الدرس في القواعد والأصول الجامعة 18، الدرس الثامن عشر : فيه من قوله ( القاعدة الخامسة الشريعة مبنية على أصلين:الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ... لأن الرضى إنما يشترط بعد رضى الله ورسوله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة الخامسة تنص على أن الشريعة الإسلامية تقوم على الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله، وهذان الأصلان ضروريان لكل عمل ديني. يُشترط في الأعمال أن تكون خالصة لله ومتابعة لهدي النبي.
الأعمال لا تقبل إلا إذا توفر فيها شرطان: الإخلاص لله والمتابعة لما جاء في الكتاب والسنة. الإخلاص يعني النية الخالصة لله، والمتابعة تعني أن يكون العمل موافقا للشريعة.
يتناول أهمية الإخلاص والمتابعة في قبول الأعمال والمعاملات، حيث تعرض الأعمال على الشرع، وما وافق الشرع فهو صحيح. كما يقدم أمثلة على المعاملات الباطلة والمحرمة.
يشير المتحدث إلى أنه سيتم مناقشة موضوع معين في جلسة قادمة، ويترك الموضوع الحالي للجلسة الحالية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مرة معنا في الدرس الماضي الكلام على قاعدة من القواعد، ما هي هذه القاعدة؟ هيا، عبد الله، تذكر. نعم، طيب، لبس أيو، لا واجب مع عجز، ولا محرم مع الضرورة، وما علاقة هذه القاعدة بالأصل؟ أين يذكرها هنا؟ لماذا يعني أنها مما لها علاقة للقاعدة التي قبلها؟ المشقة تجلب التيسير، هذا من بعض التيسير، وهي تدخل تحت أي قاعدة كلية؟ نعم، الضرر يزال. الضرر يزال، قال رحمه الله تعالى. القاعدة الخامسة: قال الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا من الأصلين شرط لكل عمل ديني ظاهر في أقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو باطن في أعمال القلوب. قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، قال: والدين الذي أمروا بإخلاصه هو الإسلام والإيمان والإحسان، هذه مراتب الدين، قال: كما تستره بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث جبريل وغيره. طيب، العمل الظاهر، قال: كأقوال اللسان، مثل الأيمان، تحلف يمين، لا بد أن يتوفر فيها هذان الشرطان: إخلاص والمتابعة، إخلاص الأمر لله عز وجل، والمتابعة لدين الله عز وجل لما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا تحلف بالأباء ولا بالأمهات ولا بالرأس ولا بشيء مما هو غير الله، بل تحلف بالله وحده. وأعمال الجوارح كذلك، مثل الصدقة والصيام والصلاة. وأعمال الباطن، قال: أعمال القلوب، مثل الحب والخوف، فلا بد من الإخلاص لله عز وجل وحده، والإخلاص بهذا المعنى، والمتابعة بأن يقع الحب على الوجه الشرعي، على الوجه الشرعي الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تتابع في ذلك هدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فهذه الأمور لا بد أن تكون خالصة لله، مرادا بها وجهه ورضوانه، وتوابه، ولا بد أن تكون مأخوذة من الكتاب والسنة. وقال تعالى في متابعة الرسول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، يعني هذا من أدلة المتابعة، ومنه كذلك: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، قال: وقال في الجمع بين الأصلين، يعني الإخلاص والمتابعة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، وهذا هو الإخلاص، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، هذا المتابعة، قال: أي أخلص أعماله الظاهر والباطن لله، وهو في هذا محسن، لأن يكون متبعا لرسول الله. قال: وفي عدة آيات: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قال: فالعمل الجامع للوصفين هو المقبول، وإذا فقدهما أو فقد أحدهما فهو مردود على صاحبه، يدخل في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، يعني لتخلف هذين الوصفين أو أحدهما. طيب، فالكفار ثلاثة أصناف، صنف من الكفار من عندهم كفر ظاهر وضار، وليس عندهم إخلاص ولا متابعة، كالمشركين، مشركي العرب والملحدين ونحوهم. ومنهم من عندهم إيمان بالظاهر، وليس عندهم إيمان في الباطن، مثل المنافقين، فأهل النفاق عندهم متابعة في الظاهر، لكن ما عندهم إخلاص، فهؤلاء يدخلون بهذه الآية كذلك. وقسم ثالث: عندهم إيمان في الظاهر والباطن، لكن هذا الإيمان على أحد شقيه، وهو إخلاص من دون متابعة، هم يريدون ما عند الله، لكنهم ما تابعوا ما أنزل الله، وهذا مثل أهل الكتاب. أهل الكتاب كذلك من أصناف الكفار الثلاثة، وكل هؤلاء يدخلون بهذه الآية: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، جعله الله هباء منثورا، إما لفقد الشرطين، وإما لفقد أحد هذين الشرطين. قال: وقال تعالى في نفقات المخلصين: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، والشاهد: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، فهذا هو الإخلاص. وقال في نفقات المرائين: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، الشاهد: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾، فما أراد وجه الله، إنما أراد الرياء. قال: وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الهجرة التي هي من أفضل الأعمال، وتفاوتها بتفاوت الإخلاص، يعني تفاوت أجر الهجرة بتفاوت الإخلاص، عدمي، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه، متفق عليه، وهو حديث النية المشهور، والشاهد منه أن الأعمال بالنيات، بحسب الإخلاص يكون الأجر في الهجرة وفي غيرها من الأعمال الأخرى. قال: وثبت أن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك بسبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، متفق عليه. قال: فمن كان قصده بجهاده القولي والفعلي - القولي مثل العلم النافع من قطعة ومحاضرة ومجادلة أهل الباطل، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، والفعلي كذلك مما هو بهذا المعنى، والجهاد بالسيف والسنان، والأول بالحجة والبرهان - نصر الحق، فهو المخلص، ومن كان قصده وغرضه غير ذلك فله ما نوى، فمن الناس من يريد الرياء والسمعة، ويريد الظهور على الخلق والارتفاع، ويريد الوصول إلى منصب من مناصب الدنيا، فكل بحسب نيته. قال: ومن كان قصده وغرضه غير ذلك فله ما نوى، وعمله غير مقبول. وقال الله تعالى في الأعمال الفاقدة للمتابعة: ﴿أَفَلَا نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾، قال: فالأعمال الصالحة كلها إذا وقعت من المرائين فهي باطلة؛ لعدم الإخلاص الذي لا يكون العمل صالحا إلا به. والأعمال التي يفعلها العبد لله، لكنها غير مشروعة، يعني محدثة مبتدعة، ليس فيها متابعة للشرع، فهي باطلة؛ لعدم المتابعة. وكذلك الاعتقادات المخالفة لما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كاعتقادات أهل البدع المخالفة لما عليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، وكلها مردودة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، طيب، قال: متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، يريد أصل الحديث، وإلا فهذا لفظ مسلم، والبخاري إنما رواه معلقا. أما المتفق عليه: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». قال: فهذا الحديث ميزان للأعمال الظاهرة. كما أن حديث عمر رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، متفق عليه، ميزان للأعمال باطنا. والإخلاص لله بكل شيء هو الذي وردت فيه نصوص الكتاب والسنة في الأمر به، وفي فضله وثمراته الجليلة، وفي بطلان كل عمل يفقده. قال: وأما نية نفس العمل، فهذا وإن كان لا بد منه في كل عمل، لكنه حاصل من كل عامل معه رأيه وقصده؛ لأنها القصد، وكل عاقل يقصد العمل الذي يعمله ويباشره. ولهذا كانت عناية الشارع في الأول وفي تحقيقه وتخليصه من جميع الشواهد - يريد أن يقول: أن مبحث النية ينقسم إلى أمرين: الأمر الأول أمر الإخلاص، أمر الإخلاص لله عز وجل، وهذا شيء عام يشتركه كل الأعمال الظاهرة والباطنة. ومبحث آخر من مباحث النية يتعلق بتمييز العبادة من العادة، وتمييز العبادات بعضها من بعض، وهذا الذي يفتقر إليه كل عمل في وقته. قال: ولهذا كانت عناية الشارع في الأول وفي تحقيقه وتخليصه من جميع الشواهد، يعني في الأول، أي معنى الإخلاص، هذا أهم ما يهتم به الشرع، وهو أحد مبحثي النية. فللنية مبحثان: المبحث الأول الإخلاص، والمبحث الثاني التمييز بين العبادة والعادة، والعبادة والعبادة. قال: وكما أن هذا الأصل يشمل جميع العبادات، فكذلك المعاملات، فكل معاملة من بيع أو إجارة أو شركة أو غيرها من المعاملات تراضى عليها المتعاملان، لكنها ممنوعة شرعا، فإنها باطلة محرمة، ولا عبرة بتراضيهما. وهذا هو المقصود الآن من هذه القاعدة؛ لأن الآن نحن نتكلم على القواعد الفقهية. قال: فهو يريد أن يقول: أن أعمال العاملين تعرض على الشرع، فما وافق الشرع فهو الصحيح، وما خالف الشرع فهو الباطل والفاسد. طيب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط»، كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها. قال: فكذلك المعاملات، فكل معاملة من بيع أو إجارة أو شركة - البيع واضح، والإجارة واضح، والشركة كذلك مشاركات بين اثنين وأكثر - أو غيرها كذلك من أنواع المعاملات، تراضى عليها المتعاملان، لكنها ممنوعة شرعا، فإنها باطلة محرمة، ولا عبرة بتراضيهما. تراض اثنين على بيع الغرر والجهالة، فهل يصح البيع لحصول التراضي؟ الجواب: لا، ما يصح البيع، لماذا؟ لأنه قال: فالشرع افتقد شرط المتابعة، افتقد شرط المتابعة، فلا يصح هذا البيع ولا يجوز. طيب، كذلك تراضيه على إجارة محرمة، يستأجر محلا لبيع الأشياء المحرمة، إما استعمله للدشوش أو كذلك في محل أغاني أو حلق لحية أو غير ذلك من أمور محرمة، حصل التراضي، لا يجوز التراضي على حرام، لا يجوز مثل هذا العقد. هكذا شراكة، شراكة في شراء الحرام، شراكة مثلا في تجارة الأصنام، هذا لا يجوز؛ لأنه شراكة في شيء محرم. قال: لأن الرضا إنما يشترط بعد رضا الله ورسوله، لا بد من ذلك، وهذا هو الشرط الثاني من شرطي قبول العمل، وهو المتابعة. قال: وكذلك التبرعات التي نهى الله ورسوله عنها، كتخصيص بعض الأولاد على بعض في العطايا والوصايا. طيب، هذا نترك إن شاء الله للجلسة القائمة.