صلاح الأسر والمجتمعات

الدرس في صلاح الأسر والمجتمعات، وكانت يوم الجمعة الثالث من شهر صفر لعام 1432هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية العلم الشرعي في إصلاح المجتمع

يؤكد الشيخ على أهمية العلم الشرعي في إصلاح الأسر والمجتمعات، ويشير إلى أن تطبيق العلم النافع والعمل الصالح يحقق السعادة في الدنيا والآخرة.

دور العلم النافع في هداية الفرد والمجتمع

العلم النافع هو السبب الأعظم لهداية الأفراد وأسرهم ومجتمعاتهم، وحرص المسلم عليه يحميه من الفتن والشرور ويصلح قلبه.

أثر الدين والعلم النافع في حياة المسلمين

البعد عن دين الله وقلة العلم الشرعي يؤديان إلى الفساد والجريمة، بينما تحقيق الإيمان والإسلام يأتي من خلال العلم النافع والعمل الصالح.

التربية الصحيحة للأبناء وخطورة الإهمال

يؤكد الخطيب على أهمية تعليم الأبناء العلم النافع والعمل الصالح، ويحذر من إهمال تربيتهم ويشير إلى خطورة وسائل الإعلام الفاسدة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نشكر أولًا إخواننا القائمين على هذا المسجد، أباءنا الكرام، على تهيئتهم مثل هذه الفرصة الطيبة المباركة، والتي هي باب عظيم من أبواب التعاون على الخير والبر والتقوى، ونصرة الحق والهدى. وهو كذلك موضع آخر من المواضع، وسبب من الأسباب التي يكون بها إصلاح الأسر والمجتمعات. فتهيئة مثل هذه المجالس المباركة الطيبة هي في الحقيقة من أعظم أبواب الخير والبر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن دعا إلى هدى كان «له بمثل أجر من تبع، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقال عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقال عليه الصلاة والسلام كذلك: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». انظر إلى هذه الجوائز الأربع، وغيرها كثير من الخير الذي يسره الله جل وعلا في مثل هذه المجالس المباركة. فكم من إنسان ينتفع بكلمة، آية من كتاب الله، أو موعظة، وحديثًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكل من كان مساهمًا ومعينًا لمثل هذه المجالس المباركة، يناله الأجر والنصيب. والله عز وجل ذو الفضل الواسع والرحمة العامة، سبحانه وتعالى. فنسأل الله عز وجل من عظيم عطائه وفضل رحمته جل وعلا. كما سمعتم أيها الحاضرون والأحبة في هذا الموضوع، هو موضوع في الحقيقة من أهم المواضيع. فصلاح الأسرة، وصلاح المجتمع، به تقوم سعادة الناس في هذه الدنيا، وهكذا كذلك في الدار الآخرة، خصوصًا عباد الله. وأن هذا الإنسان يطلب معاني السعادة في هذه الحياة الدنيا، يطلبها لنفسه، يطلبها لأسرته، يطلبها في مجتمعه. لكن لو تأملت وحققت ودققت في أحوال الكثير من الناس، وجدت أنهم يبحثون عن أسبابها في غير مواضعها، وأنهم كذلك تفرقوا في طلب شيء جعله الله عز وجل بين أيديهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما سمعنا، الله سبحانه وتعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم، بعثه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ظلمات الجهل، وظلمات الضلال، وظلمات الظلم الكثيرة، إلى نور الإيمان والإسلام، والسنة، والتوحيد، والاستقامة. فكل ذلك من معاني إصلاح الأسر والمجتمعات. وقد ذكرت أسبابًا كثيرة، والمقصود من هذا المجلس أن يذكر بعضنا بعضًا بما يكون عونًا لنا ولإخواننا، أن نصلح أسرنا، وأن نصلح مجتمعاتنا، بما يسر الله عز وجل به من هذه المذاكرة والعلم، من كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فحقيقة السلامة من الخوف، ومن الحزن، ومن أسباب الضنك، تكمن بكمال الاتباع والاستقامة على ما أنزل الله جل وعلا من الخير والهدى على نبيه عليه الصلاة والسلام. فكمال أخذ المسلم لكل ما كمل المسلم في أخذه للعلم والهدى الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، كان بذلك كمال صلاحه، وصلاح أسرته، وصلاح مجتمعه. ولهذا عباد الله، فكمال هذا الإنسان في إيمانه، سبب لكمال سعادته. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهذا المعنى، الحرص على العلم النافع والعمل الصالح، ربما نسمعه كثيرًا، وربما كذلك نُوعظ ونُذكر به كثيرًا، وتمر بنا في آيات كتاب الله، وفي بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن ربما يفتقد الكثير التطبيق العملي لتحقيق هذا العمل الصالح. ولذلك كان القرآن فيه إجمال، وفيه تفصيل، فيه ذكر قصص وأخبار الأنبياء والمرسلين، ليعتبر المؤمنون، ويأخذون من هذه القصص، وهذه الأخبار، وهذه المواعظ، ما يكون به إصلاح أنفسهم، وإصلاح أسرهم، وإصلاح مجتمعاتهم. كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَابِ﴾. فالله عز وجل جعل أسباب الإصلاح، وأسباب كذلك الاستقامة والسعادة، ليست منحصرة في شيء واحد، ولكنها في أشياء كثيرة. فأنت أخي المسلم تحتاج أن تنتفع بهذه الأسباب كلها، فتأخذها من القصص والأخبار التي ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه، أخبار الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ومن كان كذلك يسير بسيرهم من الصالحين في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة، مما فيه عظة، ومما فيه ذكرى، ومما فيه عبرة لك. وهكذا كذلك من تلك الأحكام المحكمة التي شرعها ربنا جل وعلا، وهو الغني عن طاعة الطائعين، وهو كذلك سبحانه وتعالى عن معصية العاصين. لا يضره معصية العاصين، كما لا يزيده طاعة الطائعين، سبحانه وتعالى. وهو القائل جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ولكنه سبحانه وتعالى بحكمته الحكيمة، وبلطفه بخلقه وعباده، سبحانه شرع لهم ما شرع من أحكامه الحكيمة، لعلمه أن ذلك هو الذي يصلحهم، وذلك الذي يسعدهم، وذلك الذي يكمل أمرهم في الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. فأنزل علينا هذه الأحكام التي فيها سبب سعادة هذا الإنسان. فرض الصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وشرع الصيام لأنه يجلب التقوى، ولأنه يربي النفس على مكارم الأخلاق، ولأنه يجعل أهل هذا الدين يرحم بعضهم بعضًا، ويرأف بعضهم ببعض. فترق القلوب، وتنكسر الشهوة، ويقبل الإنسان على الآخرة، ويقرب من ربه سبحانه وتعالى بهذه الطاعة. شرع الصدقة بأنواعها، فرضها ونفلها، سبحانه وتعالى، لعلمه أنها سبب كذلك لتزكية النفوس، وطهرتها من أمراض القلوب، وغيرها، الشح والبخل، وغيرها. وكذلك سبب لطهرة هذه الأموال. «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم، إن صلاتك سكن لهم». وغير ذلك كثير، كثير مما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده، وما كذلك جعله في تفاصيل شريعته، مما يكون به صلاح الناس في أنفسهم، وفي أسرهم، وفي مجتمعاتهم. وبهذا نعرف عباد الله أننا أحوج ما نحتاج لإصلاح أنفسنا، ولإصلاح أسرنا، ولإصلاح مجتمعاتنا، أن نحرص على العلم الشرعي، العلم الشرعي المتمثل بكتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سيرة الصالحين من الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. إننا إذا حرصنا على هذا العلم، أضأنا لأنفسنا في طريقنا، ما يكون سببًا لهدايتنا، وهداية أسرنا، وهداية مجتمعاتنا. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إن من أعظم الأسباب التي يستعين بها المسلم في إصلاح نفسه، وأسرته، ومجتمعه، الحرص على العلم النافع. إذ العلم النافع حصن حصين، يتحصن به المسلم في هذا المجتمع، يتحصن فيه في نفسه، ولأسرته، ولمجتمعه، من سائر الآفات والشرور التي ابتليت بها المجتمعات. ولا يخفى على كل غيور، وحريص، ومحب لدين الله جل وعلا، ما ابتليت به المجتمعات من شرور، وآفات كثيرة، شبهات لا تحد، ولا تحصى، وشهوات أكثر من ذلك. والعاصم والمعصوم من عصمه الله، ولا عاصم إلا الله سبحانه وتعالى. وكيف يمكن للإنسان أن يعتصم بالله جل وعلا، وهو جاهل بالعلم، وهو بعيد عن الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان أكثر الناس تساقطًا في هذه الفتن، وفي هذه الشرور، أبعدهم عن دين الله جل وعلا، أزهدهم عن العلم الشرعي. وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «من يرد الله به خيرًا، يفقه في الدين». علامة إرادة الله عز وجل بعبده الخير، أن يفقه في دين الله سبحانه وتعالى. وليس معنى الحديث أن يكون عالما، هذه أعلى مراتب الفقه، لكن حسبك أن يكون عندك شيء من الفقه، والحرص على العلم. لأنه إذا كان عندك شيء من الحرص، ينجيك الله عز وجل بهذا العلم القليل، وبحرصك اليسير على أن تسلم من فتن كثيرة، فتميز بين الحق من الباطل، تميز بين الهدى من الضلال، تميز بين الصواب من الخطأ. تستطيع أن تعرف طريق الاستقامة من طريق الانحراف. والعجاج الناس اليوم، إلا من رحم الله، تغيرت مفاهيمهم، وانتكست كذلك أعرافهم، فضلًا عن دينهم، فضلًا عن إيمانهم وإسلامهم. صار الحق باطلًا عند بعض الناس، وصار المعروف منكرًا، إلا عند من رحم الله، عصم سبحانه وتعالى. والسبب في هذا هو الإعراض عن العلم، والبعد عن دين الله سبحانه وتعالى. السبب في هذا هو الجهل، وقلة العمل الصالح، حتى تغيرت القلوب، وتنكرت الحق، والهدى الذي هو من ثوابت هذا الدين. والله سبحانه وتعالى قد قال، وقوله الحق: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. كما أنك أخي المسلم ترى في هذا المجتمع من سقط في الحضيض، بتتبع كبائر الذنوب، وبوقوعه في الفواحش، وبكذلك مجاهرته بالمعاصي. فإنك كذلك ترى من هو دون ذلك. وهذا الفرق هو بحسب بعد هؤلاء، وقربهم من الخير، والهدى، والعلم، والعمل الذي دعا إليه ديننا. وهذا يردنا إلى ما سبق الكلام عليه، من أهمية اعتناء المسلم بالعلم الشرعي. اعتني أخي المسلم بكتاب الله، بتلاوته، وقراءته، وتدبره. احرص على أن يكون كتاب الله مما تملأ به أوقاتنا، تملأ به وقتك، وتملأ به وقت أهل بيتك وأسرتك. وأن يبث في المجتمع، في المساجد، تكثر حلق القرآن، وحلق العلم. وهكذا كذلك ندعو الناس أن يدفعوا بأبنائهم، يدفعوا ببناتهم، يدفعوا بنسائهم. إنهم إذا توجهوا إلى كتاب الله في تلاوته، وحفظه، وتدبره، كان ذلك سببًا لعصمتهم، وسببًا لصلاحهم. وبصلاحهم يصلح المجتمع. هناك فرق كبير أخي المسلم بين مسلم تعلق قلبه بكتاب الله، وصار وقته مشغولًا بكتاب الله، وآخر قلبه وراء القنوات الفضائية، وقلبه خلف الإنترنت، وما تحويه تلك الشبكة من شرور، وآفات. وآخر وقته في الأسواق يتسكع، أو في أطراف المقاهي. أو تلك المرأة التي تدور وتخالط الرجال في المجتمعات، وفي تلك المجمعات، وغيرها. كيف يكون حال هؤلاء، وحال هؤلاء؟ روى الإمام البخاري بصحيحه، من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». خيرية هذه الأمة بحرصها، وتعلمها على هذا القرآن. أنت إذا أدخلت هذا القرآن في قلب ابنك، كنت بإذن الله تعالى قد أخذت بالسبب الأعظم لصلاحه، واستقامته في هذا المجتمع، ليس فقط في صغره، بل حتى في كبره. إذا حفظ ابنك القرآن، بإذن الله تعالى، يكون هذا القرآن واعظًا ومذكرًا. إن توفاك الله، فإنك قد أقمت الحجة على هذا الولد، بإدخال القرآن في قلبه. لكنك إذا تركته مهملًا في هذه الشوارع، والأسواق، تتلقفه أيدي السوء، ورفقة السوء، كيف تلقى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؟ بأي شيء تلقى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؟ يسألك: هل أديت الأمانة مع هذا الولد؟ هل أديت الأمانة مع هذه البنت؟ هل أديت الأمانة مع هذه الزوجة، مع هؤلاء الأقارب؟ ستسأل عن هذا يوم القيامة. فما منا إلا وسيقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، ويسأل عما قدم. كل شيء سنسأل عنه، حتى يقول القائل بذلكم اليوم العظيم: «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها». ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدًا. حتى أن الذرة الصغيرة تحصى وتكتب، من خير أو شر، كما قال سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. ما من صغير، ولا كبير، إلا ويحصى، ويكتب، ويحاسب عليه الناس. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما منكم إلا وسيقف بين يدي الله، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأ منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فيرى النار تلقاء وجهه. فاتقوا النار، ولو بشق تمرة». أنت أخي المسلم، وأنت أختي المسلمة، لو حرصتما على العلم الشرعي، بتعلم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كذلك تعليم أبنائك، وتعليم مجتمعك، سيكون ذلك سببًا في استجابة هذا المجتمع لتلك الأحاديث العظيمة، التي تحمل معاني الهداية في طياتها، وتحمل أسباب الاستقامة، والسعادة في معانيها. كم من الناس الذين قست قلوبهم، ببعدهم عن العلم الشرعي، وبعدهم عن الانتفاع بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، هم كثير. فإننا نحتاج عباد الله أن نتذاكر العلم. وقد قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم، مبينًا وموضحًا هذا المعنى، وأهميته في صلاح الفرد، وصلاح الأسرة، وصلاح المجتمع. قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. هل يستوي من عنده علم، فيمشي في هذه الدنيا ببصيرة، وبعلم، ومن ليس عنده علم، ويمشي في هذه الدنيا بغير بصيرة، وبغير علم؟ لا شك أن هناك فرقًا شاسعًا. ولهذا نجد أن الأسباب كلها تدخل تحت هذا المعنى العام. فمن الأسباب مثلًا، وهذا لا يعرفه الإنسان إلا بالعلم، ولا يستطيع أن يحققه ويطبقه إلا بالعلم، أن يحرص المسلم في بناء أسرته على المرأة الصالحة. وفي بناء أسرتها، المرأة على الرجل الصالح. والأولياء يحرصون على ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولنسبها، ولدينها. فاضفر بذات الدين، تربت يداك». اليوم هذا الحديث، الكثير من المسلمين لا يعرفه. ومن عرفه، ربما بسبب بعده عن كثرة سماعه، والتذكير به، ينساه، ويغفله. ولهذا تجد القليل من الناس من يعتني بهذا الباب. يحرص الناس في الزواج على الجمال، يحرصون على النسب، يحرصون على المال. مال، جمال، نسب، الدين آخر شيء. الدين آخر شيء. بينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاضفر بذات الدين، تربت يداك». احرص على الدين أول شيء، ثم لا بأس أن تكون صاحبة الدين، وجميلة، وصاحبة نسب، أو غير ذلك. لكن أول ما يقدمه الدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاءكم ترضون خلقه ودينه، فزوجوه. إلا تفعلوا، تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض». يأتي اليوم إنسان، حافظ للقرآن، محافظ على الصلوات الخمس، حريص على صيام الاثنين والخميس، معروف باستقامته، حريص كذلك على صلة الأرحام، وبره بوالديه، وغير ذلك من أعمال الخير، المشهود له بها. لكنه إذا كان ليس عنده مال، يأتي إلى هذا البيت، فيرد، وهذا البيت فيرد، وهذا البيت فيرد، وربما يأتي آخر، شارب خمر، معروف بترك الصلاة، معروف بأذية الناس، بأكل أموال الناس بالباطل، لكن عنده مال كثير، وعنده سيارة، وعنده بيت، وعنده كذا، إذا جاء يتزوج، زوجوه، ربما زوجوه المرة والمرتين والثلاث، والأربع، ولو كان عنده ما عنده. أين المعايير الشرعية التي تكون بها سعادة أنفسنا، وأسرنا، وأبنائنا، وبناتنا، ومجتمعاتنا؟ تغيرت بسبب ماذا؟ بسبب جهل الناس، وبهدهم عن دين الله سبحانه وتعالى. هكذا تأتي إلى المجتمع، فترى هذا يغش في تجارته، وذاك يكذب في بيعه وشرائه، وهذا لا يفي بالعهود، وهذا ينقض الأمانة، ويفعل ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى. وغير ذلك كثير، مما ابتليت به مجتمعاتنا. ما هو السبب في هذا؟ إن من أعظم الأسباب البعد عن دين الله، قلة العلم الشرعي، قلة الواعظ الذي يعظ المرء في قلبه، حتى يخاف من الله سبحانه وتعالى. بعدهم عن كتاب الله، بعدهم عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلة تذكرهم لهادم اللذات، قلة تذكرهم باليوم الآخر، جعلت قلوب الناس، إلا من رحم الله، قاسية. لكن إذا بث العلم في المجتمع، وصار الناس تكرر عليهم المواعظ، وصار الناس حريصون على ما يكون به سلامة دينهم، كان بذلك بإذن الله سلامة، وسعادة هذا الإنسان في نفسه، وفي أسرته، وفي مجتمعه. تمشي ربما كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا لا يبالون أن يعاملوا الإنسان في المال، كما قال معاذ رضي الله تعالى عنه: «كنا لا نبالي إذا عاملنا أحدًا، أي في المال، فإنه إن كان مسلمًا، رده إلينا إسلامه، وإن كان غير ذلك، يعني من العبيد، أو غيره، ممن ليس هو مسلمًا، قال: رده إلينا سيده». يعني المسلم يأمر حتى الكافر أن يرد الأمانة إلى محلها. لكن اليوم، الإسم أن الناس اليوم مسلمون، ومؤمنون، ولكن أين تحقيق هذا الإيمان؟ وأين تحقيق هذا الإسلام؟ ضعف بسبب بعدهم عن دين الله سبحانه وتعالى، بسبب قلة بث العلم في المجتمع، قلة حرص الناس على أعمال الخير، والبر، التي يكون بها صلاح الظاهر، وصلاح الباطن. وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. أمنهم في الدنيا، وأمنهم في الآخرة، بكمال حرصهم على هداية أنفسهم، بماذا؟ بالعلم النافع، وبالعمل الصالح. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾. لا شرك، لا نفاق، لا كفر، لا كبائر، لا بدع. إذا كمل الإنسان، كملت له هدايته، وحصل له أمنه في الدنيا، وفي الآخرة. إذا وجد إيمان، ما سنحتاج ما سنحتاج حتى إلى الشرط، تتابع الناس، لأن الإنسان سيراقب الله سبحانه وتعالى في السر، وفي العلن. سيراقب الله سبحانه وتعالى في السر، والعلن. ولهذا كلما كان المجتمع أبعد عن الدين، وأبعد عن الإيمان، وعن الإسلام، كثرت الجريمة في المجتمع. كثرت الجريمة في المجتمع. ذكر بعض المعاصرين إحصائية في بعض بلاد الكفر عن الجريمة، أنها تقع في كل دقيقة، أكثر من عشر جرائم في الدقيقة الواحدة، تقع أكثر من عشر جرائم. وهذا تصديق لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. بكمال استقامتهم، يكون لهم الأمن في الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. فلذلك عباد الله، نحن في حاجة ماسة أن نحرص على تحقيق العلم النافع، بالعمل الصالح. فإن عملنا الصالح يفتقر إلى العلم، والعلم يحتاج أن يبرهن بالعمل. وقد قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن من أعظم ما يمقته، ويغضب عليه ربنا جل وعلا، أن يقول الإنسان بلسانه ما يكذبه بفعله. ولذلك فالمسلم كما يحتاج إلى العلم، يحتاج كذلك إلى العمل بهذا العلم. ما أكثر ما نسمع من النصائح، ما أكثر ما نسمع كذلك مما نذكر به، مما في كتاب الله، ومما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن من الذي يصدق ذلك بتحقيق العمل الصالح، المبرهن للاستجابة الكاملة لكتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام؟ القليل من الناس، ممن رحم الله سبحانه وتعالى، وعصم. ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وقليل من عبادي الشكور. فلذلك عباد الله، مسألة أخرى، لا ينبغي لنا أن نغتر بما عليه المجتمعات، فتقول: أنا واحد من المسلمين، أنا واحد من المجتمع، إن أحسنوا أحسنت معهم، وإن أساءوا فما أنا إلا واحد منهم. لا تقس نفسك بمجتمعك، فتجعل ميزان الصواب، والخطأ، هو ما يفعله الناس أبدًا. ليس هذا هو الميزان الصحيح. بل ميزان الصواب من الخطأ، ومعرفة كذلك معنى الهداية من غيرها، هو بالكتاب، والسنة، هو بالحق، والهدى الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. ليس ميزان الصواب من الخطأ هو ما يفعله الناس، لأن الناس، إلا من رحم الله، يفعلون الخطأ الكثير، ويخرجون عن دين الله بالشيء الكبير، إلا من رحم الله، ومن عصم الله. وقد سمعت: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وثبت في صحيح البخاري، وغيره، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله جل وعلا يوم القيامة لآدم: يا آدم، أخرج بعث النار. قال: فيقول آدم: وما بعث النار يا رب؟ قال: فيقال لآدم: أخرج من ذريتك من كل ألف، تسعمائة، وتسعة، وتسعين. كل هؤلاء يدخلون النار، إلا واحد». حتى خاف الصحابة، فقالوا: يا رسول الله، أينا ذاك الواحد؟ من هذا الواحد من الألف الذي ينجو؟ فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم يأجوج، ومأجوج، وأهل النار كثير. فلا تكن عبد الله بإعراضك عن العلم النافع، وعن العمل الصالح، واحدًا من هؤلاء. بل احرص على العلم النافع، وعلى العمل الصالح، وعلى إصلاح نفسك، وإصلاح أسرتك، وإصلاح مجتمعك، بالعلم الذي أنزله الله، بالعمل الصالح الذي دعاك الله عز وجل إليه. وهو غني عن طاعتك، وهو غني كذلك عن بعدك عن المعاصي. حرم الله عز وجل عليك ما حرم، لعلمه أن هذا يضر بدينك، ويضر كذلك بآخرتك. وإلا فهو سبحانه وتعالى لم يحرم علينا إلا ما فيه الصالح لنا في الدنيا، وفي الآخرة. حرم علينا الميتة لأنها تضرنا في هذه الدنيا، وهكذا كذلك بوقوعنا في الآخرة. حرم علينا الخمر، تفسد العقول، كما تفسد الأجساد. حرم علينا كذلك الميسر، لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل. وإذا تتبعت سائر المحرمات، وجدت أنها في الحقيقة خير لك في دنياك، وفي آخراك. وبه تعرف خطأ أولئك الذين هم من المسلمين، إذا قيل لهم: هذا حرام، قالوا: هذا تشدد، هذا تنطع، هذا كذا، وكذا. لا، ليس هكذا. وربما أتوا لك بأشياء، وهي كلها في الحقيقة معارضة لكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما سمعت في كلمة أخينا الشيخ حسن، حفظه الله، المعازف، وآلات اللهو، والطرب، مما حرمها الله في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. ولكن اليوم الكثير من الناس قد طغت على أحوالهم، وعلى قلوبهم، وعلى مجالسهم، الاستماع لآلات اللهو، والطرب. وقد قرنها النبي صلى الله عليه وسلم بالخمر، والزنا: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحرير، والحريرة، والخمر، والمعازف». قرن هذه المعازف بهذه الخصال الثلاث، التي هي من الكبائر. ومع ذلك اليوم، كالكثير من الناس، إلا من رحم الله، يجادل في هذا، حتى امتلأت قلوبهم بمثل هذا، وصرفت، وحرمت خير القرآن، وخير كذلك هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وصارت مجالسهم مجالس غفلة، إلا من رحم الله، وعصم. عباد الله، ما أحوجنا إلى أن نصدق مع الله سبحانه وتعالى، أن نصدق مع الله في الحرص على تعلم العلم النافع، والحرص على العمل بالعمل الصالح. وأن نحقق ذلك في أنفسنا، ونحققه في أبنائنا، وأن نحققه في مجتمعاتنا. من يفعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، بحديث ابن عباس، وابن مسعود. قال ابن عباس: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التحيات، كما يعلمني سورة من القرآن». كفي بين كفيه. وبحديث ابن مسعود: «أصابعي بين يديه». هل فكرت أخي المسلم يومًا من الأيام أن تأخذ بأصابع يدي ابنك، وتعلمته آية من كتاب الله، أو علمته التحيات، أحكام الصلاة، وغير ذلك؟ هل فعلت هذا؟ الكثير من الناس في غفلة عن هذا. الكثير من الناس ما يدري ولده يخرج، ولا يدري أين ذهب، ومن أين أتى. وهكذا ابنته، ربما تخرج، ما يدري من أين أتت، أو أين ذهبت. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في السنن، من حديث ابن هريرة، بإسناد حسن: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». ويقول عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير». كم فسد من أبنائنا، إلا من رحم الله، ومن بناتنا، وهم أبناء من أبناء هذا المجتمع؟ ربما بعضهم أبناء بعض الآباء الذين هم في المسجد، في الصف الأول. ومع ذلك ما يدرى إلا وقد صدم أن ابنه قد مسك، وقبض عليه في قضية مريبة. أو ربما بعضهم تأتي ابنته، وهي حامل. كيف حصل هذا؟ كيف وقعت هذه المصيبة؟ وقع هذا بسبب التفريط في التربية، بسبب الإعراض عن المنهج الصحيح في المحافظة على الأبناء. واعلموا عباد الله أن الأبناء أمانة عظيمة، سنسأل عنها يوم القيامة. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، من حديث معقل بن يسار، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا لم يجد رائحة الجنة». كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يقول: «من أدخل الدش إلى بيته، أخشى عليه من الوعيد الشديد الذي ورد في هذا الحديث». الذي يدخل الدش إلى بيته، كان شيخنا رحمه الله يقول: «أخشى عليه من الوعيد الشديد الذي ورد في هذا الحديث». أي أنه غاش لرعيته، فيخشى عليه أن لا يشم رائحة الجنة. لماذا؟ لماذا يقول مثل هذا العالم الجليل رحمه الله مثل هذا القول؟ لأنه علم أن الدش قد حوى شرورًا كثيرة، أكثر انحراف أبنائنا، وبناتنا في هذا العصر، أكثر انحرافهم هو من هذه القنوات، والدشوش، والإنترنت، وما كان بمعناه، مما سرق قلوبهم، وأضاع دينهم، وأسقطهم في مستنقعات الرذيلة، والفاحشة، والعياذ بالله. بكثرة ما يعرض من شر، وفساد، صارت الأفلام الخليعة اليوم تعرض، وللأسف في هذه القنوات، والدشوش المشفرة، وغيرها، وفي بعض المواضع المشبوهة. فكانت سببًا في انحراف شبابنا، وبعد ذلك انحراف نسائنا، مع قلة العلم، مع قلة الدين، مع كذلك قلة ذات اليد، صار يصطاد بعضهم بعضًا، ويصلط الله عز وجل بعدله الظالمين بعضهم على بعض. نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح أ