الدرس في رمضان .. بين الإساءة والإحسان، وكانت بمسجد ابن عباس بزغفه الجمعة 18 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شهر رمضان هو موسم عظيم للخيرات والرحمات، ويجب على المسلمين استغلاله بالتوبة والاستزادة من الحسنات. المحروم هو من يفرط في هذا الشهر ولا يغتنم الفرصة للتقرب إلى الله.
الإخلاص في العبادة والعمل الصالح يعين العبد على الطاعة ويجعل له أجرًا كبيرًا. كما يُحث على الجود وإطعام الطعام في رمضان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس في رمضان.
كان السلف ياجتهدون في رمضان بتلاوة القرآن وقيام الليل، وكانوا يتوقفون عن مجالس التعليم ويقبلون على كتاب الله تعالى. وردت أحاديث نبوية تبين فضل قيام الليل في رمضان واجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
الصيام ليس فقط عن الطعام والشراب، بل هو عن جميع الذنوب والمعاصي، ومقصد الصيام هو تحقيق التقوى. كثير من الناس يخطئون في فهم معنى الصيام، فينشغلون بالملاهي بدلاً من الطاعات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، الله تعالى وعلى آله وصحبه وسلم. الأمل فنهد الله عز وجل الذي يسر لنا هذا المجلس المبارك في هذا المسجد الطيب، وأن نجتمع لمناقشة هذا الموضوع الهام. أسأل الله عز وجل أن يأجرهم على ذلك وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم. وشكر الله لأخينا الأستاذ الفاضل أبي خالد على هذه المشاركة الطيبة النافعة المفيدة. سمعته أيها الأحبة، هذا الموضوع الهام، كإن شهر رمضان هو موسم عظيم من مواسم الخيرات، وكذلك هو باب عظيم من أبواب الرحمات من الله عز وجل على عباده. فإن من حكمة الله سبحانه وتعالى، وهو اللطيف الخبير الذي يعلم عجز عباده وكذلك تقصيرهم، أعانهم سبحانه وتعالى بعد أن من عليهم بهذا الدين العظيم، وما فيه من شرائع حكيمة، وكذلك تفاصيل أحكامه المحكمة التي يصلح الله عز وجل بها العباد للدنيا والآخرة. ما أعانهم سبحانه وتعالى لتقصير العباد وحاجتهم إلى ما يستثمرون به، مواسم أخرى تكون سبباً لتكفير ذنوبهم وسقطاتهم وسيئاتهم، والاستزادة من الحسنات، وكذلك الاستكثار من الخيرات. جعل ربنا جل وعلا لعباده تفاضلاً وتكرماً، مواسم للخيرات يجتهد فيها المجتهدون ويشمّر فيها المشمرون، كونها باباً آخر في إدخال الخير على العباد، وإصلاح ما قد يقع منهم من زلل وتقصير. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، وعظيم مننه على العباد. كما أن في مرور هذه المراسم علينا، وإقبالها، عظة وذكرى أخرى لنا جميعاً، أن نتعظ بدخولها ومروجها، ونعتبر بذلك في قصر هذه الحياة الدنيا، وسرعة مرور أيامها وأسابيعها وشهورها وأعوامها. ففي بدرة ليست ببعيدة، كنا نستقبل شهر رمضان، ثم تولى واستودعناه ما استودعناه، وها نحن في عام آخر جديد يمر علينا هذا الشهر الكريم، بما فيه من خيرات، ومما جعل الله عز وجل فيه من أبواب الرحمة. فهل من نعتبر فيعتبر فيما نرى من أعوام عديدة، لا يدري ما صنع فيها، وقد أمد الله عز وجل في عمره حتى بلغ مرة أخرى هذا الشهر، ويرى كم قد افتقد من حبيب، وقد ذهب عن هذه الدنيا من صديق وغريب. كل ذلك سبب للعظة والعبرة، أن يستغل من لهذه المواسم العظيمة، مواسم الخيرات ورحمات الله، بما يكون له به النفع في هذه الدنيا، فيستقيم بعد إثارة، ويحسن بعد تقصير، ويستزيد من الطاعات بعد شيء من التفريط. وما يكون له كذلك من أمر خير آخر بالآخرة، يكون بتوبة من عدد من الذنوب والسيئات التي لا يسلم منها أحد. وهكذا كذلك بالاستكثار من الحسنات، الذي كذلك لا يستغني عنها أحد. فالله جل وعلا من علينا بمرور هذه المواسم العظيمة، فالواجب بمكان أن تستغل، وأن تستثمر بما يكون به الخير في الدنيا والآخرة، وفي نفسه وفي ذريته وأهله، وبما يكون كذلك الخير للمجتمع بأكمله. فإن مواسم الخيرات، مرورها على العباد، ليس أمراً سهلاً، بل هو أمر عظيم، كون أن الله سبحانه وتعالى العظيم الجليل الكبير جل وعلا، يمنّ على عباده بمرور هذه المنن، ويتفضل عليهم بمرور هذا القدر. ثم بعد ذلك يتفاوت الناس في استقبالهم لهذه المنن، إلا رحم الله سبحانه وتعالى. فلهذا، كان في ديننا وفي شريعة ربنا سبحانه وتعالى، ما يدل على أن من أتاه مثل هذا الخير فأعرض عنه، فهو المحروم. صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد درجات وهو يقول في كل درجة يصعدها: آمين آمين آمين. ثم أخبر أصحابه رضي الله عنهم أن جبريل عليه الصلاة والسلام دعا بدعوات، ومن هذه الدعوات أن من أدركه رمضان فلم يغفر له، فقال: آمين. فيا خسارة من أدركه شهر رمضان، وهو شهر الرحمة والمغفرة، وشهر العتق من النيران، ومع ذلك لا يوفق لهذا الخير، ويكون أحد المغبونين المحرومين. وليس هذا بدعاً، بل تنالوا مع رضى الله وصفقه، دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوة جبريل عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك هذا الموسم العظيم من مراسم الخيرات، حبب الله عز وجل فيه أسباب القربات، وتفضل على عباده وعلى إعانتهم على هذا الخير. أن يعمر هذا الشهر بسنن الطاعات والقربات. فقد صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل رمضان، فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين». انظروا إلى هذا العون الآخر، والتفضل من الله سبحانه وتعالى على عباده. فمع تيسير هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، أعان عباده بأن جعل هذا الشهر شهراً فيه معاني العصمة. فتفتح فيه أبواب الجنان، بتيسير الأعمال الموصلة إليها، وتقريبها، وكذلك الترغيب فيها، وإعانة العباد عليها. فأنت ترى كيف الناس يؤمنون بهذا الشهر على صنوف الطاعات والقربات، وينشطون ما لا ينشطون في غيره. إن إن ذلك على شيء، دل على مصداق ما أخبر به نبيه عليه الصلاة والسلام. وهذا تغلق فيه أبواب النيران، بأن تسلط وتغلق وتغير كل وسيلة مفضية إليها. ولهذا درى كثير من الناس، حتى من عرف بالشر والسوء، إذا أقبل عليه شهر رمضان، فإنه يجد في نفسه انصرافاً عما كان عليه من شره وسوءه. وينجد عوناً كذلك على غيره من أبواب الخير. حتى من عرف بالسيئة، الذي كان من عون بالسوء والشر، يصدر عن مجتمع بأكمله، يراه بأجمعه، ويحبوه بجسده، ويسمع ما يدرى فيه لأهله، من إقباله على الخير، وصوم الطاعات والقربات. ما يكون عوناً له على الافتعاء عن أبواب النيران. وهكذا كذلك ليس هذا بحسب، بل وتصفد فيه الشياطين. وكما جاء في بعض الروايات: أي مردة شياطين الجن والإنس، يصفدون، فيل: تصفيداً شيكاً، بأن تغرى تلك المردة من مردة شياطين الجن. فلا يجسرون على إيذاء بني آدم، ونزع الوسوسة لهم، بما كانوا يفعلون بغير شهر رمضان. وقيل: تصفيداً معنوياً، بما يكون من إغلاق أبواب المعصية والوسوسة والشر، بما يحيئ الله عز وجل بهذا الشهر، ما لا يكون في غيره. حتى أنك ترى، كما سمعت، بار الرؤوس الشريفة من شياطين الإنس، ينكسرون بما يرون من إقبال المجتمع بأسره على أبواب الخير والبر، وصوم الطاعات والقربات. فهذا عون آخر، عباد الله، أعان الله عز وجل به بلاده، مع أبواب كثيرة هي كذلك عون لهذا العمل. فالمحروم والمخذول من تتيسر له من جهته هذه الفرصة العظيمة، ومع ذلك يفرط ويقصّر، والعياذ بالله. ونذكر بهذا المقام، مواضع من مواضع الإحسان، التي ينبغي أن يجتهد فيها العبد في هذا الشهر. ولنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، قدوة حسنة. فإن هذا الشهر، كما سمعتم، موسم عظيم من مواسم الطاعات والقربات. وهكذا في مقابله، تفريط بعض المفرطين، وتقصير بعض المقصرين، وخطأ وزلل بعض الناس. منها إساءات متنوعة، وتتفاوت بتفاوت عظم تلك الإساءات. يعيب المسلم بها، بإذن الله تعالى، جملة وعلى وجه العموم، ما يكون إن شاء الله عوناً لنا جميعاً. أول ذلك، عباد الله، أن يخلص النية لله سبحانه وتعالى بعمله. فإنه إذا أخلص، أعانه الله عز وجل بإخلاصه، ووفقه. فليس شيء يرفع العبد على الإحسان وعلى الإصلاح، بمثل الإخلاص. فتكتب له الحسنات الكاملة، ويعان على قوله والفعل، وصنوف الخير والذر والعمل. إذا كان لله، أعين عليه العبد، وأجر عليه، حتى ولو لم يوقف له، أو لم يوقف حتى لاستكماله واستيفائه. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن بالمدينة أقواماً، ما نزلنا منزلا، ولا صعبنا، ولا نزلنا مالاً، إلا وهم معكم، شاركوكم في الأجر، ما منعهم إلا العذر». قال علماء: في هذا دليل على أن المرأة إذا صدقت عن الله، وأخلصت، بلّغها الله عز وجل منازل العاملين، ولو لم تبذل إليها. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عقد نفسه بالغزو، أو قال: بالمكان، بلّغه الله منازل الشهداء، ولو مات على فراشه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام». وهكذا كذلك في هذا الموضع، وفي هذه الطاعة والعبادة، فإنك إذا أخلصت وصدقت، كتب الله عز وجل لك الأجر، حتى إذا وفاتك الله قبل أن تولغ شهر رمضان، ما دامت نيّتك صادقة، وعزمك وإخلاصك موجود. فإن الله عز وجل لن يفرطك من أجل ذلك. والعمل ما دام كان عندك ذلك الصدق والإخلاص. زد على ذلك أنك إذا أقبلت على العمل، أعانك الله عز وجل عليه، وأجزل لك الثواب، بما لم يثب غيرك. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان، إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه». قال العلماء: في قوله: «إيماناً»، أي إيماناً بفرضه، وشرع الله عز وجل له، أي لعباده. واحتساباً، أي لوجه الله جل وعلا، مخلصاً به، لا رياء ولا سمعة، ولا غير ذلك من المعاني التي تنافي الصدق والإخلاص. فأولئك هم الذين تتبعهم نياتهم السيئة، وتخلقهم بالصدق والإخلاص، على قبل نهار رمضان، بالنوم وقتل الوقت، بضياع الأوقات أمام صنوف معاني اللهو والغفلة. أما إذا كان لهم من الصدق والإخلاص، والإيمان ما يدعوهم لتعليق قلوبهم بهذا الموسم العظيم، قضاءً عن حرصهم على الإحسان فيه. ومن مواضع الإحسان كذلك، عباد الله، أن يحرص المسلم على إعمال هذا الشهر، بصنوف طاعات وقربات، كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين. ففي الصحيح، صحيح البخاري ومسلم، وغيره، من حديث عبد الله بن عباس، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن». فلأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. كان نبينا عليه الصلاة والسلام أجود الناس في كل شيء، بصدقة من ماله، أو بشفاعة من جاهه، أو كذلك بإعانة قوته، أو غير ذلك من أنواع الجود. من جوده عليه الصلاة والسلام، أعطى رجلاً غنياً ما بين جبلين عليه الصلاة والسلام، حتى رجع رجل ويقول لظنه: «أسلم، فإني جئت من عند رجل يحب عطاء من لا يخشى الفقر». ومن جوده عليه الصلاة والسلام، أنه ربما أذن لغيره عليه الصلاة والسلام، حتى تعلم منه ذلك الصحابة رضي الله عنهم، فأغلوا من نفوسهم عملية في معنى الإيثار، ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة. ومن يموت شبح نفسه لأولئك، أو من يملك شبح نفسه لأولئك، أو من يهبون يؤثرون على أنفسهم، وهم الذين كانوا غالب طعامهم التمر والماء، ومع ذلك يخبرنا ربنا جل وعلا أنهم يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة. فماذا يعسانا أن نقول، ونحن بهذا الزمان؟ أولئك الغرب، الذين كانوا من جودهم، يردد الإنسان إذا بلغه الضبط، فيما ردد ربنا جل وعلا فيه من الصدقة، أن يكون من أول المسارعين والمبادرين لما أنزل الله جل وعلا. جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل من الأنصار، فقال: «يا رسول الله، لقد أنزل عليك اليوم هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون». فقال: «إني وهبت حديقتي، وهي من أعظم حدائق المدينة، وبئرها من أعظم آبار المدينة». كان يقصها نبينا عليه الصلاة والسلام بالإيمان والشباب، من مائها، فهو وهبها لله سبحانه وتعالى، وهو لا يملك غيرها، حتى أنه أتى إلى أمه الدهداء، أتى إليها وأخبرها أنه قد أنفقها في سبيل الله. فخرجت، وكانت تبطئ من ثمارها، فما أكلت منها ثمرة، وتربوها لله سبحانه وتعالى. أولئك الذين كانت تلك بعض مقابلهم وصدقاتهم، كانوا في رمضان أجود من ذلك الكثير. هذا قول ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن». وهكذا كذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان على الجود، خصوصاً فيما يتعلق بإطعام الطعام، وفيما يتعلق إطعام الصائمين. فصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من فطر صائماً، كان له مثل أجره». فكان معه العلماء يقولون: «من يسارع في فطره، في اليوم بأمعائه من الأيام». وهو يريد بذلك أن يحث على إطعام الطعام، وعلى تفطير الصائمين. وقد أثر عن سلف الأمة، عدد أنهم كانوا يحرصون على إطعام الصائمين، بل ويحرصون على ما كان من طعام الصيام لغيرهم. فهذا عبد الله بن عمر، كان رضي الله عنه أغنى لا يؤثر عنه أنه يفطر إلا بين البقراء والمساكين. وربنا أذكى رضي الله عنه أغنى طعام فطره لغيره، ممن هو أحوج منه. فهذا دليل على ما سبق، ذكر العلماء عدداً من الصحابة والتابعين، ممن كان يجتهد مع ما يجتهد فيه من أنواع القربات في شهر رمضان. كان يجتهد على إطعام الطعام، وربما آثر طعام فطره لغيره من الفقراء والمساكين. وذكر منهم عمر رضي الله عنه الفاروق، وجماعة من الصحابة، وهكذا من التابعين، جماعة، محمد بن سيرين، وجماعة من التابعين. وصل عن النبي صلى الله عليه وسلم، عند الترمذي بإسناد حسن، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن بالجنة لغرفاً، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها». قالوا: «لمن هي يا رسول الله؟» قال: «لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام». فإن هذه الطاعات والقربات، من أساس الكرام العظيمة، التي يكرم الله عز وجل بها من يشاء من عباده. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، بحقيقة عبد الله بن سلام، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «أفش السلام، وأطعم الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». أدرك أولئك القوم الصالحون، أمثال هذه الأحاديث، وغيرها، سمعوا بها، فكان لها أثرها في حياتهم، حتى أثمرت، أثمرت تلك القربات الحسنة، والنماذج النادرة في سيرة الناس وأحوالهم. وما ذلك إلا لما كان من شدة صدقهم وحرصهم، بعدما علموا الذي علموا من أمر هذا الدين العظيم. وهكذا باب آخر من أبواب الطاعات والقربات، ومن مواضع الإحسان والإجتهاد للطاعات، أمر الإجتهاد في القرآن بهذا الشهر. هذا الشهر شهر القرآن، سماه ربنا جل وعلا، بداله. قال سبحانه: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن». سمعتم بحديث ابن عباس المتقدم، أن نبينا عليه الصلاة والسلام، كان يدارسه جبريل عليه السلام القرآن في كل سنة. حتى أنه في المقام الذي يرفعه، يعني في آخر سنة، دارسه جبريل عليه الصلاة والسلام القرآن مرتين. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام، لا يقف علينا أمره وهديه عليه الصلاة والسلام على القرآن. فهو الذي قرأ في ركعة واحدة، بالبقرة والنساء وآل عمران، حتى أنكر الصحابي بسوء، فقالوا له: «لما هممت؟» وهو يصلي عن نبي عليه الصلاة والسلام، قال: «هممت أن أخرج وأتركه وحده عليه الصلاة والسلام». هذا نبينا عليه الصلاة والسلام، كان يصنع مثل ذلك في غير رمضان، فإذا كان رمضان، فإنه كان يستهدي اجتهاداً عظيماً، حتى أنكر الصحابة منه ذلك. فكانوا بعده عليه الصلاة والسلام يصنعون برمضان بالمئين، يعني بمئات الآيات. حتى أن بعضهم ليعتمدوا على العصي، من شدة ما يريدون من أمر القرآن، والاجتهاد فيه. وكان من الصحابة، كما لا يقف علينا، من يخدم القرآن باليوم أكثر من مرة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغوا ذلك، أمرهم بالتخفيف، حتى لا يضيع الحقوق الأخرى. ومن هؤلاء عبد الله بن عمر بن العاص، وغيره كثير، من الصحابة رضي الله عنهم. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم، حين جاء أبو عمر بن العاص، فشكى غفلته إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أن العبادة شغلته عن أهله وزوجته، وسائله فروة. فجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن ينظم القرآن في سبع. قال: «أولا في شهر؟» قال: «يا رسول الله، رجل أكبر من ذلك». قال: «في عشرين؟» قال: «يا رسول الله، رجل أكبر من ذلك». قال له: «في نصف شهر؟» ثم في سبوع، قال: «يا رسول الله، رجل أكبر من ذلك». فقال له: «بثلاث». ثم قال له: «لا يفترق عن من قرأه بأقل من ثلاث». وفي رواية أنه حين قال له: «في سبع»، بيّن له أن لا يزيد على ذلك. فذهن هذا من بعدهم من التابعين، والباع التابعين. فكانوا يجتهدون بالقرآن، ويزدادون اجتهاداً في شهر رمضان. فكانوا أجود، رحمه الله تعالى، يختم القرآن بغير رمضان في سبعة أيام، فإذا دخل رمضان، صار يختمه بثلاثة أيام. وهذا كذلك كان النهائي، رحمه الله تعالى، يختم القرآن بثلاثة أيام، فإذا دخل عليه رمضان، ختمه بثلاثة، وإذا دخل عليه العشر، ختمه في كل ليلتين. وأثر عن الإمام الشافعي، رحمه الله، أنه كان يختمه باليوم مرتين. وتأول أهل العلم أن من زاد فاجتهد، فخرج عن معنى أن النهي عن ثلاث، أن لهم بذلك تأويلات. فمنهم من قال: فهم هؤلاء أن النهي النبي صلى الله عليه وسلم، كان لعبد الله بن عمر، إذ أن ذلك عارض رقوبة الله. وأن من لم يرهم كذلك، قال: بأس. ومنهم من خرج بتخريجات أخرى. ولا شك أن الأفضل والأحوط والأكمل والأفضل للسنة، ألا يزيد المسلم على ثلاث، أي لا يختمه في أقل من ثلاث، موافقة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من العلماء والأئمة، من إذا ذكر عليه شهر رمضان، قال: «هذا شهر القرآن». فتوقف عن التجريس والتعليم والتهذيب. ومن هؤلاء ممن ذكر العلماء، وغيرهم كثير، الإمام الزهري، رحمه الله تعالى، أعلى أئمة التابعين. وهذا كذلك الإمام مالك، إمام دار الهجرة. وهكذا كذلك سفيان الثوري، رحمه الله تعالى، جميعاً. فكانوا إذا أقبل عليهم شهر رمضان، توقفوا عن مجالس التعليم، وأقبلوا على كتاب الله سبحانه وتعالى. وقالوا: «هذا شهر القرآن». وهكذا كذلك اجتهادهم، اجتهادهم في صلاة الليل. فإن من أبواب الإحسان في هذا الشهر الكريم، الإحسان فيه، بغيام ليله، مع صيام نهاره، بإعمال الليل بالصلاة المعمورة بالقرآن. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام، يعبر ليله في غير رمضان، فما ذلك في رمضان، هو الذي كان عليه الصلاة والسلام من كل الليل، يقوم كما قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها. وهو الذي كان يقوم من الليل، حتى تتفطر قدمان، وفي رواية عند النسائي بإسناد صحيح، حتى أذيب قدمان. ومعنى تتفطر، أي تتشقق من طول قيامه عليه الصلاة والسلام. وفي رواية النسائي بإسناد صحيح، حتى أذيب، يعني كان يخرج الدم أحياناً من تلك الشقوق، من طول قيامه في صلاته عليه الصلاة والسلام. فتقول له زوجته عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، أتكلف ذلك بنفسك؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟». فيقول عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ أفلا أكون عبداً شكوراً؟» هذا كان أطوع هذه النبي عليه الصلاة والسلام في غير رمضان، فإذا دخل رمضان، فإنه يجتهد ما لا يجتهد في غيره. حتى أن بعض الصحابة صلى معه في ثلاث ليال، فصلى به حتى كانوا لا يدركون السحور، من شدة ما أطال بهم عليه الصلاة والسلام. خشي الصحابة حين أخرجوا من الصلاة، أي من صلاة الليل، وكانت أفضل بهم ثلاث ليال، ثم تركها. خشية الكبرى عليهم، خشية الصحابة لدركهم الفجر، من شدة ما أطال بهم عليه الصلاة والسلام. وسمعتم بحديث عمر، كان عمر رضي الله عنه حين أراد أن يجمع المسلمين على صلاة التراويح، صلاة الليل، وهي ما سميت بعد ذلك بصلاة التراويح. جعل لهم من يصلي بهم قبيل نكع، ومن ينوته. فكانوا يقرأون فيهم بالمئين من الآيات، حتى أن من الصحابة رضي الله عنهم من يتعب ويستعين لبعض المصاحف في صلاة الليل. وصل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة». فأثر عن بعض السلف أنهم كانوا يكررون أن ينصرفوا عن الإمام، مهما أطال، حتى لا يفوتهم قيام ليلة كاملة، بإدراكهم الصلاة مع الإمام. وهذا قليل من كثير من حرص سلفنا وإمكاننا على إعمار ليالي رمضان بصلاة الليل، وهم الذين أحيوا ليلة بهذه الصلاة، خصوصاً في شهر رمضان، لما فيها من فضل عظيم. وهذا كذلك من ذلك الإحسان بالصيام. وكما سمعتم في كلمة أخينا أبي الظالد، حفظه الله، ليس المقصود من الصيام أن يصوم المرء عن الطعام والشراب، ولكن المقصود من ذلك أعظم من هذا. فهذا وسيلة وعون للإنسان أن يصوم كذلك عن الذنوب والسيئات. قال الحافظ بن رجب، رحمه الله تعالى، في كتابه: «لطائف المعارف». قال: «وإنما شرع الصيام، لترك الطعام والشراب، عوناً لهذا الإنسان أن تصوم جوارحه». فإنه إذا جاع، أو قطر، استغلت سائر الجوارح. العين والأذن واللسان والجوارح. وإذا شرع من الضمير، جاء عن تلك الجوارح. العين والأذن واللسان وسائر الجوارح. وهذا هو الواقع. فإنك ترى الصائم منكسراً، وترى المفطر فيه من الجرأة، وفي جوارحه من القبول والقيام، ما لا يكون إذا كان هذا الإنسان بعينه صائماً. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جنة». وصدق عليه الصلاة والسلام يقول: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». فصوم وجاء، وجاء يعصم هذا الإنسان من سائر الشرور والآفات. فإذا لم يحصل هذا المقصود، فقد خسر هذا الصائم المقصود من صيامه. ولهذا كان من أعظم مقاصد الصيام، تحصيل التقوى. قال سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا، كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». فمن يدعو الصوم والقول به والعمل به، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، في الصحيح، حديث في غيره، فلا حاجة من أن يدعو طعاماً وشراباً. المقصود من ترك الطعام والشراب، أن يكون عوناً للإنسان على الطاعات، وعلى ترك سائر المنكرات والمحرمات. فمن لم يدع تلك المحرمات والمنكرات، فإنه يغش بالصيام. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب صائم حظه من قيامه الذنب والاثم». فإذا الصيام أن تدعو بالطعام والشراب، ثم تقع بصنوف الذنوب والمعاصي، بالغيبة والنميمة، وسماع المحرم، والنظر إلى المحرم، وفعل المحرم، وغير ذلك من أنواع الذنوب والمعاصي. من نعى لذلك، والغش بالصيام، وأبسل على نفسه صيامه، وهو لا يشعر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». ومنه نعرف خطأ كثير من الناس، الذين لم يعرفوا حقيقة معنى الصيام. فصار الكثير منهم، إلا من رحم الله، يجعل نهار رمضان موضعاً من مواضع الخمول والكسل، وإضاعة الوقت، وإن صام إلا بالنوم، إلا بالنوم. فتجد ظهرهم إن استطاع أن يضع أكثر النهار بالنوم. وليس هذا هو المقصود من الصيام. المقصود من الصيام أن يكون عوناً لك في هذا الموسم العظيم، على أن لا تنشغل بطعام ولا بشراب، وأن تنكسر جوارحك عن كل المنهيات والمشاغلات، فضلاً عن الذنوب والمعاصي والسيئات. فيكون عزما لك بالإقبال على الله، والإقبال على الطاعات والقربات. فتحيي نهارك بقراءة القرآن، وبذكر الله سبحانه وتعالى، وبالصيام والاستغفار، وملازمة بيوت الله ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وقد أثر عن عدد من السلف، والصحابة، رضوان الله عليهم، أنهم كانوا إذا دخل عليهم رمضان، أقبلوا على بيوت الله، واحتفوا فيها، متفرغين لطاعة الله عز وجل، وعبادته. وذكر عن طاعة آخر، أنهم إذا أقبل عليهم شهر رمضان، تركوا إلى الحرمين الشريفين، مجاورين، وملازمين، متفرغين لعبادة الله جل وعلا، وطاعته. فيجتهدون به ما لا يجتهدون بغيره. ولهذا كان السر في زيادة التبجيل في العمرة في رمضان، حتى جعل في أجر العمرة في رمضان، أنه كأجر حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. لأن ذلك من أعظم ما تملأ به أوقات هذا الشهر، وما ينتهد فيه بأصناف الطاعات. فأحفظ النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. إذا كان قد جاء الحفظ في سائر الشهور، بقوله عليه الصلاة والسلام، بمجال حديث ابن عباس، عند أحمد، ومسند، ومعنى من قام المسروق بإسناد صحيح: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا، كما ينفي الكير خبث الحديد». إذا كان ذلك، فكيف في رمضان؟ وقد زاد من فضله، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان، كحجة معي». ولهذا كان الكثير من العلماء، وسلف الأمة، لما أدركوا هذا المقصود، أعانوا أنفسهم بالتخلص من الشواغل في رمضان. بالتفرغ لربنا جل وعلا، وقراءة القرآن، والاجتهاد في أصناف الطاعات والقربات. المرء منها له شواغل، وتعلم له عوال، وتحته مسؤوليات وأمانات. لكن ينظر أن تعلم أن مثل ذلك، وأكثر، كان لمن سبقنا من الأئمة والعلماء. فماذا كانوا يصنعون بها؟ هل كانوا مضيعين لها؟ الجواب: لا. ولكنهم لعلمهم أن موسماً عظيماً سيقبل عليهم، كانوا يغطون ويسدون تلك الحوائج والمسؤوليات، بما نسد قبل إقبال هذا الموسم العظيم. لأجل أن يتفرغوا في هذا الموسم لما ينطلق التفرغ له. فمثلاً إن كان أهلك يحتاجون إلى الطعام والشراب، وأمور النفق والمعيشة، أو ما يحتاجون من المنافع، ألا يسعك أن تتذوق لذلك بشعبان؟ ألا يسعك أن تتذوق لذلك قبل ذلك؟ يسعك ذلك. فإذا كان ذلك يسعه، فلماذا نرى أن الكثير من المسلمين لا ينشغل إلا في رمضان، إما في نهار أو في ليلة، حتى قار القرون للأسرار، والانشغال بالمأكل والشراب، مما أشغل الكثير من المسلمين. صار من الصفات الملازمة لهذا الشهر. فهذا كذلك من مواضع الإساءة. انشغال كثير من الناس في ليلة رمضان، بأنواع الملاهي. فما أكثر ما ترى الناس في المقاهي، وفي الأركان والطرقات، حتى خلا الليل معموراً، حياً، أعظم من حياة النهار في شهر رمضان. ولكنه للأسف، بأي شيء حي؟ هل هو بشيء يحبه الله ويرضاه؟ أو بما يكون به معنى إعمار واستغلال هذا الشهر الكريم؟ تمر وأنت تتأذب على هؤلاء المسلمين، هؤلاء مع تلك الألعاب، إما الورق، وإما شطرنج، وإما الدمنة والضمنة والكعبة. أو أنواع الرياضات، هؤلاء لكرة السلة، وهؤلاء لكرة القدم، وهؤلاء لكرة الطائرة، وهؤلاء للدراجات، هنا وهنا، وآخرون في الأسواق، وآخرون أمام شاشات التلفاز، وأولئك الذين في البيوت مع الرواق والمسابقات والفوازير. كل فيما هو فيه، والجميع إن لله وإن إليه راجعون، قد ثلموا استغلال هذا الشهر، بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، إلا من رحم الله. فينبغي أن نذكر أنفسنا وإخواننا وأهالينا، عن مثل هذه الأفعال، التي هي من مواضع الغفلة. وهذا كذلك من مواضع الإساءة، أن الكثير من الناس، ظن أن شهر رمضان، شمّر منافسة في أصناف الأطعمة، حتى صار ميزانيات البيوت في الأطعمة في شهر رمضان، تضعف على غيره من الشهور. والعجيب أنه شهر الصيام، وصار الطعام الذي يدهل به، أعظم من الطعام الذي يدهل بغيره، والطعام الذي يؤكل به، أعظم من الطعام الذي يؤكل بغيره. وليس هو يؤكل، فما أكثر ما يرمى من صنوف تلك الأطعمة. ويذهب سرخاً وخساراً، لا جود إلا لله. الإسراف والتبذير في كل وقت، وفي