الدرس في القواعد والأصول الجامعة 50، الدرس الخمسون : من : ( القاعدة الخامسة والعشرون... فإن هذا من الميسر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنص القاعدة الفقهية على استخدام القرعة عند التزاحم أو عدم وجود مميز بين المتزاحمين، وقد استدل بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية على مشروعيتها. القرعة تستخدم كوسيلة لفض النزاع عند عدم وجود مرجح أو بينة.
يُستخدم القرعة في حالات النزاع أو عدم الوضوح في تحديد الأحقية، مثل التزاحم على منصب أو ملكية عين، أو في حالة عدم معرفة من وقع عليه الفعل مثل الطلاق أو العتق. تجوز القرعة في بعض الحالات ولا تجوز في حالات أخرى إذا كانت تؤدي إلى نتيجة غير عادلة.
يشير المتحدث إلى أن ابن القيم ذكر المسألة في كتابه «البدائع»، ويشجع على الرجوع إليه لمزيد من التفاصيل. ينتهي الوقت المخصص للمناقشة، فيختتم المتحدث حديثه ويشكر الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، رحمه الله تعالى: القاعدة الرابعة والعشرون أو الخامسة، القاعدة الخامسة والعشرون. قال: تستعمل القرعة عند التزاحم، ولا مميز لأحدهما، أو إذا علمنا أن الشيء لأحدهما وجهلناه. هذه قاعدة من القواعد الفتحية، وسيأتي معنا أن بعض مسائلها وفروعها فيها خلاف. ودليل هذه القاعدة، كما سيأتي، أدلة من الكتاب ومن السنة. قال رحمه الله تعالى: «وغلبت القرعة عند الاشتباه في الكتاب والسنة». والقرعة معروفة، يعني أن يقرع، سواء بحصى يخفى في أحد اليدين إذا كان اثنان، أو كذلك بأن تسجل الأسماء، وما خرج اسمه فهو الذي يكون له نصيب القرعة، أو غير ذلك مما يتفق عليه الأطراف. قال: «وغلبت القرعة عند الاشتباه في الكتاب والسنة». قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، ومن هذا يونس، نعم يونس عليه الصلاة والسلام. وهذا من شرع من كان قبلنا، وكما مر معنا: شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يخالف شرعنا، وأقره شرعنا، فهو ذكر على وجه الإقرار في شريعتنا، فهو إذن من شريعتنا. فإذا ركب أناس في البحر، واستلزم المقام أن يرمى ببعض من في البحر لنجاة الباقين، استيقنوا أنه لا نجاة إلا بذلك، فإذن يقرع، يعمل قرعة. أو مثلا مرت سفينة صغيرة بجانبهم، فقالوا: ما نستطيع نأخذكم كلكم، إنما سنأخذ بعضكم، وبعضكم لن نستطيع أن نأخذهم، إذن يقرعوا بينهم من الذي يركب ومن الذي يترك في البحر. وهذا يؤخذ من هذا التلميح. قال: «وقال: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾». وهذا كذلك من القرعة، أيهم يكفل مريم، كل يريد أن يكفل مريم، فأقرعوا بينهم. وهذا ذكر في شريعتنا على وجه الإقرار، فهو من شريعتنا. قال: «وقد أقرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عدة مرات»، يعني ثبتت عنه القرعة في أحاديث، منها ما كان من قوله، ومنها ما كان من فعله. فما كان من فعله، مثل ما جاء في الصحيحين: أنه كان يقرع بين نسائه في السفر عليه الصلاة والسلام، ما يمكن يأخذ الجميع الليلة لواحدة، فيقرع بين نسائه، فما جاء نصيبه أخذها في ذلكم السفر. وهكذا كذلك ثبت في حديث أبي هريرة في الصحيحين قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه» الحديث. وفيه دليل على جواز القرعة في الأذان، وكذلك في الصف الأول، إذا حصلت المزاحمة عليه. مثلا جاءتا امرأتان في مسجد ليس له مؤذن، راغب كل منهما يريد أن يؤذن، يريد أجر الأذان، فيقرعوا بينهما، تحصل قرعة. أو كذلك وجد وسع في محل في الصف الأول، وكل من الرجلين يريد المكان، يقرع بينهما. قال: «فإذا جهل المستحق أو تزاحم عدد على من يقدم، ولا يمكن اجتماعهم فيه، ولا مميز لأحدهما، أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة استحق». هاتان مثالتان يقول: أولا إذا جهل المستحق، إذا جهل المستحق، مثل مثلنا الأذان، النداء، نريد أن نختار مؤذنا، وجدنا كفاءة في هذا في زيد، وكفاءة في عمر، متساوية، فلا ندري أن نجعل عمر أم زيد هو المؤذن، نقرع بينهما. أو كذلك حصل تزاحم اثنان، كل منهما يريد الآن أن يؤذن، فهنا كذلك يعمل بهذا الأمر. وقوله: «ولا يمكن اجتماع فيه، ولا مميز لأحدهما»، يعني لا يمكن، بخلاف مثلا في الإمامة، وجد أحدهما أحفظ من الآخر، يقدم الأحفظ، كما مر معنا في مسألة الإمامة. وهنا يأتي تنبيه، وسيأتي إن شاء الله ذكر مسألة، وهي: هل القرعة تستعمل في إنشاء تعيين في إنشاء التعيين الذي لم يكن، وكذلك في إظهار تعيين كان ثم نسي؟ المسألة هذه الآن فيها فرعان. الفرع الأول: قرعة في إنشاء تعيين لم يكن، يعني الآن ما تدري تجعل عمر أو خالد. مثل هاتين مسألتين مذكورتين في من جهل أو حصلت تزاحم. وهذا دله الأدلة عليه. بقي أن القسم الثاني أو الفرع الثاني: إظهار تعيين كان ثم نسي، كان ثم نسي، هل ممكن به أن يكون القرعة؟ هذه مسألة فيها خلاف، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. وأن الصحيح أنه لا يمكن أن يحدد به، لما فيه من تحميل الحكم ما لا يليق به، لا شرع ولا كذلك غيره. قال: «أو تزاحم عدد على من يقدم، ولا يمكن اجتماع فيه، لا مميز لأحدهما، أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة استحق»، يعني استحق ذاك الشيء. قال: «فمت تشاحم اثنان في إمامة أو أذان أو سبق إلى مباح». وهذه المناسبة من إيراد هذه القاعدة بعد القاعدة التي سبقت: من سبق إلى المباح لماذا؟ لأنه قد يحصل تزاحم في السبق إلى المباح، كل منهما يقول: أنا سبق. فإذا وقع الخلاف ولا مرجح، إذن ماذا نعمل؟ القرعة، نعمل القرعة. قال: «أو إلى جلوس بمسجد أو سوق أو رباط أو نحوها، ولم يكن لأحدهما مرجح، أقرع»، يعني أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قدم. أن قدمت هذا الشيء الذي حصل التزاحم فيه. قال: «وكذلك لو بذل لأولاهم به ثوب أو ماء أو غيره، ولم يتميز الأولى». لعله عندي: «الأول»، أيش عندكم؟ «الأولى» أو «الأول»؟ ها، لا، بعدين. ولم يتميز «الأولى»، «الأول» للظهر، «الأولى». لو بذل لأولاهم به ثوب أو ماء أو غيره، ولم يتميز الأولى، رجح حتى القرعة. يعني مثلا عنده ثوب، يريد يعطي لأكثر المجتهدين من طلبة العلم، مثلا، فما تميز له أكثرهم اجتهادا، وجد أن الاجتهاد متساوي، إذن يفعل القرعة. أو كذلك أعطي الماء لأشد الناس حاجة، أو كذلك الثوب لأشدهم حاجة، ولم يتميز له من هو أشدهم حاجة، فهنا يقرع بينهم. قال: «رجحته القرعة»، لعل الصواب: «الأولى»، والله أعلم. كيف عندكم؟ «الأولى»؟ طيب، في نسخة: «الأولى»، هكذا نسخة: «الأولى». وتعرفون توجد نسخة أخرى فيها اختلاف يسير، لعل الشيخ رحمه الله راجع فغير بعض العبارات. طيب. قال: «ومنها: إذا تداعيا عينا ليست بيد أحدهما، ولا بيد من يدعيها لنفسه، أقرع». وهذه مسألة، مسألة من مسائل الخصومات، وفك النزاع. وهي أنه إذا حصل التداعي في عين معينة، وليست بيد أحدهما، بخلاف إذا كانت بيد أحدهما، الأصل هو أن من كانت بيده فهي له، هذا الأصل، لكن إلا أن يأتي ذو ببينة، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. لكن إذا كانت العين ليست بيد أحدهما، لا بيد زيد ولا بيد عمر، أو كانت بيد الاثنين، كل منهما أخذ من طرف، ولم يتميز، لا ببينة ولا بحجة ولا غير ذلك، فيقرع بينهما إذا لم يمكن الصلح أو الإصلاح. قال: «ومنها: إذا تداعيا عينا ليست بيد أحدهما، ولا بيد من يدعيها لنفسه». لأنه إذا كانت بيد من يدعيها لنفسه، فالآخر عليه البينة، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. قال: «ومنها: إذا طلق إحدى زوجاته أو أعتق أحد عديده، وجهلا من وقع عليها الطلاق أو العتق، أقرع». وهل المسألة خلافية؟ وهي الفرع الثاني الذي سبق ذكره: من جهل أو نسي. نسي. ومنها: إذا طلق أحد زوجاته أو أعتق، وجهل من وقع عليه الطلاق، نسي ذلك، فما يفعل؟ يقول بعض الفقهاء، وهي رواية عن إمام أحمد: أنه يقرع بينهما، بينهم بين الزوجات، يعمل قرعة. والصحيح أنه لا يقرع بينهم، هذا هو الصحيح، كما أشار إليه صاحب المغني، بل هي الرواية الراجحة عن إمام أحمد، رحمه الله. وهذه المسألة فيها خلاف، هل تستعمل القرعة في تعيين شيء كائن ثم نسي؟ هي مسألة خلافية. والصحيح أنه لا يعمل بها، وذلك لأمور: أولا للأدلة العامة، ما في العفو في النسيان. وثانيا لأن ذلك لم يرد به دليل خاص، والأصل المنع في هذا الباب. وثالثا كذلك لأن هذا ربما يوقع الطلاق على من لم يقع في حقه الطلاق، ويوقع التحليل على من لم يقع في حقه التحليل، وهذا خطأ، لأن هذا الباب لا يكون أولا باليقين. ولهذا كان الصواب في هذه المسألة ما أشار إليه صاحب المغني، رحمه الله. وهي الرواية الراجحة عن إمام أحمد، وما اشتهر عند بعض الحنابلة المتأخرين من أن هذا هو مذهب الإمام أحمد، هو قول مرجوح، والله تعالى أعلم. قال: «ومنها: الأولياء المستحقون للولاية إذا تساووا وتشاحوا أيهم يقدم، أقرع بينهم». كذلك إذا وقع تنازع في الولاية، وحصل التساوي، فإنه يعمل بماذا؟ بالقرعة. وهذا إذا لم يوجد مرجح. وأما إذا وجد المرجح، فيقدم من يتمتع معه المرجحات. مثاله: ابنة عم أو ابنة أخ، تشاح أعمام أو أبناء عم في الولاية في النكاح، كل منهم يريد أن يكون وليا على هذه المرأة، ولا مرجح، فهنا نقرع بينهم لأنهم متساوون، نقرع بينهم. أما إذا وجد المرجح، بأن يكون مثلا يوجد من هو أكثر دينا وأرحم بهذه المرأة، ورضيته المرأة لكثرة دينه، وكثرة كذلك حرصه على مصلحتها، قد ما ذكر هذا المعنى ابن القيم، رحمه الله تعالى. قال: «وأما إذا علم اشتراكهم في الأعيان». عندي: بالدال، والصواب الظاهر بالنون. عندكم في الأعيان، الصواب في الأعيان. لعله: «وأما إذا علم اشتراكهم في الأعيان». ما له مناقضة في نسخة بالنون، ولا ما في أعيان. طيب، هذا الصواب. «وأما إذا علم اشتراكهم في الأعيان أو الديون، وأراد القرعة لم يكن له الشيء». وأراد القرعة لمن يكون له الشيء، فإن هذا من الميسر. إلى علم اشتراكهم في الأعيان، يعني ناس شركاء في شيء معين، مثلا شركاء في سيارة، فاختصم الاثنان، قال: يا أخي ما تكفي السيارة، ما تصلح الاثنين، الذي يأتين من السيارة قليل. طيب، إيش الحل؟ قال: ما رأيه نعمل بيننا قرعة، الذي تخرج له القرعة يأخذ السيارة كامل. هل يجوز هذا؟ الجواب: لا يجوز. لماذا؟ لأن هذا من الميسر، هذا من الميسر المحرم. معناه أن أحدهما بين الغنم والغرم، وهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، ولو حصل التراضي، لأن الميسر لا يجوز التراضي عليه، الميسر لا يجوز التراضي عليه. كذلك الديون إذا وقع شيء من الديون، فقال أحدهم وللآخر: ما رأيه نعمل قرعة؟ فإن جاءت القرعة بالمسامحة سامحنا، وإن جاءت القرعة بعدم المسامحة لم نسامح، وربما قال: أضفنا شيء فوقها أو عجلت بالتزديد، فهذا كذلك من الميسر الذي لا يجوز. قال: «فإن هذا من الميسر». فبين لنا الآن أن القرعة تنقسم إلى اسمين: قرعة جائزة، وهي ما لم تخالف الشرع، وقرعة غير جائزة، وهي ما خالف الشرع. في شيء في هذا مسألة في الطلاق، الذي يريد يراجع المغني يرجع للمغني في المجلد الثامن، أي أنه لا يقرع في الطلاق، وهكذا وهكذا. كذلك ابن القيم، رحمه الله، ذكر المسألة في «البدائع» في المجلد الثاني، فليرجع إليه إن شاء الله. طيب. الظاهر الوقت انتهى، فنكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين. اشتركوا في القناة.