكرام. الشاهد هو يريد أن يجد مخرجا لكون هذا الاسم جاء بمعنى يوافق ما أراده أهل مصطلح الحديث من تعريف الحديث المعضل بمعضل، أو تسمية الحديث المعضل بمعضل. قال رحمه الله: وفعيل بمعنى فاعل يدل على الثلاث، فعلى هذا يكون لنا عضل قاصرا وأعضل متعديا. ومعنى قاصر يعني لازم، كما قالوا: ظلم الليل أظلم، ظلم إذا صار في الليل ظلمة ليست بشديدة، وأظلم إذا اشتدت الظلمة، فظلم في نفسه، وأظلم على غيره يعني اشتدت ظلمته على كل شيء، فالأول لازم ويسمى قاصر، والثاني بالهمزة متعدي. ويريد أن يقول: بهذا المعنى يحصل تحقيق تسمية المعضل معضلا، لأنه في الحقيقة التعدي ليس هو لازم، فالإعضال فيه معنى التعدي، أي حصول فعل من فاعل إلى مفعول به، وهذا التعريف الذي سيأتي معنا إن شاء الله فيه معنى التعدي. وهذا الكلام من جهتي مناسبة لفظ معضل لهذا النوع من أنواع الحديث. قال: قال وتعقبه السخاوي بأن أعضل بمعنى مستغلق لازم، وإنما المتعدي أعضل بمعنى أعيا، فإشكال المأخوذ باق غير مندفع. فالأولى أنه من أعضله بمعنى أعياه. ومر معنا أن ابن الصلاح كأنه يرجح أنه بمعنى أظلمه يعني غطاه وستره. وكل المعنيين متقارب، فمعنى الإعياء ومعنى الإظلام كلاهما موجود في الحديث المعضل، لأن الذي أعضل الحديث أعيا من خلفه، فصار بفعله هذا أدخل عليهم الإشكال والإعياء، وفي نفس الوقت فعله هذا حصل فيه إخفاء وستر لهؤلاء الذين لم يذكروا، فهو لم يسمع ممن روى عنه. فكونه يقول مثلا مثل المثال الذي مر معنا: قال مالك، قال رسول الله ﷺ، حصل إعضال، فهنا هذا الإخفاء حصل فيه إظلام وتغطية لهذين الساقطين في السند. فإذا المعنيين متقاربين ما ذكره ابن الصلاح وما ذكره السخاوي رحمهم الله. قال: فلولا أنه من أعضله بمعنى أعياه، ففي القاموس: عضل عليه الأمر ضيق، وبه الأمر اشتد، كأعضل وأعضله، وتعضل الداء الأطباء فأعضلهم، فكأن المحدث أعضله وأعياه، فلم ينتفع به من يرويه عنه. وكما مر معنا أن المعنيين يصح التعبير بهما، فلا إشكال أن يكون من معنى الإعياء أو أن يكون من معنى الإظلام. قال: واصطلاحا: هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي، سواء أن كان السقوط من مبدأ السند أو من منتهى أو من أثنائه. أما إذا لم يتوالى فهو منقطع من موضعين. قال العراقي: ولم أجد في كلامهم إطلاق المعضل عليه، يعني على المنقطع الذي انقطع في موضعين، لا يسمى معضلا، وإنما المعضل ما حصل فيه سقوط في ماذا في موضع واحد لطبقتين. ومر معنا أن الخطيب البغدادي رحمه الله عرف المعضل بأنه ما رواه التبع التابع عن النبي ﷺ، كذا قال في الكفاية. وهذا هو معنى من معاني الإعضال. فلما جاء من جاء بعد الخطيب البغدادي رحمه الله، وكما تعرفون الخطيب البغدادي يعتبر من أشهر من تقدم في من كتب في علم مصطلح الحديث، حتى قال الناس: الناس عيال على كتب الخطيب البغدادي، يعني في علم المصطلح، لأنه ما من فن من فن علم المصطلح إلا وألف فيه الخطيب البغدادي مؤلفا خاصا، رحمه الله تعالى. فإذن لما لاحظ العلماء هذا المعنى، قالوا بأن الإعضال قد يقع في أول السند، وقد يقع في آخره، وقد يقع في وسطه. فإن كان في آخره ربما دخل فيه المرسل، وإن كان في أوله ربما دخل فيه المعلق، وإن كان في وسطه فهو المعضل، أي سقوط رجلين على التوالي فأكثر. إذن الحديث المعضل قد يدخل معه معنى حديث آخر، فإن كان من أوله فإنه قد يوافق المعلق، وإن كان من آخره فإنه قد يوافق المرسل، وإن كان في وسطه فهو المعضل، يعني الذي لا يتصف معه بوصف آخر. قال رحمه الله: مثاله قول مالك بالموطأ: «بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: للمملوك طعام وكسوة بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». فإن مالك وصله خارج الموطأ عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، فعرفنا بذلك سقوط اثنين على التوالي من السند في رواية الموطأ. ومر معنا أن أصل الحديث في الصحيح مسلم من رواية بن وهب عن عمر بن حريث عن بكير بن الأشج عن العجلان مولى فاطمة عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومر معنا كذلك أن هذا يدلنا أن الحديث المعضل عند بعض أهل العلم قد يصلح للشواهد والمتابعات إذا احتفت به القرائن، ودل الدليل أن له أصل، ودل الدليل أن له أصل. وكم من الأحاديث المعضلة والمنقطعة التي أصلها ضعيف، لكن إذا احتفت بها القرائن ربما ارتقت فصارت أحاديث حسنة. ومر معنا أن الخطيب البغدادي وجماعة يرون هذا، وسبق الجمع بين من نفى وبين من أثبت، أن الأولى أن يقال: أنه يصلح للشواهد والمتابعات في أحوال خاصة، وإلا فالأصل هو من قسم الضعيف. قال رحمه الله: حكمه، قال الجوزقاني في أول موضوعاته: المعضل عندنا أسوأ حالا من المنقطع، إلى آخر كلامه، وقد تقدم الكلام عليه في الحديث المنقطع. قال: هو من أقسام المردود بسبب سقط من السند، يعني السبب رد الحديث المعضل وجود السقط. وكما نلاحظ نحن في هذه الأقسام التي مرت علينا، ذكر الناظم ومن ذكر في الشرح أقسام الحديث الضعيف الذي ضعفه بسبب السقط، المنقطع والمعضل، وسيأتي معنا إن شاء الله المدلس، كله بسبب السقوط. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم، وإن شاء الله نكمل ما تبقى في درس لاحق.