المحاضرة بعنوان الفساد أسبابه وعلاجه، وكانت بمسجد السنة بالمكلا الجمعة ٢ جمادى الآخر ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشيد الشيخ بأهمية مجالس العلم في إصلاح المجتمع وأحوال الناس. يُبين أن الدين الإسلامي تكفل بإصلاح حال الإنسان في نفسه وأهله ومجتمعه.
يُبين أهمية التمسك بدين الله لتحقيق العزة والصلاح، ويحذر من انتشار الفساد والشر في المجتمع. يؤكد على ضرورة تعاون المصلحين لتحقيق الإصلاح.
يؤكد على أهمية الإيمان والتوحيد في تحقيق الإصلاح ومنع الفساد، ويبين أن فساد العقيدة هو أكبر سبب للفساد. يشير إلى أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
الإيمان الحقيقي يصلح الباطن والظاهر ويمنع من الرذائل. قوة إيمان الفرد والمجتمع من أعظم أسباب الإصلاح، حيث يحث على حب الخير ويمنع من الظلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، إننا نحمد الله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى. ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء بما هو أهله على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. معاشر المسلمين، عباد الله، إن من نعم الله سبحانه وتعالى علينا أن من علينا بمثل هذه المجالس الطيبة المباركة، مجالس العلم ومذاكرته. وأن يقذف الله عز وجل في قلوبنا ويعيننا على أجسادنا وجوارحنا أن نقبل على مثل هذه المجالس، وأن نجتمع في بيت من بيوت الله نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع الذي يعيننا بإذن الله تعالى على العمل الصالح. وبادئ ذي بدء، أشكر إخواننا في هذا المسجد الطيب المبارك على حرصهم على مثل هذه المجالس المباركة، وإحيائهم وإعمار هذا المسجد المبارك بمثل هذه المجالس الطيبة، مجالس العلم. وهي من نعمة الله عز وجل العظيمة، ومن أبواب الخير والبر الكبيرة التي ينبغي أن يتعاون عليها أهل هذا الدين، وأن يتعاضد بعضهم مع بعض، إذ فيه سبب عظيم يصلح الله عز وجل به العبادة والبلاد. ونشكر كذلك أخانا أبو الحسن حفظه الله تعالى على كلمته الطيبة النافعة. أسأل الله عز وجل أن يبارك فيه ويزيده توفيقا وسدادا. أيها الأحبة، سمعتم وعلمتم موضوع هذه الكلمة في هذه الليلة، فيما اختاره بعض إخوانكم أن يكون مجلسنا في مذاكرة موضوع مهم من المواضيع الهامة التي لا يستغني عنها مسلم في نفسه، ولا في أهله وولده، ولا ما يتعلق بمجتمعه في عاجل أمره وآجله. أمر يتعلق به صلاح المعاد والمعاش، أمر يتعلق به صلاح الدنيا والدين. تناولت الأدلة الشرعية من جوانب كثيرة، وجاء معناه في نصوص الكتاب والسنة بأدلة عديدة. هو هذا الداء الذي لطالما شكت منه الأمم، الفساد الذي لم تسلم منه أمة من الأمم، ولم يسلم منه مجتمع من المجتمعات. ولكن الأمر بين مقل ومكثر. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. من الله عز وجل علينا بهذا الدين العظيم الذي تكفل بإصلاح حال هذا الإنسان في نفسه، وفي أهله وولده، وفي مجتمعه. كيف لا وهو منزل من عند الله سبحانه وتعالى الحكيم العليم اللطيف الخبير الذي خلق الخلق سبحانه وتعالى، وعلم ما يصلحهم. وهو القائل جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ومن مذاكرة العلم، مذاكرة مثل هذه المواضيع، فلعل متكلما أو سامعا ينتفع بكلمة مما وعظنا الله بها في كتابه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، فيصلح بها نفسه، أو يصلح بها أهله، أو يصلح بها ولده، أو يصلح شيئا مما يستطيعه في مجتمعه. وهذا معنى ومطلب من مطالب هذا الدين. فالله سبحانه وتعالى لم ينزل كتبه، ويرسل رسله عليهم الصلاة والسلام إلا ليصلح بهم سبحانه وتعالى، ليخرجهم من الظلمات وهي معاني من معاني الفساد إلى النور، ليخرجهم من الظلال وهي معاني من معاني الفساد إلى الهدى، ليأخذوا بأيدي الناس من طريق الإعوجاج وهو معنى من معاني الفساد إلى طريق الاستقامة، ليخرجوا الناس من عبادة الناس وعبادة المخلوقين إلى عبادة الله عز وجل رب العباد، وهذا معنى من معاني الفساد. ليخرجوا الناس من عباداتهم لشهواتهم وسقوطهم خلف اتباع ملذاتهم حتى غشت الأبصار وعمت القلوب وطاشت العقول إلا من رحم الله. وكل هذا وغيره من الفساد الذي أنزل الله عز وجل في هذا الدين من العلم والهدى ما هو كفيل لإصلاحه. وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. بعث النبي صلى الله عليه وسلم في أمة غاية في البعد والضلال، يتخبطون في أنواع الظلالات والظلمات، ظلالات وظلمات الشرك والكفر والوثنية. ولا يخفى ولا كذلك يبعد كل ما يتصور مما يدخل تحت هذه المعاني العظيمة. بعث النبي صلى الله عليه وسلم في أمة غاية في الجهل، وغاية كذلك في الفخر والخيلاء حتى بغى بعضهم على بعض، وعدى بعضهم على بعض، وسفك بعضهم دم بعض. فسبكت الدماء بما لا يعلم له نظير، وانتهكت الأعراض، وبغي على الأموال. كل هذا وغيره كثير مما كان في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا من الفساد الذي ابتلي به ذلكم الزمان. وفي فترة وجيزة وسنوات قليلة، أصلح الله عز وجل بنبيه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلكم المجتمع، بما بعث الله عز وجل به نبيه ورسوله مما أنزل عليه من العلم والهدى، مما كان من أحكام الله عز وجل المحكمة وتشريعاته المتقنة التي هي كفيلة بإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن طريق العوجاج إلى طريق الاستقامة. فأصلح الله عز وجل به عقائد الناس، وأصلح الله عز وجل به عبادات الناس، وأصلح الله عز وجل به معاملات الناس، وأصلح الله عز وجل به أخلاق الناس. حتى كأن الناس ليس هم الناس الذين كانوا قبل الرسالة والنبوة، حتى كأن ذلكم الزمان ليس هو الزمان الذي كان قبل الرسالة والنبوة، حتى كأن المكان ليس هو المكان الذي كان قبل الرسالة والنبوة. وهذا إن دل على شيء، معاشر المسلمين، دل على عظيم فضل الله عز وجل على أهل هذا الدين، بما أنزل فيه من العلم والهدى ما هو كفيل لإصلاح الناس. إنهم صدقوا في الإقبال عليه، وإلا فأولئك خير مثل لنا. الناس هم الناس، والزمان هو الزمان، والمكان هو المكان، ولكن الفرق أن هذا كان كافرا وصار اليوم مسلما، أن هذا كان مشركا فصار اليوم وحدا، أن هذا كان يوما من الأيام فاسقا فاجرا عاصيا، وصار بفضل الله عز وجل ومنته طائعا تقيا بارا مبرا، يحرص على كل خير وفضيلة، ويتبع كل حسنة ومبرة. فعند ذلك غير الله عز وجل من أحوالهم، وأصلح من أمورهم. حتى كان ذلكم المجتمع الذي لا يعرف له نظير في تاريخ البشرية، ضربوا أروع الأمثلة في الصدق والأمانة والوفاء، وضربوا أحسن معالم القدوة في تحقيق العقيدة والعبادة، وحسن المعاملة. وضربوا كذلك أعظم مثال لحقيقة القوة في فترة يسيرة، ملك العرب الذين كانوا يرعون الشاة والبعير، ملك فارس والروم. وأعظم من ذلك، بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، وتوفاه الله عز وجل وهو ابن ثلاث وستين سنة. عشر سنوات عليه الصلاة والسلام مكية في مكة يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل وعبادته، ودين الله جل وعلا وشرعه. وثلاثة عشر سنة مكية في المدينة، وقيل غير ذلك بتقديم وتأخير. وفي هذه الفترة الوجيزة، غير الله عز وجل من أحوال الناس الشيء العجيب، وملك الله عز وجل هؤلاء الممالك الكبار التي ما كان يتصور أحد منهم أنه يملك مدينته أو بلدته، فضلا أن يبلغ ملك أهل هذا الدين هذا المبلغ العظيم. مملكتان عظيمتان اشتهرتا في ذاك الزمان، مملكة فارس والروم. ملك الله عز وجل أهل هذا الدين هاتين المملكتين جميعا. وأعظم من ذلك، حتى بلغ ملك أهل الإسلام في فترة وجيزة مبلغا يبلغ أقصى المشرق وأقصى المغرب، وأقصى الشمال وأقصى الجنوب. لم يعرف في تاريخ البشرية من أول عهدها إلى يومنا هذا أن ملكا لدولة من الدول بلغ ما بلغ ملك أهل الإسلام. لأجل أن نعلم أن عزتنا حقيقة، معاشر المسلمين، تكمن في هذا الدين العظيم. وأن صلاحنا يكمن في التمسك بأحكام هذا الدين. ورضي الله عن عمر أمير المؤمنين إذ يقول: "إن قوما أعزنا الله بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله". وصدق رضي الله عنه، أرضاه. متى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. فإذا علمنا ذلك، لم يصبنا شيء من اليأس، ولا القنوط، ولا كذلك الإحباط. إذا رأينا الشر والفساد قد انتشر في زمن من الأزمنة، أو في بلد من البلاد، أو في فترة من الفترات. فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. كان الشر والفساد قد بلغ منتهى. كما ثبت بصحيح مسلم وغيره، أن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض، عربهم وعجمهم، فمقتهم. يعني أبغضهم لما رأى من عظيم الشر والفساد فيهم. وعند ذلك بعث رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد فترة من الرسل، حين كان الشر والفساد في الأرض على أقصى ما بلغ. بعث الله عز وجل نبيه ورسوله عليه الصلاة والسلام، ليجدد للناس أمر دينهم، وليردهم إلى عبادة ربهم سبحانه وتعالى. فأصلح الله عز وجل به ما علمنا. وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فإذا شعرت بكثرة الفساد، وتسلط أهل الشر والبغي والعناد، لا يضير كذلك، ولا يدخل في قلبك اليأس والقنوط. فقد كان الشر والفساد قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ منتهى. ومع ذلك، الله عز وجل القدير سبحانه وتعالى، أصلح بنبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم ما قد علمنا. معاشر المسلمين، عباد الله، نحن نتألم، ويتألم الكثير من الخيرين من كثرة الفساد في الأرض. فساد دخل في جوانب الحياة جميعا. عرفه العارفون كل بحسب معرفته وخبرته ودرايته. فساد دخل في عقائد الناس، وفي عباداتهم، وفي معاملاتهم، وفي أخلاقياتهم وسلوكياتهم. وفساد طرأ في أحوال الناس الاجتماعية، حتى حصل من التمزق والتفرق، ومن التناحر والبغي، ومن معاني الفتن ما ظهر منها وما بطن، ما هو نذير شر عظيم. لولا لطف الله سبحانه وتعالى. ويعرف الكثير من هذا أهل الدراية والمعرفة. وهكذا فساد في جوانب اقتصادية، وجوانب كثيرة من جوانب الحياة. يتألم الخيرون، وحق لهم أن يتألموا. ويخاف المصلحون، وحق لهم أن يخافوا. والله عز وجل قد أنذرنا وحذرنا من خطر انتشار الفساد، وعظيم شؤمه على المجتمع في عاجل أمره وآجله. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وفي الصحيحين، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث المشهور، أنه قام ليلة من الليالي فزعا، فقال: "ويل للعرب من شر قد اقترب. لقد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه". وأشار إلى الإبهام والتي تليها. فقالت له امرأته: "أنهلك يا رسول الله وفينا الصالحون؟" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم، إذا كثر الخبث". فإذا كثر الخبث، معاشر المسلمين، نخشى أن يعمنا الله بعقاب وعذاب من عنده. ولا يغتر أحد بصلاحه، ولا يظنن أحد أن الله يحفظه بطاعته. إذ هذا لا يكفي في منع العذاب والعقاب. ولكن المطلوب أن يتعاون الخيرون، ويتكاتف المصلحون في جميع جوانب الحياة. يأخذ بعضهم بيد بعض، بلسان الحال ولسان المقال، حسا ومعنا، بما يكون به دفع ذلك الشر والفساد، والأخذ بيد الأمة إلى ما فيه الصلاح والإصلاح. بهذا يسلم المجتمع، ويسلم الخيرون والصالحون. إنهم أصلحوا وحرصوا واجتهدوا وبذلوا وسعهم في دفع ذلكم الشر والفساد. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. وتأملوا وتدبروا قوله سبحانه وتعالى: ﴿مُصْلِحُونَ﴾. ولم يقل: "صالحون". فلا يكفي أن يوجد بالمجتمع من هو صالح إذا كثر الخبث وانتشر الشر والفساد. ولكن نرجو أن الله يحفظ هذا المجتمع إذا وجد فيه من أهل الصدق من يجتهد ويبذل الوسع في الإصلاح. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. أن يحرصوا على الإصلاح. وفي الصحيحين، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، أرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "مثل القائم بدين الله والواقع في حدوده، كمثل قوم كانوا في سفينة. فكان قوم في أعلاها، وقوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا رادوا الماء، صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: لو أننا لم نؤذ من فوقنا، وخرقنا في نصيبنا خرقا". قال عليه الصلاة والسلام: "فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا. ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعا". فنحن في هذا المجتمع، معاشر المسلمين، كأولئك في تلك السفينة. إذا لم يأخذ الصالح بيد الطالح، غرقت سفينتنا. إذا لم يجتهد ويبذل الوسع من عرف مواضع الشر بسده ودفعه، لهلكت سفينتنا. ولهذا كان من أعظم ثوابت هذا الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان من أعظم ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى كاد الدين يجتمع عليه النصيحة. بذل النصيحة كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث تميم الدارى المشهور في صحيح مسلم وغيره: "الدين النصيحة". وفي رواية خارج الصحيح: "كررها ثلاثا: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة". قالوا: "قلنا لمن يا رسول الله؟" قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". والله عز وجل يقول بكتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فخيرية هذه الأمة، عباد الله، بتحقيق هذا الواجب، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقول ربنا سبحانه وتعالى بكتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. ثم ذكر طاعة الله عز وجل، وقال: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. فالقيام بهذا الواجب مما يتحقق به الإيمان، ومما ينال به رحمة الله في الدنيا وفي الآخرة. ولهذا صار أثر هذا الفساد يعم جميع من في المجتمع. الجميع يكتوي بناره، والجميع يتألم من حره، والجميع يشكو من بأسه. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. حتى لا يقل قائل: "المصيبة لم تقع مني حتى أبتلى بها". الجواب: "وقعت من غيرك، فلم تنكر ولم تنصح". بل ربما تعديت السكوت الذي قد يكون في موضع من المواضع، دما ومعصية وتقصيرا وخورا إلى ما هو أعظم من التعاون على الإثم والعدوان. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء. علمه من علمه، وجهله من جهله". وهذا يتناول الأدواء الحسية والأدواء المعنوية. وهذا يتناول الأدواء فيما يتعلق بأمر المعاد، أو ما يتعلق بأمر المعاش. وهذا يتناول الأدواء فيما يتعلق بأمر الدين، أو أمر الدنيا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وفي حديث سلمان بصحيح مسلم، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه عليه الصلاة والسلام: "ما من شيء يقربهم إلى الله إلا وعلمهم إياه". فأنزل لهم من العلم في كل شيء. حتى قالوا لسلمان، وقيل في بعض الروايات أن المعترض يهودي أراد التنقص، فقال: "علمكم كل شيء حتى الخراءة؟" قال رضي الله عنه: "حتى الخراءة. أمرنا أن لا نستجمر بأقل من ثلاثة، وأن لا نستجمر بأيماننا". فدين تناول هذه الشمولية العظيمة، حتى لم يدع شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وأنزل الله عز وجل لنا فيه من العلم ما أنزل. وفي صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته إلى خير ما يعلمه لهم، وأن يحذرهم من شر ما علمه لهم". فهو حق أمر الله عز وجل به، وفرضه. مع أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يكتمون شيئا من العلم، ولكن هذا من باب التأكيد. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. لأجل أن نكون على يقين، معاشر المسلمين، أن ما من داء نشك منه إلا والعلاج موجود في هذا الدين العظيم. فما علينا إلا الإقبال عليه بتعلمه وتدبره، وصدق العمل به، بما يكون به وضع الدواء فيما يحتاجه الداء. أسباب الفساد، عباد الله، كثيرة وعديدة، بكثرة مسميات الفساد وأنواعه وأبوابه. فلو ذكر ما جاء في مباحث التوحيد والعقيدة، فضلا عن العبادة، فضلا عن المعاملة، فضلا عن الأخلاق والسلوك، فضلا عن جوانب الحياة الأخرى الكثيرة من اجتماع واقتصاد وإدارة وغير ذلك. لا علمنا كثرة مواضع الفساد، وبه نعلم كثرة أسبابه وموارده. وحسبنا في هذا المقام اليسير، وهذا المجلس المختصر المقتصر، أن نتذاكر أهم هذه الأسباب. يعيننا ذلك على أن يقوم كل واحد منا بما يقدر عليه، مما أوجبه الله عز وجل عليه في التزديد والمقاربة، والقيام بما يجب من الإصلاح، والتعاون على البر والتقوى. لنعلم عباد الله أن أعظم فساد تفسد به الدنيا والآخرة، دنيا الناس وآخرتهم، هو أمر فساد العقيدة. إذ فساد العقيدة سبب لدخول كل شر وفساد. ولهذا قال من قال من أهل العلم: "ليس بعد الكفر دم". إذا وقع الكفر، فتوقع كل شر وفساد. فهو مفتاح كل شر وفساد. ولهذا كان من أعظم أسباب الفساد وجود الكفر وأهله. وهو يتناول جميع معاني الكفر من شرك ومشركين، وكفار وأهل كفر، ومواضع كفر، ونفاق ومنافقين، وغير ذلك من المعاني الأخرى. يغضب الله من فوق سبع سماوات، وتفسد الأرض وتفسد البحار، بما يكون من فساد الخلق. وعند ذلك يعم الفساد، لأن أسباب الفساد تجتمع بحصول هذا الأمر العظيم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. عباد الله، كما سمعتم، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. جاء بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لما نزلت هذه الآية، شق ذلك على الصحابة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟" فقال عليه الصلاة والسلام: "ألم تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾". فإذا علمنا ذلك، علمنا عباد الله أن المرأة في نفسه، وفي أهله وولده، ومجتمعه، يجد من الأمن، ومن معاني الرخاء والعيش الطيب الذي يرجوه، بقدر ما يكون من تحقيقه لإيمانه بربه سبحانه وتعالى، وتوحيده لخالقه. فإن من أعظم ثمرات التوحيد وتحقيق الإيمان، ما يكون من رغد العيش وطيبه، وأمنه واطمئنانه في الدنيا، فضلا عما يعده الله عز وجل لأهله في الآخرة. ولهذا فالناس يتفاوتون في هذا الباب، بتفاوت الإيمان. والأمر كما سمعنا في هذه الآية، ومعناها كثير في أدلة الكتاب والسنة. ويتأكد هذا، معاشر المسلمين، إذا علمنا أن حقيقة الإيمان في هذا الدين، يتناول الظاهر والباطن، والقول والعمل. فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وستون شعبة". وفي رواية: "بضع وسبعون شعبة". أعلاها قول: "لا إله إلا الله". وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من شعب الإيمان. لذلك، عباد الله، إذا حقق الناس، وتحقق الإيمان في قلوبهم، تحقق ذلك في واقع حياتهم. فيجدون من معاني الإصلاح ما لا يعلم له هذا الإنسان نظير فيكون المؤمن الحقيقي في المجتمع بذرة صالحة، ونبتة طيبة. كما قال الله عز وجل، ضاربا المثل العظيم: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. فهو قد علم أن إيمانه يأمره بالإصلاح والإحسان والبذل. فهو يتنازل عن دنياه لأجل أن يصلح آخرته. بل ويتنازل عن شهواته وملذاته لرضى ربه سبحانه وتعالى وخالقه. ومن ذلك أن يؤثر الخير لغيره، إن رأى أنه أحق به، لأن دينه يأمره بذلك. ومن كان هذا حاله، فليس في قلبه مكان للشح، ولا مكان للبخل، فضلا أن يكون في خلقه شيء من الخيانة أو الغش أو المكر أو الخداع. لأن الإيمان الحقيقي يصلح الباطن، ويصلح الظاهر. وعند ذلك لا تسأل عن الخير الذي يأتيه، ويأتي من قبله. فهو لا يحتاج إلى من يراقبه، إذ هو يراقب الله سبحانه وتعالى. لو كان الناس جميعا، دخل الإيمان في قلوبهم على الوجه الذي أراده الله منهم، والله لم يحتج المجتمع إلى قانون، ولا إلى شرطة، ولا إلى سجن، ولا إلى تأديب. إذ كفى بالإيمان بالله عز وجل مربيا، ومهذبا، ومزكيا، ومصلحا. يحصل من معاني الإصلاح ما لا يخطر ببال. أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"؟ أين هذا؟ هذا صار في عرف الكثير من الناس كأنه شيء من الخيال، كأنه حبر على ورق. لم يعرفه الكثير من الناس إلا من رحم الله. "من غشنا فليس منا". أي معاشر المؤمنين، لو صدق المؤمنون في إيمانهم، ما وجد غش لا في قليل ولا في كثير. ما وجدت خيانة، ولا خداع. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ولا يحقره". إلى أن قال: وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى فؤاد وقلب نفسه، محذرا ومبينا أن يحصل من المؤمن ما يخدش قلبه وتقواه. فقال: "التقوى ها هنا". يشير إلى قلب نفسه. "التقوى ها هنا". بحسب امرئ من الشر أن يظلم أخاه المسلم. من تبلغه مثل هذه الوصايا، ويحققها، هل يكون مصلحا أو مفسدا؟ يكون مصلحا. يصلح الله عز وجل به إصلاحا عظيما. ولهذا كان من أعظم أسباب الإصلاح قوة إيمان الفرد والمجتمع. لو بذل الراعي والرعية لإصلاح المجتمع نصف المبذول من الجهود الحسية والمعنوية في إصلاح إيمان الناس، والله لصلح المجتمع. إذ الذي يصلح المجتمع حقيقة هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى. أن يعرف الناس حقيقة العلم، وحقيقة الإيمان، وحقيقة الهدى، وحقيقة الاستقامة، وحقيقة الإسلام، وغير ذلك مما دعا الله عز وجل إليه بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم بسنته. وفي حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". كم من المسلمين من لم يسمع هذا الحديث؟ وكم منهم ممن سمعه لم يفكر بالعمل به؟ وكم منهم ممن لم يجد من يذكره لا بعلم ولا بعمل. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم". ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكررها في حجة الوداع ثلاث مرات، يخطب بها في الناس: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". يريد أنه أعظم حرمة من حرمة الشهر الحرام، شهر ذي الحجة. وأعظم حرمة من حرمة البلد الحرام، أي مكة. وأعظم حرمة من حرمة اليوم الحرام، وهو يوم عرفة، ويوم العاشر من ذي الحجة. فقد كرر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الخطبة في يوم عرفة، وفي يوم منى، في اليوم العاشر. ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما عند الترمذي، بإسناد صحيح، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، أرضاه: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه". كم من الناس من يقول: "أنا مؤمن". ولكنه ما عرف حقيقة الإيمان؟ وكما يروى عن الحسن البصري: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل". لو تكاثفت الجهود، جهود الراعي والرعية، في تعريف المجتمع بحقيقة الإيمان، وبذل الأسباب الكثيرة لتقوية إيمان المسلمين، والله لوجد المجتمع الخير الكثير. تجد المؤمن في السوق، وتجده في العمل، وتجده يسبقك إلى المسجد، وتجده يحفظ عليك مالك، ويحفظ عليك عرضك، ويحفظ عليك دمك. ما تحتاج أن تحفظ أنت عن نفسك دمك ومالك وعرضك. بل أخوك يحفظ لك ذلك. كما كان الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم يقولون، حين رأوا بعد أن فتح الله عز وجل على المسلمين البلاد الكثيرة، ودخل فيها من ضعف إيمانه وقل علمه وحدث إسلامه. فكان عندهم من الجهل وقلة العلم وعدم معرفة اللغة وقلة العمل مع حداثة الإسلام ما كان معه من النقص والمعاصي ما كان، ومن قلة الأمانة ما كان.