الدرس في القواعد والأصول الجامعة 66، الدرس السادس والستون : من : ( ومثال الثاني تخيير الملتقط للحيوان ... ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح أحكام اللقطة وتخيير الملتقط بين حفظها أو بيعها أو أكلها مع وجوب فعل الأصلح، ومقارنة ذلك بأحكام الأسير الحربي. يُبرز أهمية التصرف بما هو أصلح في كلا الحالتين.
يتناول حكم التعامل مع الأسرى في الإسلام، حيث يحدد أربعة خيارات للإمام: القتل، الاسترقاق، الفداء، والمنة. يُشدد على أن قرار الإمام يجب أن يكون مبنيًا على ما هو أصلح للمسلمين والأسير.
يجب على ولي اليتيم أو الناظر على الوقف أو الموصي التصرف بما هو أصلح لصاحب المال أو الوقف أو الموصى له. يجب مراعاة مصلحة اليتيم أو الوقف أو الموصى له عند اتخاذ القرار.
شرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام حول سلبه للقتيل، حيث يشير إلى الغنيمة من السلاح وغيره دون النفس. يوضح أن الحديث يتعلق بما يحمله المقاتل الكافر الحربي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، رحمه الله تعالى، فيما ذكره في القاعدة الرابعة والثلاثون: ومثال الثاني تخيير الملتقط للحيوان في حول التعريف بين حفظه وإنفاق عليه ليرجع على صاحبه إذا وجده، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين أكله بعد أن يقومه على نفسه، ويلزم فعل الأصلح. وهذا مثال للقسم الثاني من هذه القاعدة، وهو أن المرأة إذا خير فيما فيه مصلحة للغير، فعليه أن يجتهد في فعل الأصلح للغير، لا يتخير بحسب شهوته ورغبته، ولكن مما يكون فيه مصلحة الغير. ومعنى هذا المثال أن الذي يجد لقطة، واللقطة من الحيوان خاصة، فيقول: في حول التعريف، وليس حول يعني سنة، ولكن مراده معنى التعريف. بين حفظه والإنفاق عليه، وربما أراد الحول السنة، إذا كان ذلكم الحيوان مما لا ينتفع به أو مما يغلب على الظن أنه له مالك قريب. لأن الحديث: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، محمول على عدم تركها، فإنها إذا تركت أكلها الذئب أو أخذها الغريب، لكن يأخذها من يعرفها أو يحفظها، فهي تأخذ، لكن لا يعني أخذها عدم تعريفها. يفهم هذا من طرق حديث زيد بن خالد، وكذلك ما جاء هذا المعنى عموما في أحاديث أخرى فيما يتعلق باللقطة. وقوله: ينظر في الأصلح في هذا الباب، يعني الحفظ والإنفاق عليه، أو بيعه وحفظ ثمنه، أو أكله بعد تقويمه على نفسه، يفعل الأصلح. الأصلح فيما يتعلق بالمالك إذا جاء، وكذلك بما لا يضر بنفسه. فإن كان مثلا لا يستطيع النفقة عليها، وكذلك كان الإنفاق عليها ربما يضر بها، فيرى أن الأصلح إما أن يبيع، وإما أن يدبح، اختار أي هذين الأمرين أصلح للمالك، فما كان أصلح فعله. فإن جاء صاحبها، إما أن يعطيه الثمن إن كان موجودا، وإن دبحها وضمن ثمنها، أعطاه ما قومها به بسؤال أهل الخبرة والمعرفة. المهم أنه يفعل الأصلح في هذا الباب، وأحاديث اللقطة تدل على هذا المعنى. قد مر معنا أن اللقطة تنقسم إلى أقسام، بما يغني عن العادة. وجاء هذا المعنى أن الإنسان يفعل الأصلح في حديث أبي بن كعب في الصحيحين، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره أن يأخذ اللقطة، وفي الحديث قصة تدل على هذا المعنى، وهو مراعاة الأصلح. وكذلك يخير الإمام في الأسير الحربي بين قتله، ورقه، وأخذ فدائه، والمنة عليه، ويلزمه الأصلح. كذلك الإمام، ولي أمر المسلمين، يخير في الأسير الحربي، يعني الذي يؤسر في القتال، بين قتله، ورقه، وأخذ فدائه، والمنة عليه. هذه أربعة أمور: إما أن يقتل، وإما أن يسترق فيكون رقيقا، وإما أن يؤخذ منه الفداء من أهله، إما مال، وإما ناس أسرى من المسلمين عند المشركين والكفار، فيكون فداء بمال أو بناس من المسلمين، وإما المنة عليه بأن يطلق ويترك. ويلزمه الأصلح، يلزم الإمام أن يفعل الأصلح، ليس الأصلح بحسب شهوته ورغبته، ولكن الأصلح بالنسبة للمسلمين، وبالنسبة لهذا الأسير. فإن كان الأصلح للمسلمين قتل هذا الأسير، فإنه يقتل. وإن كان الأصلح للمسلمين هو الفداء، فإنه يفدي، فينظر ما هو الأصلح للمسلمين. وعمومات الأدلة تدل على هذا المعنى، وقد فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك صورا كثيرة، ومنه ما وقع في غزوة بدر، وما بعدها، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدى عددا من الصحابة ببعض الأسرى من المشركين، بل ربما أطلق بعضهم، ومنى عليه بدون فداء، كما فعل مع ثمامة، والحديث في الصحيحين. وهكذا كذلك ربما فعل بما يكون فيه فداء معنوي، كما فعل مع زوج ابنته زينب، فإنه اشترط عليه أن يرد له ابنته، فوفى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وغير ذلك من الأحاديث في هذا الباب كثيرة في الصحيحين وغيرها. لكن الذي ينبغي أن نعلمه، وهذا ما لم ينبه عليه إلا القليل من أهل العلم، هو أن الإمام لا يفعل ذلك بالتشهي، ولكن يفعل ذلك بحسب الأصلح. الأصلح للإسلام والمسلمين، والأصلح بالنسبة لهذا الأسير. فإذا رجى بالأسير خيرا، فإنه يأسره حتى ينظر فيه. ويدل على ذلك قصة ثمامة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبقاه مأسورا في المسجد، مربوطا إلى سارية. أبقاه النبي عليه الصلاة والسلام، وكلما مر عليه سأله النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن تقتل تقتل دادا» إلى آخر كلامه. والنبي عليه الصلاة والسلام يسكت عنه وينصرف، حتى كان الثالثة، فأمر بفكه والمنة عليه. فلما تركه النبي عليه الصلاة والسلام، وقد استشعر منه أنه يسلم، ذهب فاغتسل، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأسلم. وهكذا فالإمام ينظر إلى ما هو أصلح لهذا الأسير، وما هو أصلح كذلك للإسلام والمسلمين، فليست المسألة بالتشهي. وهذه قاعدة، لو لم يأت النص الخاص فيها، لكانت هذه القاعدة كافية، لأن كما قلنا: الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق. قال: ومن ذلك تصرفات ولي اليتيم، وناظر الوقف، والوصي، ونحوهم، إذا تعارضت تصرفاتهم، لزمه أحسن ما يراه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. كذلك التصرف في مال اليتيم، وتصرف الناظر في الوقف، والوصي في الوصية، وكل ما كان بمعنى هؤلاء الثلاثة، فإنهم يتصرفون ليس بحسب الشهوة والرغبة والمصلحة الخاصة، وإنما يتصرفون بما هو أصلح في حق اليتيم، وفي حق الوقف، وفي حق الوصية. ينظر ما هو أصلح في حق كل واحد من هذه الثلاثة. فمثلا إذا كان مال اليتيم صاحبه مخيرا بين حفظه، وبين التجارة به، وبين كذلك أن يدعه ينفق منه، يعني اليتيم يتصرف في ماله، فهو لا يفعل الشيء بحسب عاطفته وشهوته، ولكن يفعل ما هو أصلح لليتيم. فإن كان الأصلح لليتيم أن يعطيه المال لأنه بلغ سن الرشد الذي يحسن التصرف في المال، أعطاه. وإن كان لا يحسن التصرف في المال، فلم يبلغ سن الرشد الذي يحسن به التصرف، فلا يعطيه المال. يبقى الآن هل يتصرف بالاتجار به أم أنه يحفظه؟ فإن كان يعلم أن الاتجار أنفع لليتيم، ليس أنفع للذي سيتاجر به، أنفع لليتيم، فإنه يتجر به. وإن رأى أنه سيخاطر بمال اليتيم، وأن هذه المخاطرة فيها مصلحة خاصة له، ليس لليتيم، فلا يجوز له والحال هذه أن يتاجر بمال اليتيم، بل يحفظ مال اليتيم، ولو أكلته الزكاة، لأنه لا يحسن التجارة، يعلم من نفسه أنه لا يحسن التجارة. فلا يجوز له أن يخاطر بالمال. فالمسألة إذن راجعة إلى الغير، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. واستدل المؤلف رحمه الله بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، إذن ليس المقصود في هذا التخيير ما ورد في الأدلة في ذلك أنه يختار بما حسب ما يشتهي ويرغب، ولكن بما فيه أصلح بصاحب المال وصاحب الحق. وهكذا كذلك في الوقف، بعض الناس، بعض الناظرين على الأوقاف، وللأسف يتصرفون في الأوقاف بغير ما يجوز شرعا، يتصرفون بحسب شهواتهم ومصالحهم الخاصة، وهذا خطأ. والواجب التصرف بما هو أصلح للوقف. فإن كان الوقف الأصلح له أن يغير إلى مكان آخر غير، ولا يبقى معطلا. مثاله: مثلا مصاحف بقيت في مكان في مسجد لا يقرأ فيها الناس، لأنها كثيرة أو لأن المسجد لا يأتيه أحد إلا القليل من الناس، فإنه يغيرها إلى مكان آخر ينتفع بها الناس. أو كذلك الوقف إذا كانت مثلا مزرعة ما يستفاد منها، لا يقول إنسان: خلاص هذه مزرعة إذا تبقى على ما هي عليه، ولو كان ما يستفيد المسجد منها شيء. لا، إذا كان ما يستفيد منها شيء، يغير الوقف إلى أوقف آخر، يغير إلى محلات يرد منها شيء ينتفع به أهل المسجد. أو كذلك إذا كان المسجد مستغن، يحول إلى ما هو أنفع، ولو إلى موقف آخر، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم: يجوز أن يغير الوقف إلى غيره إذا تعطل، أو إلى ما هو أصلح وأولى منه، إذا وجد الأنفع للمسلمين. ومثله كذلك في الوصية. طيب، هنا تأتي مسألة، وهو قوله: وأخذ فدائه، الفداء قلنا: المال أو ناس من المسلمين، فهل إذا كان مال يأخذه من أسره أم يأخذه الإمام ويضعه في مصالح المسلمين؟ الجواب الثاني. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أسر أسيرا فله سلبه»، أو «من قتل قتيلا فله سلبه»، هذا المعنى لا يدخل فيه النفس، وإنما يدخل فيه السلاح وما يحمل المقاتل الكافر الحربي، هذا معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.