الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلم

الدرس في الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلم، محاضرة بزغفة - 30 ربيع أول 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيمان بالقدر

يبدأ المقطع الأول بتوضيح أهمية الإيمان بالقدر كأحد أركان الإيمان، مشيرًا إلى المرتبة الأولى وهي العلم السابق لله بالأشياء. الإيمان بالقدر يتطلب الإيمان بعلم الله السابق وكتابته لها.

مراتب القدر وأدلتها

يتناول المقطع الثاني مراتب القدر ومنها الكتابة والإيمان بمشيئة الله، ويبين أن العلم الإلهي والكتابة لا تنافي أفعال العباد واختيارهم، مستندًا إلى أدلة شرعية.

الإرادة الكونية والشرعية

يفسر المقطع الثالث الفرق بين الإرادة الكونية التي تشمل كل ما يحدث في الكون، والإرادة الشرعية التي يحبها الله وقد تقع أو لا تقع، ويبين أن كل ما يحدث يقع بمشيئة الله.

خلق أفعال العباد والإيمان بالقضاء

يشرح المقطع الرابع مفهوم الإيمان بالقضاء والقدر، ويبين أن الله خلق العباد وأعمالهم، ويوضح أن الاستدلال بالقدر على المعصية يستوجب العقاب مرتين، منتقدًا الجبرية والقدرية النفاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، نحمده جل وعلا على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونحمده جل وعلا على ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذه النعمة العظيمة التي هي من أخص وأعظم وأجل نعم الله سبحانه وتعالى. ونحمده جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء بإخواننا في هذه البلدة الطيبة وفي هذا المسجد المبارك، نجتمع على «قال الله» و«قال رسول الله» صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك أيضا من عظيم ما أنعم به علينا وخصنا به سبحانه وتعالى. ونشكر إخواننا في هذه البلدة الطيبة وهذا المسجد المبارك على حرصهم لمثل هذه المجالس، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا عند حسن ظنهم. وموضوع المحاضرة كما سمعتم هو حول القدر أو القضاء والقدر وأثره على المسلم أو على حياة المسلم. هذا الموضوع في الحقيقة موضوع عظيم وتتناول تفاصيل ومباحث كثيرة وتتشعب كذلك مسائله، ولكن حسبنا منه ما ذكر في عنوان هذه الكلمة التي اختارها إخواننا في هذا المسجد الطيب المبارك. فإن القضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان التي جاءت أدلة الكتاب والسنة بالأمر بالإيمان بها، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه عمر رضي الله تعالى عنه، وجاء معناه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة عمر رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر رضي الله تعالى عنهم في قصة جبريل عليه الصلاة والسلام حين جاء يعلم الناس دينهم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، ومن ذلك أنه أجاب عليه الصلاة والسلام: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره». فإن من الإيمان الإيمان بالقدر أن نؤمن بالقدر خيره وشره كله من الله سبحانه وتعالى، فلا يتم إيمان مؤمن إلا بالإيمان بالقدر. وأدلة ذلك كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الإيمان بالقدر دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة واستقراء علماء الأمة أنه لا يتم الإيمان به حتى يؤمن بأربع مراتب من مراتب القدر. فإن الإيمان بالقدر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على درجتين، وكل درجة فيها مرتبتان. فأما الدرجة الأولى ففيها مرتبة العلم والكتابة. من الإيمان بالقدر أن نؤمن بعلم الله عز وجل السابق للأشياء، أن الله جل وعلا علم بالأشياء قبل وجودها، وعلم سبحانه وتعالى حين توجد كيف توجد وما يكون من أمرها. فهو سبحانه وتعالى يعلم بالشيء قبل أن يكون كيف يكون يوم يكون، وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم. إن من مقتضى الإيمان بعموم علمه سبحانه وتعالى وسعته أن نؤمن أن الله عز وجل قد علم تفاصيل الأشياء قبل وجودها، وهذا من كمال ربوبيته جل وعلا. فإن الإيمان بالقدر من الإيمان بالربوبية، فإثبات القدر إثبات لكمال ربوبية الرب جل وعلا، ونفي القدر أو تعطيله نفي لكمال ربوبية الرب جل وعلا أو تعطيله. ولهذا صار القدر من أركان الإيمان لما تعلق به من مباحث الربوبية المتعلقة بكمال ربوبية سبحانه وتعالى. وروي عن إمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «القدر القدرة». وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى فيما رواه عبد الله بن أحمد: «بالسنة أن القدر ما قدره الله سبحانه وتعالى». وهذا كله يرجع إلى ربوبية الرب سبحانه وتعالى. فإن من يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا أوجب عليه ذلك أن يؤمن بكل معاني الإيمان في هذه الأصول الثلاثة. فإن من آمن بالله ربا لزمه أن يؤمن بكل معاني ربوبية الرب جل وعلا من كماله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، لأنه الرب لا رب غيره ولا معبود سواه سبحانه وتعالى. فكل ما كان من أفعاله جل وعلا تثبتها له على أكمل الوجوب وأتمها وأحسنها، ومن ذلك العلم والقدرة. فإن من علم أن الله جل وعلا بكل شيء عليم، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله جل وعلا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم جل وعلا، وهو بكل شيء عليم. إن من آمن بذلك لزمه أن يؤمن بالقدر. ومن الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله عز وجل السابق، أن الله جل وعلا علم بالأشياء قبل وقوعها سبحانه وتعالى جملة وتفصيلا، علم ما يكون من أمر المخلوقات على كثرتها وعظيم سعتها وتفاوت أزمانها وأماكنها. فكل ذلك علمه سبحانه وتعالى جملة وتفصيلا، فما من حبة ولا ورقة ولا قطرة في سماء ولا حي ولا ميت في بحر أو أرض إلا وقد علم أمره سبنه وتعالى، وما يكون يوم يكون كيف يكون، وإلى أي شيء ينتهي أمره. وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم. ومن ذلك أعمال العباد وأفعالهم، علمها الله عز وجل قبل وقوعها، وهو بكل شيء عليم جل وعلا. وعلمه بالأشياء قبل وقوعها لا يعني ذلك تعطيلا لأفعال المخلوقين كما ظنه من لم يفقه ويفهم دين الله سبحانه وتعالى. وباب القدر في الحقيقة سر الله تعالى، يعجز الإنسان على أن يحيط به علما أو أن يكشف ما خفي منه، وهو سر الله تعالى لأنه من الغيب، والغيب مما اختص الرب جل وعلا بعلمه، كما قال الله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. فكما أنك يا أيها الإنسان لا تشعر متى تبعث، بل لا تشعر متى تموت، فإنك من باب أولى أنك لا تعلم تفاصيل الكثير مما هو من علم الله سبحانه وتعالى. فلهذا كان القدر سر الله تعالى، ولم يكن في إمكان هذا الإنسان العلم به إلا ما أعلمه الله عز وجل به مما جاء من خبر الصدق عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا تظافرت الآثار الكثيرة عن عدد من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في النهي عن الخوض في باب القدر، النهي عن الخوض فيه محاولة لكشف السر، وهو ليس في الإمكان. أو كذلك الخوض في القدر فيما يتعلق بضرب الأدلة بعضها ببعض والاعتراض عليها ومعارضتها، فكل ذلك مما نهي عنه بعمومات الكتاب والسنة، وما نقل عن عدد من سلف الأمة. فقد أثر عن عمر رضي الله عنه وعلي وابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة النهي عن الخوض في القدر. بل روي عن عمر رضي الله عنه كما روى اللالكائي في «أصول الاعتقاد» أنه توعد من خاض فيه بالضرب أو القتل بحسب ما يكون من خوضهم. وهكذا أثر معناه عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه. وآثار كثيرة رويت عن التابعين وأتباع التابعين في النهي عن الخوض في القدر، وذلك لأن الإنسان يعجز على أن يصل إلى ما لم يؤذن له بالوصول إليه، وما ليس له حيلة للوصول إليه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من مراتب القدر الكتابة، أن الله عز وجل أمر بكتابة الأشياء قبل وقوعها. فقد جاء عند أحمد وغيره من حديث عبادة رضي الله تعالى عنه، ومعناه من حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح، وقد صححه غير واحد من الحفاظ، وذكره العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله القلم، وقال له: أكتب. قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». «أكتب ما هو كائن» أي ما يكون ويقع من أمر خلقه إلى يوم القيامة. فإن الله عز وجل أمر بكتابة الأشياء قبل وقوعها. وكما قال سبحانه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. فالله عز وجل أمر بكتابة الأشياء قبل وقوعها. ويجب على المسلم أن يؤمن بذلك بأمر الكتابة التي أمر الله عز وجل بها من أحوال الناس وأفعالهم، وكذلك تفاصيل ما يكون منهم. فكل ذلك قد كتب وكتبه الله جل وعلا، لأنه علم، ولأنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء سبحانه وتعالى. وهو الخالق لهم. والله يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فإن الذي خلق الخلق يعلمهم، ويعلم ما يصلحهم، وهو كذلك يعلم ما يكون منهم. وهذا من كمال ربوبيته جل وعلا، أنه لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه سبحانه وتعالى. وهذا العلم وهذه الكتابة لا تنافي أعمال العباد واختيارهم فيها. كما سيأتي، فإن الله جل وعلا قد أخبرنا بالنص الصريح الصحيح في كتابه، بل نصوص كثيرة، وهكذا كذلك في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، أن العبد يعمل وعمله باختياره، لا مكره له على عمله. وهذا كما دل عليه الدليل الشرعي، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فهذا الله عز وجل هدى هذا الإنسان السبيل، أي الطريق، يسير فيه إما أن يشكر فيفعل ما أمر الله عز وجل به من الطاعة، وينتهي عما نهى الله عز وجل عنه من المعصية، وإما أن يكفر فيخالف في ذلك. وهذا الاختيار الذي خير فيه هذا الإنسان يعمله كما دل عليه دليل الشرع. وهكذا يجده كل إنسان في فطرته، وهو كذلك يجده في الحس وواقعه. فإنه ما من عاقل من العقلاء إلا وهو يفرق بين فعل نفسه حين ينزل من السطوح، على سبيل المثال، فينزل في السلم خطوة خطوة، فيفعل ذلك باختياره وإرادته، وبين أن يسقط من على السطوح، فإنه يفرق. فالأول فعله باختياره، والثاني كان بغير اختياره. فإذا كان كذلك فهو من باب أولى وأحرى فيما يتعلق بطريق الخير وطريق الشر مما خير فيه هذا الإنسان. والله جل وعلا يقول: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي الطريقين الواضحين الظاهرين الذين لا يخفيان على أحد. فكل أحد يرى أمامه طريق الخير ظاهر واضح بين، كأنه نجد، أي كأنه أرض مرتفعة. وهكذا كذلك طريق الشر يراه أمامه ظاهر واضح بين، لا يخفى عليه منه شيء. بل من رحمة الله عز وجل ومن سعة فضله على خلقه وعظيم حكمته جل وعلا بهم، أنه سبحانه وتعالى جعل الأدلة الشرعية والأدلة الكونية، وهكذا كذلك الأدلة الفطرية التي يميز بها الإنسان بين الخير والشر والهدى والضلال والحق والباطل والطيب والخبيث. فقد أقيمت البراهين الكثيرة والدلائل المتنوعة الدالة لهذا الإنسان إلى طريق الخير والتحذير من طريق الشر. وليس هذا فحسب، بل جعل الله عز وجل من حكمته وعظيم فضله بخلقه جعل في فطرتهم باعث خير يميز به بين الحق من الباطل والهدى من الضلال. فتقوم بذلك الحجج، فإن عذب عذب ربنا جل وعلا وهو غير ظالم لعباده سبحانه، كما قال الله عز وجل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. أرسل الله عز وجل الرسل مبشرين ومنذرين، حتى لا تكون لأحد من الناس حجة على الله عز وجل بعد إرسال الرسل. أرسل الرسل وأنزل معهم كتبا، وقامت بذلك الحجج الشرعية الواضحة، والحجج كذلك الواضحة الأخرى بما يكون من أمره الكوني سبحانه وتعالى. وكل هذا يجعل هذا الإنسان في غاية من الظهور في بيان الحق من الباطل واختيار أحدهما. كما قال الله عز وجل على سبيل المثال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. هداهم الله عز وجل بأنواع الهدايات، هداية الدلالة والإرشاد، بأن أرسل إليهم رسولا. ولم يكن الله عز وجل يعذب أمة حتى يبعث في أمة وفيها رسولا، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فأرسل إليهم رسولا يهديهم ويدلهم ويرشدهم إلى طريق الهداية. وليس هذا فحسب، بل أيد رسوله الذي أرسله إليهم بما أيده من وحي السماء، وبما أيده من دلائل النبوة، وكذلك براهين صدق الرسالة، آيات كثيرة تدل أنه رسول الله حقا ونبي الله صدقا. ومع ذلك فكذلك جعل الله عز وجل في فطر هؤلاء ما يميزون به بين الباطل والهدى. وبعد هذا كله استحبوا العمى على الهدى، استحبوا العمى على الهدى. فأثبت ربنا جل وعلا أنهم استحبوا العمى ففعلوه باختيارهم وإرادتهم. فلا منافاة إذن -عباد الله- بين علم الله عز وجل السابق وبين كذلك أفعال العباد وأعمالهم واختيارهم. ولا منافاة بين كتابة الأشياء قبل وقوعها وبين أفعال العباد واختيارهم. فهم يفعلون ويختارون، والله عز وجل العظيم لكمال ربوبيته سبحانه وتعالى علم ما يفعلون. وهكذا كذلك أمر بكتابة ما يفعلون، وهو بكل شيء عليم. ومن مراتب القدر كذلك الإيمان بمشيئة الله سبحانه وتعالى نافذة، أن ما شاء الله يكون، فما شاء الله كان، وما شاء الله فإنه لابد أن يكون. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ﴾. فما شاء الله فإنه لابد أن يكون، وهو سبحانه وتعالى فإنه لابد أن يكون في ملكه جل وعلا إلا ما يشاء. فإنه لابد أن يكون في ملكه جل وعلا إلا ما يشاء. ولا يكون في ملكه إلا ما يريد من الإرادة الكونية المرادفة لمعنى المشيئة. فإذا أراد الله عز وجل شيئا قال له: «كن فيكون». ولم يكن في ملكه وفي خلقه سبحانه وتعالى شيء إلا ما يأذن الله عز وجل به، لأنه الخالق لهذا الكون والمدبر له والموجد له والممد له بسائر أنواع الإمدادات. فهو سبحانه وتعالى لما كان الخالق لا خالق معه، ولما كان الرب جل وعلا ولا رب سواه، كان من لوازم معاني ربوبيته جل وعلا أنه لا يكون في ملكه إلا ما يريده ويشاء سبحانه وتعالى. لا يمكن أن يقع في ملكه ما لا يريده ولا يشاءه. فلو كان كذلك لكان ذلك مقتضيا لوجود إله آخر يقضي في ملكه سبحانه وتعالى ما يقضي. والله جل وعلا قد نفى ذلك عن نفسه سبحانه وتعالى. والأدلة الشرعية وغيرها من أنواع الدلائل كلها تدل أنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر ولا رب إلا الله سبحانه وتعالى. فلذلك لا إله يعبد إلا هو جل وعلا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾. فالله جل وعلا الذي خلق ما خلق هو سبحانه وتعالى الذي يستحق أن يعبد. فكما أنه لا خالق إلا هو جل وعلا، فكذلك لا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى. فكذلك يقالها هنا: لما كان الله جل وعلا هو الخالق وحده، وهو الرب جل وعلا وحده، كان من لازم ذلك أنه جل وعلا لا يكون في ملكه وفي خلقه إلا ما يشاء جل وعلا، وأن ما شاءه سبحانه وتعالى لا بد أن يكون. وهذا لا ينافي أفعال العباد كذلك واختيارهم، لأن العبد يفعل ويختار، ولكن لكمال الرب جل وعلا في ربوبيته لا يخرج فعل العبد واختياره عن مشيئة الرب سبحانه وتعالى. لا يخرج اختياره عن مشيئة ربه سبحانه وتعالى. مهما فعل العبد فإن فعله تابع لمشيئة الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وهنا يكمن سر القدر. فإن الله جل وعلا الذي خلق الخلق يعلم جل وعلا ما يكون منهم سبحانه وتعالى. وكونه يعلم ما يكون منهم كان ذلك مقتضيا أن مشيئتهم تابعة لمشيئته. فهو لا يأذن أن يكون في ملكه إلا ما يشاء. وبه تعرف الفرق بين إرادته الشرعية التي يحبها ويرضاها ويريدها لعباده وخلقه، وهي قد تقع وقد لا تقع. فهو يريد لعباده الإيمان والإسلام والضاعة والإحسان، ويكره لهم الكفر والفسوق والعصيان، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. وهكذا كذلك تعرف الفرق بين هذا وبين الإرادة الكونية، وهو ما لا بد أن يكون مما يريده سبحانه وتعالى في هذا الكون. ومنه ما يحبه ويرضاه، ومنه ما لا يحبه ولا يرضاه، ولكنه يكون في كونه بمقتضى حكمته سبحانه وتعالى. يكون في ملكه الخير والشر، وكل ذلك يقع بإذنه سبحانه وتعالى ومشيئته، وهو يكون بمقتضى حكمته سبحانه وتعالى. شاء الله عز وجل أن يقع في الأرض الإيمان والكفر والطاعة والمعصية والخير والشر والبر والإثم والحق والباطل وأهلهما. شاء ذلك سبحانه وتعالى لحكم كثيرة من هذه الحكم، أن الله عز وجل يبتل الناس بذلك في هذه الدنيا، فيكون الناس على صنفين: فريق في الجنة وفريق في السعير. ولله حكم أخرى. ومن هذه الحكم أن الله عز وجل يقيم بهذا الحجج على خلقه، فمن أثاب أثاب بفضله، ومن عاقب عاقب بعدله. من أثاب أثاب بفضله، ومن عاقب عاقب بعدله سبحانه وتعالى. هذا الكافر الذي علم الله عز وجل كفره سبحانه وتعالى، لو لم يعمل الكفر لو عذب لظن أنه عذب ظلما وعدوانا. والله عز وجل لكمال ربوبيته جل وعلا قد علم من يؤمن ممن يكفر، ومن يطيع ممن يعصي. فكان من مقتضى حكمته أن أذن بوقوع الإيمان والكفر وبوقوع الطاعة والمعصية حكمة منه سبحانه وتعالى، وتقوم بذلك الحجة على المخلوقين. ومع ذلك تجد أن هذا الإنسان الذي وصفه الله عز وجل بالجهل، ووصفه جل وعلا كذلك بالهلع وبالظلم، تجده يجادل بعد ذلك يريد بعد هذا كله الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحا غير الذي كان قد عمل. فيقال له كما أخبر الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقد قامت عليهم الحجة بما كان من سابق فعلهم. وهذا من عظيم كمال الرب جل وعلا في ربوبيته سبحانه وتعالى. ويضرب العلماء مثلا يقربون به المعنى، ولله المثل الأعلى. وهذه إشارات لعل الله ينفع بها لما قد يقع في نفوس بعض الناس، خصوصا من جالس بعض أهل الأهواء أو بلغه شيء من كلام أهل الأهواء ممن ضل في باب القدر، سواء من ضل بإثبات أحد الإرادتين كالجبرية الذين يقولون: «الإنسان مسير» كالريشة في مهب الريح، وهم يثبتون بذلك الإرادة الكونية وينفون الإرادة الشرعية. أو ضد هؤلاء القدرية النفاة الذين يثبتون الإرادة الشرعية وينفون الإرادة الكونية، فيزعمون أن الإنسان يفعل ما يشاء ولا مشيئة لله عز وجل على فعله، أي على فعل المخلوق. وكل الطائفتين على ضلال وخطأ، بل بعضهم كفرهم العلماء، خصوصا من نفى العلم والكتابة، وهي الدرجة الأولى من درجتي القدر، كما نقل ذلك عن الإمام مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وغيرهم من العلماء. بل نقل معنى ذلك عن بعض الصحابة كابن عمر وابن عباس وجماعة. ومنه حديث ابن عمر الذي في صحيح مسلم حين قال له: «أخبر هؤلاء أنهم لن يقبل لهم عمل حتى يؤمنوا بالقدر». فالشاهد من هذا أن بعض الناس قد تطرأ عليه بعض شبه أهل الأهواء، والواجب على المسلم أن يكون عنده التسليم لما في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولهذا قد يحتاج العلماء لضرب الأمثال وتقريبها ليتضح المقام لبعض الناس. فمن لم تتضح له الأدلة الشرعية وضح له ذلك ببعض الأمثال المعقولة التي تقرب المعنى الشرعي. وبعض الواقع المضروب الذي يوضح كذلك هذه الأدلة الشرعية. وهذا المثل المضروب أنه مثل بأب له أبناء، فقال هذا الأب لامرأته: «فلان وفلان سيطيعون ويحسنون فيما آمرهم، وفلان لن يطيع ولن يمتثل ما آمره». ثم يجربون فيختبرون الأبناء بالأمر الذي قد عزموا عليه، فيستجيب لذلك من قال الأب أنهم يستجيبون ويمتثل ويعمل ما طلب منه، ولا يفعل مثل ذلك فيمن أخبر الأب أنه يقصر. فإذا لو عاقب هذا الأب هذا الابن المقصر عاقبه بعدل، ولم يكن له ظالما، فهو فعل ذلك وهو يستحق العقاب عليه. فلو أن هذا الابن زاد فاستدل على تفريطه وتقصيره بأنه قد سبق أن تكلم الأب مع أمه أنه سيعصي، فلماذا يعاقبه وقد تكلم قبل ذلك؟ لو قال مثل هذا الابن لاستحق هذا الابن العقاب مرتين: المرة الأولى لمخالفته ومعصيته لأمر أبيه، والمرة الثانية لكونه قد استدل وتعلق بما لا يصح الاستدلال والتعلق به. ولله المثل الأعلى، فإن الذي خلق الخلق سبحانه وتعالى يعلم ما يكون عليه أمرهم. فهو سبحانه وتعالى يعلم المحسن من المسيء والمهتدي من الضال والمستقيم من الزائغ والطيب من الخبيث قبل أن يبتليهم بأعمال العاملين. ولما ابتلاهم سبحانه وتعالى فكان عملهم، وكانت أعمالهم بمقتضى ما علم منهم سبحانه وتعالى وكتب وشاء. وكل أعمالهم لا تخرج عن علمه ولا عن كتابته ولا عما شاء سبحانه وتعالى. فمن أحسن فأثابه أثابه بفضله، ومن أساء فعاقبه عاقبه بعدله. فلو أن رجلا استدل بالقدر على معاصيه لاستحق العقاب مرتين: المرة الأولى لأجل معصيته، فهو يعاقب فيها وبها بعدل. والمرة الثانية لأنه استدل وتعلق بما لا يصح الاستدلال والتعلق به. وهكذا ضرب في هذا مثل آخر كرجل عنده عامل يعمل، وأراد أن يختبر أمانته أو العمال، فقال لشريكه: «فلان سيؤدي الأمانة، وفلان سيخون في الأمانة». فيمتحنون العمال، فيكون كما قال أحد الشريكين. وعلم هذا الشريك بخبرته وبكثرة اطلاعه على أحوال عماله، فأصاب في هذا العلم والخبر الذي أخبر به. فمن ظن به أداء الأمانة أداها، ومن كان غير ذلك خان الأمانة. فلما استحق العقاب والإحسان، وعلم الخائن بسابق خبر رب العمل وهذا الشريك، فاستدل على خطأه وخيانته، كان مستحقا للعقاب مرتين: المرة الأولى لخيانته، والمرة الثانية لمجادلته بالباطل واستدلاله وتعلقه بما لا يصح الاستدلال والتعلق به. وهكذا يقال لمن ضل في هذا الباب: أذان طيب. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فاتتماما لما سبق، وإن من المراتب التي يجب الإيمان بها المرتبة الرابعة، وهي أحد المرتبتين في الدرجة الثانية، وهي الإيمان بأن الله جل وعلا خلق العباد وخلق أعمالهم. فالخلق كله خلق لله، وأعمالهم مخلوقة لله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي والله خلقكم وعملكم، فالعاملون مخلوقون لله، وأعمالهم كذلك مخلوقة لله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ومن الشيء أعمال العباد وأفعالهم خيرها وشرها، والبر والإثم والطيب والخبيث، كل ذلك مخلوق لله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل خلق العباد وخلق أعمال العباد، ومن أعمال العباد ما هو بر ومنه ما هو إثم، فكل ذلك مخلوق لله سبحانه وتعالى. وعند الحاكم بإسناد صحيح عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خالق كل صانع وصنعته». فكل صانع وصنعته مخلوقة لله جل وعلا. وهذا المبحث كغيره من المراتب السابقة والمباحث السابقة ضل بها بعض أهل الأهواء، لما نظروا بها أو إليها بعين عوراء، لم يجمعوا بين الأدلة، ولم يكن عندهم كمال التسليم الذي هو من لوازم الإيمان. فكان مقتضى ذلك الضلال في هذه المراتب الأربعة. فإن طائفة وهم الجبرية زعموا أن العبد كالريش بمهب الريح مسير لا اختيار له، فلزم على ذلك نفي الحكمة والعلة، فلا حكمة ولا تعليل، لأن ما يفعله يفعله وهو مكره له. ولازم قولهم هذا الضلال والكفر والعياذ بالله، إذ لازمه أن الإنسان يعذب على ما لا يستحق العذاب عليه، ويثاب على ما لا يستحق الثواب له. وهذا كفر، بل الله عز وجل أثاب بفضله، وإن عذب عذب بعدله سبحانه وتعالى. وهكذا في مقابل هؤلاء القدرية النفاة، وهؤلاء في هذا الزمان لهم فرق، لا تظنوا أننا حين نقول: «جبرية وقدرية» هذه فرق قديمة وانتهت، لا، هم لهم وجود اليوم في زماننا هذا، ولكن لهم مسميات أخرى. فالكثير ممن يسمي نفسه بالصوفية هم في باب القدر جبرية. بل وطائفة ممن تنتسب إلى الشافعية هم في باب القدر جبرية، وهم الذين يقولون ما سمعتم: «الإنسان كالريشة بمهب الريح مسير». وهكذا كذلك طوائف أخرى كثيرة من أهل المذاهب هم من عقيدتهم نفي جملة من مسائل القدر. وهذا يؤثر كما سيأتي إن شاء الله يؤثر على عقيدتهم، ويؤثر على عملهم وحياتهم. فلذلك أمثال هؤلاء تهون عندهم الذنوب والمعاصي، فيغلبون باب الرجاء، ويؤثر عند أمثال هؤلاء الكفر والفسوق والعصيان. وهذا ثمرة ضلالهم في باب القدر، ثمرة ضلالهم في باب القدر، لما ضلوا في باب القدر ونفوا الحكم والتعليل، وجعلوا أن الإنسان مسير، هانت عندهم المخالفات والمعاصي، وصاروا يستدلون بالقدر على الذنوب والمعاصي، وهذا خطأ. صار الكثير منهم يفعل مثل ذلك، بل الكثير منهم لا يلوم بفعل الذنوب والمعاصي بحجة أن ذلك قد قدر عليه. ويحكى أن رجلا جبريا مقيما على الذنوب والمعاصي ويستدل بالقدر على ذنوبه ومعاصيه، فنصحه رجل سني موحد مؤمن بالقدر كما أمر الله، فقال له: «يا فلان، اتق الله واترك هذه المعاصي». فكلما نصحه قال: «قدر الله علي». يقول: «قدر الله علي»، وهي كلمة حق أريد بها باطل. الله عز وجل قدر نعم، لكن ليس لك حجة بهذا التقدير، أنت تفعل باختيارك وتستحق العقاب في الدنيا والآخرة على هذا الذي تفعل. فلما أكثر عليه وهو يقول: «قدر الله علي»، رفع الرجل يده وصفعه صفعة حتى حرك رأسه، فقال: «ما لك يا فلان، اتق الله، كيف تضربني؟» قال: «قدر الله علي أن أضربك». فسكت هذا الجبري، علم أنه إن قال: «لا، لم يقدر الله عليك أن تضربني»، صار هذا حجة عليه كذلك في المعاصي التي يفعلها، أنه فعلها باختياره، ولا حجة له بالتعلق بالقدر. وهكذا كذلك القدرية النفاة الذين ينفون القدر بنفيهم للإرادة الكونية، فإن ذلك أثمر عندهم عقيدة فاسدة، وهو أن العبد يعمل باختياره ولا تعلق لمشيئة الله عز وجل على فعل المخلوق. فأثمر ذلك أن المخالف لذلك -أي الخارج عن هذا الاختيار بفعل المعصية- أولا سلك به مسلك التكفير، فغلبوا باب الخوف، غلبوا باب الخوف كما أن الج