الدرس في شرح السياسة الشرعية 51، الدرس الحادي والخمسون:من( الفصل الثاني:القصاص في الجراح ... وأما إذا كان الواجب القتل أو قطع اليد فإنه لا ينتصف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القصاص في الجراح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة وأن يكون عمدا عدوانا. يشترط فيه إمكان الاستيفاء من دون حيف وتكافؤ بين الجاني والمجني عليه.
يتناول أحكام القصاص في الجروح والضرب والأعراض، ويشرح كيفية تقدير الأرش وآراء الفقهاء في القصاص في الضرب. يستدل بالأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة.
يجوز الانتصار بمثل ما ظلم به الشخص، ويوضح حد القذف الذي يستحقه المقذوف إذا كان محصنا. يتناول شروط تطبيق حد القذف والتعزير في حالات مختلفة.
الحدود الشرعية على الإماء نصف ما على المحصنات، بينما الحدود التي تتضمن القتل أو قطع اليد فلا تنتصف على العبيد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الفصل الثاني: القصاص في الجراح. قال: والقصاص في الجراح أيضا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة. وثبوته بالكتاب كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْجُرُوحِ قِصَاصٌ﴾. وأما في السنة فحديث عمر بن حزم وغيره من الأحاديث الأخرى، وسيأتي بعضها معنا إن شاء الله، ففيه هذا المعنى. وقوله: بشرط المساواة، يعني يقاد كل عضو بمثله إن أمكن بدون تعد. فإذا لم يمكن فإنه ينتقل إلى الدية لكل عضو دية كما تقدم، وسبقت الإشارة، وسيأتي معنا إن شاء الله. وله شروط، فمن شروطه أن يكون عمدا عدوانا، فما كان عمدا عدوانا ففيه القصاص. وأما إذا كان خطأ فليس فيه القصاص، لكن يعطى كل عضو ما يستحقه من ديته. والشرط الثاني: أن يمكن الاستيفاء من دون حيف، يعني من دون تعدي. فإذا كان الكسر مثلا في وسط العظم، فالغالب أن مثل هذا لا يمكن أن يحصل فيه القصاص. وبعضهم قال: في عصرنا الحديث يمكن أن يكون هناك عدل في كل شيء. والظاهر والله أعلم هذا ليس على إطلاقه، فهناك أشياء لا يمكن إجراء المساواة فيها. والشرط الثالث: المساواة، يعني المساواة في من يقتص منه. والشرط الرابع: مراعاة التكافؤ، والمراد بالتكافؤ الصحة والكمال. فمثلاً من له عين واحدة ففقع عين آخر، هل تفقع عينه هذه؟ إذا فقعها ماذا سيكون؟ أعمى. فهل هذا عدل؟ الجواب: ليس بعدل. فلما كان هناك عدم تكافؤ فإنه لا يقتص، ولكن يعطى نصف الدية. قال رحمه الله تعالى: فإذا قطع يده اليمنى من مفصل فله أن يقطع يده كذلك. وهذا ممكن العدل فيه لأن المفصل معلوم. فإذا قطع يده من المفصل وأراد القصاص، أي المقطوع. ومثل هذه الحالة يمكن استيفاء القصاص لأن الشروط كلها متوفرة. ﴿فَالْجُرُوحِ قِصَاصٌ﴾. قال: وإذا قلع سنه كذلك يقلع له السن، لكن لا يقلع السن بضربة لأن الضربة قد تكسر أكثر من سن، وإنما يقلع السن بما يمكن أن يكون به العدل، نفس السن الذي قلع يقلعه، لكن ليس بنفس الكيفية. ننتبه لهذا، المقصود هو قلع السن، وأما الكيفية فإن كانت ممكنة من دون حصول زيادة، فإن لم يمكن فالمقصود هو قلع السن، السن بالسن. قال: فله أن يقلع سنه. وإذا شجه في رأسه أو وجهه فأوضح العظم، فله أن يشجه كذلك، يعني إذا أمكن ذلك. فإذا لم يمكن أو طلب العوض، فكما جاء في حديث عمر بن حزم: خمس من الإبل دية الموضحة. والموضحة هو الجرح الذي يظهر بياض العظم. فكل جرح أوضح بياض العظم، فيه خمس من الإبل. قال: فأما إذا لم يكن المساواة، مثل أن يكسر له عظما باطنا، كيف يمكن أن يكسره؟ لو أراد أن يكسر مثله ربما كسر معه آخر أو أدى كسره إلى جرح بعض الأحشاء، فهذا لا يمكن المساواة فيه. قال: مثل أن يكسر له عظما باطنا أو يشجه دون الموضحة، فلا يشرع القصاص، بل تجب الدية المحدودة أو الأرش. والدية المحدودة كما هو مبين في أدلة السنة وما جاء عن سلف الأمة. فكما مر معنا في حديث عمر بن حزم جاء ذكر ذلك. فالأنف إذا أوعب يعني قطع من أصله، ففيه الدية. والعين نصف الدية، والأذن نصف الدية، واليد الواحدة نصف الدية، والأصبع عشر الدية، واللسان الدية. وهكذا كل ما كان في الجسد واحد ففيه الدية كاملة. وما كان فيه أكثر من واحد فتقسم عليه الدية، فإن كان واحدا فنصف الدية، إن كان أكثر فبحسب عدده. الأصابع عشرة، فكل أصبع عشر الدية. وهكذا حتى الجروح، فالجروح أوصاف جاء في حديث عمر بن حزم بيان مقادير هذه الجروح. فالموضحة مثلا فيها خمس من الإبل، وهو الجرح الذي يصل إلى العظم ولا يجرح العظم، ولكن يظهر به بياض العظم. والأرش هو قيمة الفارق بين قيمة الشيء معيبا وسليما. وأشار الشيخ رحمه الله ها هنا فقال: وقول المؤلف رحمه الله: الدية المحدودة والأرش، يسميها الفقهاء الحكومة. ويقول المؤلف: الواجب بالجراح إما دية وإما حكومة. وهي الأرش. ونعرف الأرش بأن يقدر الحر كأنه عبد ليس فيه جناية، ثم يقدر وهو عبد في الجناية. فإذا قدرنا أن هذه الرجل لو كان عبدا قبل الجرح لكان يساوي عشرة آلاف، وبعد الجرح يساوي تسعة آلاف، نعطيه عشر الدية. لأن المقدار ينسب إلى الدية، فألف ريال بالنسبة إلى عشرة آلاف، فنعطيه عشر دية هذا العضو. ويسمى هذا حكومة. قال: إلا أنهم قالوا: إذا كانت الحكومة في موضع له مقدر، فإنه لا يبلغ بها المقدر. مثال ذلك الموضح في الرأس والوجه، يعني لو شجه حتى ظهر العظم فتسمى هذه موضحة، وفيها خمس من الإبل. فلو أن أحدا جنى على رأس إنسان وشجه، لكن لم يتبين العظم، وقدرنا أرشه، فإذا هو يبلغ ستا من الإبل، فإننا لا نعطيه ستا من الإبل لأنها زادت على المقدر. قال رحمه الله تعالى: أما القصاص في الضرب بيده أو بعصا أو صوته، مثل أن يلطمه أو يلكمه أو يضربه بعصا ونحو ذلك، فقد قال الطائفة من العلماء: إنه لا قصاص فيه، بل فيه تعزير لأنه لا تمكن المساواة فيه. والمأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء. وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الصواب. وعمومات الأدلة من الكتاب والسنة تدل عليه. ولأنه كذلك إن حصل شيء من عدم المساواة فهو يسير. صحيح أن ضربة الأول لم تكون مثل الثانية، لكن المقصود هو حصول الضرب. والأمر في هذا الباب كما يقال: هو إقامة العدل والإنصاف في الانتصاف له، لا بقدر اللكمة أو الضربة، فإنه ليس مقصود. قال رحمه الله: وقال أبو فراس: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر حديثا قال فيه: «ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذ أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إليه، فوالذي نفسي بيده إذن لأقصنه منه». ومعناه: سأقيم القصاص عليه. وهذا يدل على أن القصاص يقع في الضرب وما كان بمعناه. وأصل هذا الأثر في الصحيح مسلم، لكن بغير هذا اللفظ. وبهذا اللفظ ورد في مسند الإمام أحمد، وأشار المعلق إلى تحسينه. قال: فوثب عمر بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان رجل من المسلمين أمر على رعية فأدب رعيته، أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفسي عمر بيده إذن لا أقصنه منه، أن لا أقصه. وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه. «ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم». ومعنى أن عمر بن العاص أراد أن يبين أن مما قد يفعله الراعي الضرب للتأديب. فبينا عمر رضي الله عنه أن ما كان من ذلك اعتداء فإنه يكون فيه القصاص، حتى ولو كان من الأمير. وضرب مثال بهذا. قال: ومعنى هذا إذا ضرب الراعي رعيته ضربا غير جائز. فأما الضرب المشروع فلا قصاص فيه بالإجماع. وعمر رضي الله عنه كان يضرب بدرته ضرب تأديب، ولكن المراد ما كان فيه شيء من الاعتداء. قال: إذ هو واجب أو مستحب أو جائز، يعني إذا كان للتأديب إذا كان للتأديب فهو واجب في حق من يجب تأديبه، ومستحب كذلك في موضع الاستحباب، وجائز فيما يجوز تركه وفعله طيب في شيء في هذا. قال رحمه الله تعالى: الفصل الثالث: القصاص في الأعراض. قال: والقصاص في الأعراض مشروع أيضا، وهو أن الرجل إذا لعن رجلا أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك. وكذلك إذا شتمه شتيمة لا كذب فيها. ومعناه: إذا كان فيه كذب فلا يجوز، أو كان فيه قذف فلا يجوز. قال: والعفو أفضل. قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتدي المظلوم». قال: فإذا كان السب متضمنا لما لا يجوز، فلا يجوز الإنسان أن يقع في الحرام. كأن يقول: يا ابن الزانية، فلا يجوز أن يقول: بل أنت ابن الزانية. لماذا؟ لأنه قذف حرام لا يجوز وهو ظلم. أو قال: يا زاني، كذلك لا يجوز، فيقول: بل أنت الزاني. لماذا؟ لأنه قذف لا يجوز. وإنما الذي يجوز هو الذي ليس فيه اعتداء، ما دام أنه مظلوم. وأما الأول فهو الذي يتحمل الإثم في هذا. قال رحمه الله تعالى: ويسمى هذا الانتصار. والشتيمة التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك. فأما إن افترى عليه لم يحله أن يفتري عليه ولو كفره، فسقه بغير حق لم يحله أن يكفره ويفسقه بغير حق. حتى التفسيق. مع أن الكثير من الناس يتساهل في هذا، بل ربما تجد بعضها للعلم يجيز التفسيق إذا كان في مقابل تفسيق على أنه قد فعل الفسق. والصواب ما ذكر رحمه الله من باب الاحتياط وسلامة الدين لا يقع فيما قد يضر بدينه. قال: ولو لعن أباه وقبيلته أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحله أن يتعدى على أولئك. فإنهم لم يظلموه. لأن هؤلاء أبرياء، فلماذا أنت تسب هذا وتسب قبيلته أو تلعن أباه وأمه؟ ولو هو لعن أباك وأمك، فهو معتدي، فلا ترد الظلم بالظلم. قال: وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. والمعنى: لا يجوز أن يرد الظلم بالظلم، ولكن يرد الظلم بالعدل. وإن عفى فهو أحسن. فإن وقع الظلم من الطرفين، يجوز للإمام أن يعزرهما. وإن وقع الظلم من أحدهما ورد الآخر بالعدل، جاز للإمام أن يعزر الأول. لأن البادي هو أظلم كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فإذا كان العدوان عليه بالعرض محرما لحقه بما يلحقه من الأذى، جاز القصاص فيه بمثله. كالدعاء عليه بمثل ما دعاه مثلا. مثل ما تقدم: يقول: أخزاك الله، يقول: بل أنت أخزاك الله، هذا دعاء. قال: وأما إذا كان محرما لحق الله تعالى، كالكذب، لم يجوز بحال. قال: وهكذا قال كثير من الفقهاء: إذا قتله بتحريق أو تغريق أو خنق أو نحو ذلك، فإنه يفعل به كما فعل. قال رحمه الله تعالى: الفصل الرابع: عقوبة الفرية. وإذا كانت الفرية ونحوها لا قصاص فيها، ففيها، العقوبة بغير ذلك. فمنه حد القذف الثابت في الكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: فإذا رمى الحر محصنا بالزنا واللواط، فعليه حد القذف، وهو ثمانون جلد. وإن رماه بغير ذلك، عوقب تعزيرا. وقد مر معنا الكلام على هذا في فصل سابق في حد القذف. قال: وهذا الحد يستحقه المقذوف، فلا يستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء. قال: فإن عفى عنه سقط عند جمهور العلماء. لأن المغلب فيه حق الآدمي كالقصاص والأموال. وقيل: لا يسقط، تغليبا لحق الله لعدم المماثل كسائر الحدود. والعدل في هذا والوسط التفصيل: إن كان قبل الوصول إلى السلطان فإنه يسقط، مثل السرقة. السرقة فيها حق الآدمي، ومع ذلك إذا وصلت إلى السلطان فلا تسقط. وكذلك القذف فيه حق الآدمي، فإذا وصل إلى السلطان فإنه لا يسقط لعموم الأدلة في هذا كما تقدم معنا. قال: وإنما يجب حد القذف إذا كان المقذوف محصنا، وهو المسلم الحر العفيف. وهذا مر معنا وسبق الكلام عليه. قال: فأما المشهور بالفجور فلا حد على قاذفه. ومر معنا ومر معنا كذلك الكلام على هذا المعنى، فإنه لا حرمة لمثل هذا. قال: وكذلك الكافر والرقيق، لكن يعزر القاذف إلا الزوج. وكما مر معنا أنه إذا لم تستوفى شروط القذف فلا يعني أنه يسقط عنه كل شيء، بل يسقط حد القذف، ويبقى التعزير. قال: لكن يعزر القاذف إلا الزوج، لأن الزوج تكون في حقه حكم الملاعنة، فإنه يلاعن. قال: فإنه يجوز له أن يقذف امرأته إذا زنت ولم تحبل من الزنا، فإن حبلت منه وولدت، فعليه أن يقذفها وينفي ولدها. لأن لا يلحق به من ليس منه. وإذا قذفها فإما أن تقر بالزنا، وإما أن تلاعنه كما ذكره الله في الكتاب والسنة، يعني في حكم الملاعنة. قال: ولو كان القاذف عبدا، فعليه نصف حد الحر. وهذا بالقياس، ورويت فيه آثار. وكذلك في جلد الزنا وشرب الخمر، يعني أن عليه نصف حد الحر. وقد وردت فيه آثار كما تقدم معنا. قال: لأن الله تعالى قال في الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. وأما إذا كان الواجب القتل أو قطع اليد، فإنه لا يتنصف، يعني يقام عليه الحد.