التقريرات السنية على المنظومة البيقونية  19

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 19

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 19، الدرس التاسع عشر : الحديث العالي والحديث النازل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح المصطلحات الحديثية

يبدأ الشيخ بتوضيح مفاهيم مجهول العين والحال والحديث العالي والنازل، مشيرًا إلى أهمية الإسناد في حفظ الإسلام.

أهمية الإسناد وطلب العالي من الأسانيد

الإسناد هو خصيصة الأمة الإسلامية الفاضلة، وطلب العالي من الأسانيد سنة مؤكدة لحفظ الدين وزيادة مظنة الصحة.

أقسام العلو في الإسناد والكتب المشهورة بالثلاثيات

العلو يعني القرب من النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، وقد قسم العلماء العلو إلى أقسام، مع ذكر كتب مشهورة بالثلاثيات.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، تذمة لما سبق من درسه المبهم، يذكر على وجه الاختصار كذلك ما يلحق بالمبهم من مجهول العين ومجهول الحال، وقد سبقت إشارة يسيرة سابقة في دروس مضت، وناسب هنا أن يذكر شيئًا يسيرًا يناسب هذا الاختصار؛ لأن هذا الكتاب شرح هذا النظم المختصر، ليس فيه استيعاب لكل المباحث، ولكن هذا يطلب فيما هو أوسع من هذا الكتاب. فمجهول العين فيه معنى الجهالة الموجودة في المبهم، ولكنه أخف؛ لأن اسمه معروف -يعني ذكر- ولكن عينه مجهولة. وعرفه العلماء بأنه من روى عنه راوٍ واحد ولم يوثقه معتبر، أو معتبر يجوز هذا وهذا -يعني معتبر به عند أهل الجرح والتعديل-. مثال من توثيقه غير معتبر توثيق ابن حبان رحمه الله تعالى مثلًا. وأما مجهول الحال، هو المراد، وعنه اثنان فأكثر، ولم يوثقه معتبر. وهذا كذلك فيه معنى الجهالة من جهة معرفة اسمه، ولكن حاله غير معروف. والفرق بينه وبين الذي قبله: أن الذي قبله روى عنه راوٍ واحد، ورواية الراوي الواحد مضنة الخطأ؛ فربما يكون أصلًا عين غير موجودة، بخلاف من روى عنه اثنان؛ فهذا يدل أنه إنسان له أصل في الوجود، روى عنه اثنان أو أكثر، لكن جهل حاله. وعلمنا أن حكم رواية المبهم إذا كان في السند الضعف، وهو لا يصلح بالشواهد إلا بالشرط الذي أشار إليه ابن كثير رحمه الله تعالى وبين، وهكذا مجهول العين على الصحيح أنه الأصل كذلك لا يصلح بالشواهد، إلا أن بعض أهل العلم ذكر أنه إن ذكرت له تزكية، ومعنى التزكية ليس التوثيق، ولكن أن يذكر معنى غير صريح في أنه مقبول الرواية، ثم بعد ذلك يروي عنه ممن يعرف أنه لا يروي إلا عن ثقة، وليس بمتساهل؛ فبهذين الشرطين يكون في الشواهد، وبعضهم يقول بأحدهما. وأما مجهول الحال، فهو في الشواهد. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَكُلَّ مَا قُلْتُ رِجَالُهُ عَلَى وَضِدِّهِ ذَاكَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ﴾، قال الشارح رحمه الله تعالى: الحديث العالي والحديث النازل. قال: قوله ﴿وَكُلَّ مَا﴾ أي حديث -يعني وكل حديث- قلت رجاله على، قال: وقوله قلت رجاله على، أن يسمى عندهم بالعالي -يعني كلما قل عدد الرجال صار عاليًا؛ لأن العلو هنا القرب-. ذكر رحمه الله تعالى الشارح في هذا بيان معنى العلو بهذا الاختصار. فأواف المعلق رحمه الله بقوله: «قد خص الله هذه الأمة بالإسناد المتصل إلى نبيها صلى الله عليه وسلم»، قال الحاكم: «فلولا الإسناد، وطلبوا هذه الطائفة له، وكثرة مواضبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام» -يعني لذهب- «ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد؛ فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد -يعني خلت عن وجود الأسانيد- عن وجود الأسانيد فيها كانت بترًا -يعني مبتورة مقطوعة- فلا يعرف صحيحها من سقيمها». قال رحمه الله تعالى: كما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود، قال: حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني، قال: حدثنا بقية، قال: حدثنا عتبة بن أبي حكيم: أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة، وعنده الزهري، قال: «يجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال له الزهري: «قاتلك الله يا ابن أبي فروة»، وابن أبي فروة ضعيف، قال: «ما أجرأك على الله، لا تسند حديثك، تحدثنا بأحاديث ليس له خطم ولا أزمة» -يعني أسند ممن سمعت هذا-. ولهذا كان يقول الزهري رحمه الله: «أيصعد البيت أو السطح من دون سلم؟» وهو يريد أن يقول: أن الحديث لا يروى إلا بإسناد، كما أن البيت لا يصعد إلى سطحه إلا بسلم. قال: ثم قال: «فأما طلب العالي من الأسانيد فإنها مسنونة، فقد رحل بطلب الإسناد العالي غير واحد من الصحابة»، ثم ذكر أمثلة على ذلك -يعني الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث-. ومن أمثلة ذلك: رحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس، رحل شهرًا كاملًا ليسمع منه حديثًا في القصاص، بل قيل: أنه وصل إلى بابه فأبى أن يدخل، وقف عند الباب فسمع منه الحديث ورجع، وذكره الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب الرحلة في طلب الحديث الذي خصه في ذكر القصص والأخبار التي فيها الرحلة في طلب الحديث الواحد، وهو غالب ما ذكر. قال رحمه الله تعالى: ثم قال: «فأما طلب العالي من الأسانيد فإنها مسنونة، وقد رحل بطلب الإسناد العالي غير واحد من الصحابة»، ثم ذكر أمثلة على ذلك. وقال ابن الصلاح في مقدمته: «أصل الإسناد أولًا خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة»، روينا من غير وجه عن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه أنه قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». وقد روي هذا المعنى: «الإسناد من الدين» عن عدد من التابعين وإتباع التابعين ولأئمة كابن سيرين والزهري، وهكذا كذلك ابن المبارك وجماعة؛ فبه يحفظ هذا الدين. ورحم الله ابن حزم إذ يقول: «نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال، خص الله به المسلمين دون سائر الملل» -يعني ليس في شيء من الأديان ينقل شيء عن أحد من الأنبياء بنقل الثقة عن الثقة على وجه الاتصال- هذا شيء خص الله عز وجل به أهل الإسلام، كما نقل ذلك السيوطي في التدريب وغيره. وأما مع الإعضال والإرسال، فهذا يوجد عند اليهود مثله، ولكن قال: أن أهل الإسلام عندهم من جنس هذا بعلو -أي شيء منقطع ومعضل يروونه عن النبي عليه الصلاة والسلام يروونه بعلو- بخلاف اليهود يروونه ببعد. ثم ضرب أمثلة على ذلك رحمه الله، وأما النصارى، قال: أي في الشيء المعضل والمنقطع، ليس عندهم إلا شيء واحد يروى في الطلاق عن عيسى عليه الصلاة والسلام. وأما الضعيف أو المكذوب والموضوع، فهذا كثير عند اليهود والنصارى، كثير عند اليهود والنصارى، وهو قليل عند أهل الإسلام؛ فالإسناد من خصائص هذه الأمة. قال رحمه الله تعالى: وطلب العلو فيه سنة أيضًا -يعني إذا كان الإسناد من خصائص هذه الأمة، فطلب العلو فيه كذلك من خصائص هذه الأمة-. قال: ولذلك استحبت الرحلة فيه على ما سبق ذكره -يعني من كلام الحاكم- قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: «طلب الإسناد العالي سنة عن من سلف»، وروي هذا عند الخطيب في كتاب الجامع لأخلاق الراوي والسامع عن إمام أحمد رحمه الله، وذكره ابن الصلاح وغيره من أهل المصطلح. الشاهد: أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: «طلب الإسناد العالي سنة عن من سلف» -يعني من من سبقه من الأمة-؛ لأن به حفظ الدين، وأن فيه مظنة الصحة؛ لأن المقصود من الإسناد العالي هو القرب من النبي عليه الصلاة والسلام. وسيأتي معنا أن العلو أقسام، فالمقصود هو القرب من النبي عليه الصلاة والسلام، وليس المقصود القرب مع الضعف، ولكن المقصود القرب مع الصحة؛ فإذا كان صحيحًا ورجاله قليل، فهذا يزيد في قوته، يزيد في قوته. فمن سمع من الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ليس كمن سمع عن الرجل عن الرجل عن الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد روينا أن يحيى بن معين رضي الله عنه قيل له في مرضه: ما تشتهي؟ قال: «بيت خالٍ وإسناد عالٍ» -بيت خالٍ وإسناد عالٍ، أو قال: بيت خالٍ وإسناد عالٍ-. والمعنى: بيت خالي لا يشغله فيه أحد، فيتفرغ لطلب العلم والحديث والقراءة والكتابة والتصحيح والتدوين؛ فكان أكره ما يكرهون الانشغال وضياع الوقت. وإسناد عالٍ: أي إسناد رجاله قليل يصل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو يصل به إلى من يوصل إليه كما سيأتي من تقسيم الحديث العالي. قال: قلت: والقائل هو ابن الصلاح، قال: العلو يبعد الإسناد من الخلل؛ لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوًا أو عمدًا. ولهذا فنحن نتثبت من أحوال الرجال؛ فلو وجد في سلسلة الإسناد رجل واحد ضعيف، صار الحديث ضعيفًا بسبب ضعف واحد. ولو وجد في رجال الإسناد رجل واحد حسن الحديث، صار الحديث حسنًا بسبب رجل واحد؛ فإذا قلة الرجال سبب في زيادة سلامة الحديث، كما ذكر رحمه الله، قال: «ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل»، وهذا جلي واضح. وهذا الكلام نقله عن ابن الصلاح رحمه الله -يعني فيما نقله في مقدمته-؛ فالاعتناء بالإسناد والحرص على العلو فيه من مزايا وخصائص هذه الأمة، وهو ما ينبغي أن يحرص عليه. ولهذا كان العلماء يعتنون بالأسانيد من جهة تنقيحها والبحث فيها، ومن جهة طلب العالي منها. وقد أثر عن التوربشتي رحمه الله أنه كان يقول: «الإسناد سلاح المؤمن»، لماذا؟ لأنه يميز به بين الصحيح والضعيف؛ ولولا تميز بين الصحيح والضعيف كما قيل: «لقال من شاء ما شاء» -يعني كل واحد يقول ما يريد-. قال رحمه الله تعالى -أي الشارح-: وقسموه خمسة أقسام -أي الإسناد العالي-. الأول: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، ويسمى العلو المطلق. والثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث ذي صفة عالية كالحفظ والضبط ونحوهما من الصفات المقتضية للترجيح، مثل الإمام مالك والشافعي. والثالث: القرب إلى كتاب من كتب الحديث المعتبرة. والرابع: ما كان علوًا بقدم موت الراوي عن شيخ على موت راوي آخر عن ذلك الشيخ، وإن كان متساويين في العدد. والخامس: تقدم السماع من الشيخ؛ فمن تقدم سماعه من شيخ كان أعلى ممن سمع من ذلك الشيخ نفسه بعده. وهذه -أي ضد ما قلت رجاله- ذاك السند الذي قد نزل. قال: بألف الإطلاق -يعني نزل بحرف- بألف الإطلاق، قال: أي هو المسمى عندهم بالنازل لبعده عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقسموه خمسة أقسام أيضًا؛ فإن كل قسم من العلو يقابل قسمًا من أقسام النازل. قال: فائدة، قال الإمام أحمد: «طلب السند العالي سنة عن من سلف»، وقال غيره: «قرب الإسناد قرب إلى الله تعالى». قال: وأعلى ما يقع للبخاري ما بينه وبين الصحابة فيه اثنان، ولمسلم ما بينه وبين الصحابة فيه ثلاثة، وهذا الذي يسمى بثلاثيات البخاري، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. فثلاثيات البخاري، وليس لمسلم ثلاثيات، ولكن عنده رباعيات، وأشهر الكتب التي اشتهرت بالثلاثيات مسند الإمام أحمد؛ ففيه ثلاثيات كثيرة، ثم مسند عبد بن حميد، ثم صحيح البخاري، ثم سنن الترمذي؛ فليس للترمذي إلا ثلاثي واحد كما سيأتي إن شاء الله التنبيه عليه. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى الدرس اللاحق؛ لأنه يطول -أي ذكر الأقسام التي ذكرها المعلق مع ذكر أمثلتها- إلى هنا. والله تعالى أعلم.