المحاضرة بعنوان حاجتنا للعلم النافع مع أسئلة منهجية، وكانت بمدينة الدار البيضاء بالمغرب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية العلم النافع في حماية المسلم من الفتن وتحقيق الاستقامة والسعادة في الدنيا والآخرة. العلم النافع يرفع درجات المؤمنين ويهذب حياتهم وأخلاقهم.
يؤكد على أهمية العلم في تربية النفس وأهل البيت والمجتمع، ويبين أن العلم هو السبيل لتهذيب النفس وتزكيتها. يحذر من الفتاوى والتوجيهات بدون علم، مما قد يؤدي إلى الفوضى والتفرقة.
يؤكد على أهمية العلم الشرعي في سعادة الإنسان بالدنيا والآخرة، ويشدد على ضرورة أخذ العلم من أهله. يحث على التراحم والتعاطف بين أهل الحق وتطبيق نصوص الكتاب والسنة لتلافي التفريق بينهم.
يجب على أهل الدعوة الواحدة أن يتعاملوا بتراحم وتعاطف، وأن ينصحوا بعضهم البعض بحب. يجب الحفاظ على وحدتهم وقوتهم مع ضرورة الانضباط في الهجر والتعامل مع المخطئين وفق الضوابط الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى محمدًا تفيضًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. أحمده سبحانه وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، فنثني عليه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه، ونحمد الله على ما هدانا من نعمة الإيمان والإسلام، توفيقًا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل فيه علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه وتعالى الذي يكثر بهذه الزيارة لإخواننا بحضرموت، وحبائنا بهذه المدينة البيضاء، وأن نلتقي في كل هذا المجلس الطيب المبارك، يتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، وما يعيننا بإذن الله تعالى على العمل الصالح، فهذه نعمة عظيمة أن يجتمع أهل هذا الدين يتذاكرون ما ينفعهم من العلم النافع، خصوصًا في مثل هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، ما ظهر منها وما بطن، سواء فتن الشبهات وما أكثرها، أو فتن الشهوات، وكذلك وللأسف هي كذلك كثيرة، حتى صرف عن دين الله عز وجل خلق كثير، ونسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولجميع المسلمين الثبات على هذا الدين. فالعلم النافع أيها الأحبة من أعظم ما يجب أن يعتني به المسلم، إذ هو زاد إلى الله سبحانه وتعالى الذي يتزود به ليصلح نفسه، ويصلح ذريته وأهله، ويصلح ما يفتقر في مجتمعه، وهكذا كذلك هو الفسقية الحصينة التي يتحصن بها من أنواع فتن الشبهات، وفي ثني الشهوات، فليس شيء يعصم بعد عصمة الله سبحانه وتعالى مثل العلم النافع. ولهذا يكرر العلماء النصيحة لهذا المطلب العظيم الذي به في الحقيقة يتحقق ما يرجوه الإنسان لنفسه ولمن يحج من أهله ومجتمعه، مما تكون به سعادة الدنيا والآخرة، فمهما حرص الإنسان على الخير ورغب فيه، وحسنت نيته، فهو لا يستطيع مع قلة علمه وكثرة جهله أن يصل إلى هذا الذي يحب أن يصل إليه. فكيف إذا زاد الأمر عماءً وشقاءً، أن الكثير ممن يريد الخير يتخطف بهذه الاجتماعات من رؤوس وأتباع أهل فتن الشبهات والشهوات، ما يكون سببًا لزيغه وشروده، شعر أو لم يشعر، لذلك ينبغي أن نتوافى كثيرًا في أمر الاعتناء بالعلم، لأننا بالعلم النافع نستطيع أن نحمي أنفسنا من تلك الشبهات، وأن نحفظ كذلك جوارحنا وقلوبنا من تلك الشهوات. والمسلم من سلمه الله سبحانه وتعالى، ولذلك سجدوا الفرق في مجتمعاتكم ومن حولكم، فيمن وثقوا بالله للإقبال على العلم النافع والحرص عليه، وبين من غفل عنه أو تكاسل أو شغل، فكان ثمرة ذلك النقص فيما يرجى له من الخير في دينه في الدنيا، فضلاً عن الآخرة. فكلما أقبل العبد بنفسه وأهله على العلم النافع وتعلمه والاجتهاد والحرص فيه، أثمر ذلك من معاني الاستقامة وأسباب السعادة والثبات على دين الله عز وجل، الحق ما هو برهان ما يوصي به العلماء من أهمية الاعتناء بالعلم النافع، بل يكون المرء ذكرًا كان أو أنثى في أول أمره في ضعف في دينه وفي جهل وفي تقصير، فإذا بدأ يحرص على طريق العلم ويقترب منه ويعتني، فلا يزال يتدرج في هذا الدين درجة درجة، حتى يرفعه الله سبحانه وتعالى إلى الدرجات العالية في الدنيا، وهذا ما ينجيه له في الآخرة. ولهذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينًا هذا المعنى العظيم، لما هو عظمه وعزه لنا: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، فأنت كلما أقبلت على العلم ارتقيت فيه وطلعت في سلمه، حتى ترتفع إلى أعلى الدرجات، وربما أنت لا تستشعر ذلك. انظر إلى نفسك قبل سنة أو سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات، كيف كنت؟ الكثير منا كان في غفلة، لا يعرف الاستقامة، لا يعرف الورع، لا يعرف الأخلاق الكريمة الفاضلة في نفسه، في أهله، في ولده، حتى يهذب نفسه وأهله وولده على ما فيه الخير لهم، كحال الكثير من المسلمين، يعيشون حياة مليئة بمعاني الجهل والغفلة. فإذا أقبل على العلم لم يزل يصحح ويصوب ويجتهد، حتى يفتح الله عليه بهذا الدين، فترى آثار ذلك في مظهر هذا المسلم المستقيم، وفي خلقه، وفي حياته كلها، بل ويظهر ذلك حتى على أهل بيته وعلى ذريته، وعلى معاملته وتجارته وكل شيء، هذا فضل من الله سبحانه وتعالى، وهذا قليل من كثير مما تثمره هذه الخطوات التي يفعلها المسلم إذا توجه إلى طريق العلم. والحمد لله اليوم يتحدث لنا عن وسائل طلب العلم بصور كثيرة وكيفيات عديدة، بما هو حجة علينا عند الله سبحانه وتعالى، يمكن الكثير من الناس اليوم يحصل هذا العلم مسموعًا ومقروءًا وغيرها من الوسائل الأخرى، سواء في حضور المجالس أو الفضور في الشبكة، أو اقتناء ذلك في السيارة أو في البيت أو حتى في الجوال. وهذه نعم ينبغي أن تشتغل، الولد لو عود على حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى بالجهاز الصغير، ما يسمى بالآيباد، سجل له سورًا وكررها له، واجعلها في جيبه مع سماعة، يسمعها وهو يمشي، يسمعها ويلعب، يسمعها ويذهب ويرجع، ما تدري إن لو ألزمته هذه السورة، لصارت بذرة الخير، ولصوب لسانه، وهذا مجرب، وهم صغار قبل سن التعليم، وهكذا المرأة في بيتها، والرجل في ذهابه وجيابه، يسمع قرآنًا، يسمع كذلك لأهل العلم محاضرات وفتاوى ودروسًا. فهي عبارة عن مكتبات، التي أكثرها، لكن لا يسع الإنسان أن يأخذها دفعة واحدة، فإذا أخذها شيئًا فشيئًا في حياته اليومية، هذبته وذبته، وهذا هو المعنى الحق للإسلام، فالإسلام والاستسلام لله سبحانه وتعالى، لماذا؟ بالعلم الذي بعثه الله وأرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم، فنهذب أنفسنا بهذا العلم. وكيف لنا أن نهذب أنفسنا ونحن بعيدون عن هذا العلم؟ لا يمكن، إذن لابد أن نقترب وأن نجتهد، فإذا اقتربنا واجتهدنا وجدنا ما نرجوه، وأما إذا تساهلنا وتقاعسنا لن نجد ما نبتغيه، بل إذا اقتربت ونظرت نظرة الكثير من الغافلين، نظرة مجملة فيها عين الإجمال، فإنك تحرم نفسك. يعني يقول: العلم كثير، ونحن لا نطيق، لك محاضرة ومحاضرتين، ثم يعرض ويمشي ويرجع على ما كان عليه، لكن إذا أخذه شيئًا فشيئًا أثر فيه، كما يروى عن ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: من رام أخذ العلم جملة، فاته جملة، ولكن خذوه بالأيام والليالي شيئًا فشيئًا حتى تنتفعوا به، أو كما قال رحمه الله تعالى. وهذا حق، إذا نظر الإنسان إلى العلم جملة، فاته الإحباط، يقول: كيف يمكننا أن نأخذ هذا؟ هذا له ناس آخرون، لذلك نحن منه، يحرم نفسه من الخير، لكن إذا أقبل عليه شيئًا فشيئًا، يجد التمر، ويبدأ بما يناسبه، كما كان يحفظ سلفنا وإخواننا، يبدأ بصغار العلم قبل كباره، كما يوصل علماء الربانيون. ولهذا سمي العالم الراسخ، العالم بربه سبحانه وتعالى، عالما ربانيا، لأنه أولا يدل على الرب، بما معه من العلم، وثانيا لأنه يدل على الرب، بما معه من الصدق والعمل بهذا العلم، فهو رباني بخلقه، بحسن تدينه، يدلك على الله سبحانه وتعالى، ويخوفك ويبصرك بالله، ما ترى منه إلا ما يذكرك بالله، فهو عالم رباني. وهكذا سمي ربانيا، كما روى كذلك عن ابن عباس، وهذه المعاني الثلاثة روى عنه رضي الله عنه، أنه يربي الناس على صغار العلم قبل كباره، فأنت كذلك رب نفسك بهذه التربية على صغار العلم قبل كباره، ليس يأتيك الحماس أول ما تبدأ، تدخل تريد أن تدرس الكتب الكبيرة، وتسمع الكتب الكبيرة، لا، إبدأ بالصغير، اسمع القواعد الأربع، والثلاثة، ثم انتقل إلى كتاب التوحيد، كالشبهات، الشرح الواسطية. أنت مشغول، ما تستطيع أن تحضر الدروس، اسمعها في سيارتك، في ذهابك وجيابك، أسمعها من معك، الواحد منا يسافر ثلاث ساعات، أربع ساعات، خمس ساعات، ويتكلم في أمر الدنيا الذي لا ينفع، وقد يضر، لكن إذا سمع مثل هذا الخير، تذكي له، لو لم يكن إلا قوة الإيمان، القرآن حين تسمعه، العلم حين تسمعه، يقوى إيمانك. فما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، ذكر الله سبب لوجل القلوب، ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله﴾، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، الإنسان إذا سمع الذكر، جاءه أمر الطمأنينة، الرسوخ، كأنه جبل يحط عليه، يقول: إنسان قوي، والذي يسمع المعازف الغاني، والله يصير خفيفًا، حتى حركاته خفيفة. انظروا إلى الإنسان قبل التزام، كيف يكون خفيفًا، كل شيء راقص، مراقصة جسده، يرقص وقلبه يرقص، الجسد يرقص والقلب يرقص والعقل يرقص، كله خفة، فإذا هدى الله لهذا الدين، صار ثقيلًا، أقل من الجبال، طمأنينة وسكون، والحسن وطرف، قليل من كثير من آثار هذا الخير، وهذا الهدى. ولهذا كان من أعظم صفات نبينا صلى الله عليه وسلم، أنه يزكي أهل هذا الدين، ويهذبهم به، كما قال سبحانه: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم﴾، بماذا؟ بالعلم النافع والعمل الصالح، يزكي المؤمن، وهذا الذي نحتاجه نحن، نحتاج أن نهذب أنفسنا ونزكيها، حتى نستقيم على الإسلام الحق، لأن الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل. ألسنتنا تستقيم، أسماعنا تستقيم، أبصارنا تستقيم، أيدينا تستقيم، قلوبنا تستقيم، عقولنا تستقيم، تستقيم لله سبحانه وتعالى، كيف تستقيم بغير العلم؟ لا يمكن، لكن بالعلم نستطيع أن نهذبها، ونقيمها على دين الله سبحانه وتعالى، حتى تربية الأبناء، كم من إنسان يريد أن يهدي أبناءه ويصلحهم، لكن الأمر ليس بما يشتهيه الإنسان. لو كانت الهداية ماء يسقى، لأخذنا البحار، وثقنا فيها، والأنهار، ثقنا فيها، أبناءنا، لكن الهداية ليست هكذا، ليست ماء يسقى، ولا طعام يدفع فيأكل به، إنما هو علم وعمل، تربية وتزكية، حتى يصلح الله زوجيه لك ذرية، وكيف يمكن هذا بدون علم؟ لابد من علم، لابد تعتني بهم، فيما يخطر، وإذا ما عندك علم، ما تستطيع، أحيانًا بعض الناس يريد الخير، فيخطئ من مبالغته، وعدم حسن تصرفه في إيجاد الخير. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولن يشاد بهذا الدين أحد إلا غلبه»، قد يسلك بعض الآباء مثل هذه الشدة، فيكون سبب هذا الضغط في تنفير الأبناء، فيكره التدين، ويكره الأب، ويبحث عن طريق آخر، والعكس، قد بعض الآباء يسلك مثل هذه الأريحية، وفتح المجال للإبن أن يختاره، فيرخي الخيط حتى يمتلئ منه. ولكن بالعلم تستطيع، كما قال بعضهم: للعلم تستطيع الصيد الكبير بالخيط الصغير، هذا هل كل صياد يستطيع؟ تعرفون الذي يشتغل في البحر، كل سمك بقوته، وصفاته، له خيط خاص، لكن الصياد الماهر، يستطيع ولو عنده الخيط الصغير، أن يصاد السمك الكبير، بماذا؟ بخبرة وعلم، بخبرته وبعلمه بهذا المجال، درس هذا السمك، جربه، كلما كاد أن ينقطع الخيط، أرخاه، فإذا تعب السمك، جره حتى يجد الفرصة المناسبة، فيضعه في القارب، فيتعجب الناس كيف فعل؟ بهذا الخيط الصغير، أخذ هذا السمك الكبير. وهكذا كذلك بالعلم، تستطيع أن تهذب نفسك، النفس لها ذهاب وإياب، وهكذا أهل بيتك وأبناؤك، لا إفراط ولا تفريط، دين الله بين الغالي والجافي، فيه، وهذا لم يكن إلا بالعلم، الدعوة إلى الله كذلك تحتاج لهذه الحكمة، أين تضع الشدة وأين تضع الرفق؟ فبالعلم تستطيع أن تضع كل شيء في ميزانه الصحيح. ولذلك يكرر العلماء قضية العلم، والناس يتفاوتون بالعلم، حتى من يهمل بطريق العلم، هم يتفاوتون، أنت تحتاج إلى علم في إصلاح نفسك، هذا نعرف، في إصلاح أولادك، هذا نعرف، في إصلاح من تحتك، في المسجد، من في مجتمعك، في إصلاح دعوة في العالم، هذا أكبر، يحتاج العلم أكبر. ولذلك لا يصبح كما قال العلماء: أن يقول في كل القضايا، كل من عنده علم، لا، كل شيء له أهله، فالقضايا الكبار والنوازل، لها من؟ أكابر أهل العلم، هم الذين يتكلمون فيها، ليس إنسان درس سنة أو سنتين أو خمس عشرة سنة، يستطيع أن يخوض في هذه القضايا، فيكون سبب في سفك الدماء، وتحليل ما حرم الله، وحصول البغي والعدوان في المجتمعات. فيقولون: فلان أفتى بغير فلان؟ الناس الذي ليس عندها علم، ما تحرف؟ لكن لو أن كل إنسان عرف قدر نفسه، فسكت، وتركوا هذا التهور، حصل الخير للمجتمع، أم لا؟ حصل الخير للمجتمع، وسلم المجتمع من الفوضى، وهذا بسبب ثلة العلم، تحصل فوضى، حتى في المجتمعات، حتى في الدعوة، حتى في أخوة الناس فيما بينهم. لما يخوض في القضايا، من ليس عنده علم، هذا يقول: هذا بدعة، وهذا يقول: هذا ليس بدعة، وهذا يسلك مثل هذه الشدة، وهذا يسلك مثل هذه الرخاوة، ثم يتهم بعضهم بعضًا، فإذا أهل الدعوة الواحدة، يستقيمون على الاختلاف، هذا كان بعلم، أم بغير علم؟ بسبب نقص العلم، حصل التفرقة، وإلا بالعلم الحق، ما تحصل التفرقة، لأن دين النبي عليه الصلاة والسلام، ودعوته، رحمة، كما قال سبحانه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. ودعوة أهل السنة والجماعة، رحمة بالخلق، وفي نفس الوقت ثبات على الحق، وهم أعلم الناس بالحق، وأرحمهم، بماذا؟ بالخلق، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وغيره من أهل العلم، وهذا لا يكون إلا بعلم، لا يكون إلا بعلم. فالله الله أيها الأحبة في الاعتناء بالعلم الشرعي، والاعتناء بحملته وأهله، وبه نعرف كذلك وننتبه، أن المقصود بالعلم هو العلم الشرعي، العلوم الأخرى، منها ما هو نافع، ومنها ما هو ضار، وما كان منها نافعًا، وهو يختلف، قد يكون من فروض الكفايات، قد يكون مما هو من المستحبات، أو غير ذلك، بحسب هذا العلم، وحاجة المجتمع، والفرد له. لكن العلم الشرعي هو العلم الذي به سعادة الإنسان بالدنيا والآخرة، ومنه ما هو عيني، لا يترك كل إنسان أن يتركه، يجب على كل إنسان يتعلمه، وهو ما يخرج به نفسه من الشرك والبدعة والجهل والضلال، إلى التوحيد والسنة والطاعة والاستقامة، هذا الحد الواجب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وهكذا كذلك العلم منه ما هو من فروض الكفايات، ما يكون به صلاح هذا المجتمع، صلاح الفرد، صلاح الأسرة، فكل إنسان يأخذ من هذا العلم ما يحتاجه، بما تكون به سعادته في نفسه، وفي مجتمعه. وإذا علمنا أن المقصود بالعلم هو العلم الشرعي، كذلك ينبغي أن نعلم أن المقصود بحملة العلم، هم حملة العلم الشرعي، الذين أمرنا الله عز وجل بأخذ العلم عنهم، علم الكتاب والسنة، بما كان عليه سلف الأمة، سنميز بين علماء السنة، وعلماء الضلال، وإلا ربما الإنسان يضل بإسم العلم، يأتي عند أهل الأهواء، فيضله ذاك بما عنده من علم زائف. ولهذا كان السلف يقولون: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، وهنا تأتي مسألة مهمة، أمضي نفسي وإخواني بها، وهي كذلك ترجع لما تبقى، أننا بالعلم نسير وسط ضوابط وقواعد، وكذلك توجيهات أهل العلم، المأخوذة من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الأمة، دعوة أهل السنة والجماعة، دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا إفراط ولا تفريط. فمن الخطأ أننا نأخذ العلم عن أهل الضلال، وأهل الأهواء، ومن لا يعرف بالسنة والاستقامة، وكذلك من الخطأ أن نحرم المجتمع من العلم، بحجة أننا لا نأخذ العلم إلا عن الكبار، هذا مستحيل، الكبار قليل، والمجتمع واسع، لا يمكن لكل المجتمع أن يأخذ عن الكبار، لكن خذ عن الكبار، وعن من أخذ عن الكبار، وعن من أثنى عليهم الكبار، وعن من كذلك عرفهم وأثنى عليهم من عرف أولئك الكبار. فعلم أهل السنة والجماعة موروث، يتوارثه طبق عن طبق، ويأخذه جيل بعد جيل، النبي عليه الصلاة والسلام، هل خرج إلى كل قرية، فعلم الناس؟ أم جاءه الناس فيتعلمون منه؟ جاءوا فتعلموا منه، فخرج الذين تعلموا منه إلى بلادهم، وعلموا غيرهم، ومن علموهم خرجوا إلى بلاد أخرى، فعلموا من تحتهم، فانتشر دين الله سبحانه وتعالى. وكذلك إذا جاء إنسان عرف بالسنة والاستقامة على ما عليه علماء السنة، فلا ينبغي أن يذهب في العلم الذي يحمل، فليؤخذ عنه العلم، والعكس، قد يكون إنسان عنده تزكية من هنا إلى مكة، تزكية من العلماء، ثم خرج عن طريق الاستقامة، فالعبرة بماذا؟ بعمله وما هو عليه، أم بذلك التزكية؟ بما هو عليه. ولهذا يقول العلماء: الإنسان يزكيه عمله، عمله هو الذي يزكيه، لو أتي لإنسان بتزكية ورق مملوء تزكيات من هنا إلى مكة، ما تنفعه إذا قد خرج عن كتاب السنة، والعكس، إنسان ما عنده تزكية، لكن طريقته طريقة العلماء، يدعو من كتاب الله إلى كتاب الله، من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحيل إلى العلماء الكبار، يزكيه العلماء، أو من عرف العلماء صلته بأهل السنة، منهجه منهج أهل السنة. لماذا نحرم المجتمع من الاستفادة منه، وهو عنده علم؟ فلا إفراق ولا تفريق في هذا الباب، ثم أمر مهم جدًا، ينبغي إذا حرث الشيطان على تفريق كلمة أهل الحق، أن يرد شياطين الجن والإنس، بما أمرنا الله عز وجل به في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وما كان عليه السلف الصالح والعلماء من بعدهم، ممن اتبعهم بإحسان. اختلفنا في شيء، المرجع الكتاب والسنة، وما عليه علماء الأمة، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، وليس هذا بحسب، بل ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت، ويسلموا تسليمًا، وإذا جاءهم أمر من الأمن والخوف، أذاعوا به، ولو ردوا إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين استنبطوه منهم. إذن لا مجال للخلاف بين أهل الحق، ولا ينبغي أن نجعل تفرقة لشياطين الجن والإنس، التفريق بين أهل الحق، تعرفون من أعظم ما يحرف عليه أهل الباطل، وشياطين الجن والإنس، التفريق بين أهل الحق، لا تظن أن أهل الحق ليس لهم أعداء، لهم أعداء، قال الله عز وجل: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾. بل قال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم: «إن الشيطان ليئس أن يعبد في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم»، بعض العلماء يقول: هذا القيد خرج مخرج الغالب، وكل المسلمين، الشيطان ليئس أن يعبده هؤلاء المصلون منهم، ولكن بالتحريش، أي بالتحريش بينهم، معنى كلامه رحمه الله. وهذا هو الواقع، إذا وفق الله طائفة على السنة وعلى الحق، يئس الشيطان أن يوقع فيهم الشرك، أن يوقع فيهم البدعة، أن يوقع فيهم المعصية، لكن يستطيع من الجهة، ماذا؟ من جهة التحريش والتفريق، إذن لا نعطيه الفرصة، لا نعطيه الفرصة أبدًا، نطبق نصوص الكتاب والسنة، ونستقيم ونستسلم لدين الله، حتى في هذه النقطة. وحَصنُوا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والفرار، هذا حديث عظيم، لا يعني أن أهل الحق ما يخطئون، لا يخطئون، لكن كيف علاج الخطأ؟ هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا، هل نحن منصفون في علاج الأخطاء؟ لا يعني أن أهل الحق ملائكة، لا، لكن كيف نصلح هذه الأخطاء؟ الأصل هو الحكمة والرفق في إصلاح هذه الأخطاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتراحم، أهل هذه الدعوة الواحدة، ينبغي أن يكون عندهم من التراحم والتعاطف والتآلف، ما يدفع ما يطمع به الشيطان. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أخوك يعني أخوة أهل الإسلام كاليد والعين، أخوة أهل الإسلام كاليد والعين، إذا بكت العين، تحدرت اليد، وإذا تألمت اليد، دمعت العين»، هذه أخوة أهل الإسلام، أخوك هذا إما هو عين، وإما هو يد، إذا لابد أن يتعلم لنا التراحم، هؤلاء علماؤنا، هؤلاء أئمتنا. لكن نجد في الواقع، تباغض وتناحر، وشف في المعاملة، وضغينة وعدوان في الأقوال والألفاظ والتصرفات، ما ينافي هذه الرحمة التي دعا إليها ديننا، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والصح»، إذن أهل الدعوة الواحدة والأخوة الواحدة كالجسد، هذا مثل عينك، وهذا مثل أذنك، وهذا مثل يدك، وهذا مثل أصبعك. إذا جرحت الأصبع، ماذا تفعل بها؟ قاعدة بعض الناس: أي إنسان يخطئ، ما له توبة، هجر وحرمان، ودفع إلى الهاوية، إلى نار جهنم، مع السلامة، خلاص، انتهينا منك، إيش من توبة؟ ما في إلا توبة بني إسرائيل: «اقتلوا أنفسكم»، طيب، أنا أريد أتوب، أريد أرجع، أريد أصلح، نصلح أخواننا، ما في. ما لك إلا توبة بني إسرائيل، تقتل نفسك، أو ترجع هناك مع أهل الضلال، هذا خطأ، ليس، إذا أراد الإنسان كاد أن يسقط من السراب، ندفعه ونرفسه لأرجلنا، نمد له أيدينا ونرفعه، الذي يريد أن يسقط، نأخذه ونرده إلى الحق. وكيف؟ وأكثر ما يقع من خلافات في أمور بعيدة كل البعد عما يظنه الكثير، أنه يوجب الهجر، ويوجب التناحر والتباغض والتعادي، فلذلك ينبغي أن نعيد مثل هذه المعاني في قلوبنا، ونحييها في أوساط إخواننا، أن يكون عندهم من التراحم ومن التعاطف، ولا يعني ذلك التمييع وعدم الثبات على الحق، وعدم النصيحة، لا، ننصح، مع حب، ما المانع أنك تنصح، وأنت تحب له الخير، حتى لو اقتضى المقام أن تشد بالنصيحة، لا، تشد بالنصيحة، لكن لا يكون سببًا للتفرق. الأب ينصح ولده، ويشد عليه، وربما يضربه، لكن هل يطرده من البيت، حتى يتركه عرضة لأهل الفساد والفسوق، أن يأخذوا ولده فيزداد ضلالا وانحرافًا، لا، يشد عليه، قد يضربه، ولكن يحفظه، فيرحمه، وهذا الذي نريده، نريد من الإخوان أن يكون عندهم من التراحم والسعاطف، ما يبقى به أهل الصفة الواحد، يدا واحدًا، ولا تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم. التنازع سبب للفشل، وذهاب الريح، أي القوة، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ذهاب القوة، هو الريح في هذه الآية، إذا أردنا القوة، فعلينا بالاجتماع، وعدم التفرق، ولكن اجتماع، حال ثبات على الحق، ليس اجتماع لفلفة، مثل جماعات السياسة، والثورية، يجمعون الصوفي والشيعي، والمبتدع، وأهل المعاصي، لا، ثبات على الحق، معاركنا، والاجتماع. وبهذا بإذن الله يبقى أهل هذه الدعوة المباركة، دعوة أهل السنة والجماعة، في قوة، وفي خير، وهذا الذي نرجوه، وكما قلنا في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا جرحت الأصبع، الجسد كله يتألم ويصيبه بالحمى»، الحل ماذا؟ نعالج هذه الأصبع، نعالجها ونعالجها، حتى يشفيها الله عز وجل من جرحها. فإذا كان ليس هناك علاج أبدًا، قال لك الأطباء: هذه اليد إذا لم تقطعها، ينتقل هذا الجرح إلى سائر الجسد، إذا تقطع هذه الأصبع، وأنت حزين، وأنت تألم، وأنت ما تريد أن تقطعها، لكن ما في حل، وهكذا كذلك الفرد من أفراد هذه الدعوة، نصبر، ننصحه، ننصحه، ننصحه، نحافظ عليه، حتى يشفيه الله من هذا المرض، إنه عنده مرض، إما مرض الشبهات، وإما مرض الشهوات. فإذا شفاه الله، الحمد لله، أخونا، وهو باق معنا، وإذا كان لا مجال للشفاء، فهنا يأتي الهجر بالضوابط الشرعية، التي أمر بها العلماء، كما يكرر شيخنا ربيع حبي الله، ليس الهجر هو الأصل، كل شيء هجر، هجر، هجر، هجر، لا، ينبغي الانضباط في هذا الباب، لا إفراط ولا تفريط، وإلا فكيف نستطيع أن نبلغ هذه الدعوة إلى غيرنا؟ إذا كان أهل الدعوة الواحدة، هذه ما استطاعوا أن يحافظوا بعضهم على بعض، نحن مثل التاجر، التاجر يريد ربح، ليس يريد أن يضيع رأس المال، والآن صار العكس، الدعاة وأهل الدعوة الواحدة في المناطق قليل، ربما يكونوا في المنطقة خمسة وعشرة، إذن هم رأس المال، ثم يختلفون، ثلاثة فرق، وانتهى، هذه المجموعة العشرة والخمسة، ضيعوا رأس المال، والمطلوب هو الربح. نحن نريد أناسًا آخرين، تعرفون على هذه الدعوة، برحمتها، وباستقامتها، بما يكون به إن شاء الله قوتها، وهذا لن يكون بهذا الجفاء، وبهذه الغلظة، وهذا الإعراض عن أخلاق العلماء، وطريقة أهل السنة بحق، وصدر، لكن علينا بالأخلاق الكريمة، والطريقة الفاضلة، التي عليها علماؤنا، كما كان عليها إخواننا وسلفنا من قبل. وهذا هو من الاستقامة الصحيحة على الكتاب والسنة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوثقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. ثم أشار إلى بعض القضايا التي تثار حول بعض الدعاة، وقال: من جاء يوم الجمعة على الإمام، يطلب، والمسجد مختلف، والصفوف غير مستقيمة، هل يركع ركعتين تحية المسجد؟ إذا كان في الشارع، فيه خلاف، والصحيح أنه لا يلزمه ركعتين، ركعتين، ما دام أنه ليس في المسجد، في الشارع، لا يلزمه تحية المسجد، والله أعلم. وسئل عن حكم المرور بين يدي المصلي، إذا كان الإنسان لا يصلي إلى سترة، نعم، ما المسافة التي يبيح فيها المرور بين يديه؟ ثلاثة أذرع، ما بعد ثلاثة أذرع، مر، ثلاثة أذرع، مر، لأن سترته حد ثلاثة أذرع، أما أن نجعل من هنا إلى مكة، كله ممنوع المرور، هذا خطأ، إذا لابد من حد، ما هو الحد؟ هل جدار المسجد، إنسان يصلي في مؤخرة المسجد؟ هل معنى أنه قطع المسجد، خلاص، لأحد يمر؟ لا، ما زاد عن ثلاثة أذرع، مر، ولو كان بدون سترة، من مكان صلاته، صلاته، أي نعم، يعني السترة بعد ثلاثة أذرع، هكذا، من وراء المائدة، من وراء المائدة، لا بأس، الثلاثة أذرع، بذراع كل إنسان، بكل المصلي، أي نعم، أنت قصير، واحد طويل، واحد أطول، أعرف؟ يختلف الناس، أعرف؟ ذراع كل مصلي، ثلاثة أذرع وشبر، مسافة السترة، ما بعدها، يمر الإنسان، نعم، لا يأثم، ليس يحجز الدنيا كلها؟ خلاص، ما أحد يمر؟ حفظ الله وراء. إذا كان هذا التقويم للأثنين من باب العلاج، لأنه يضر، فهو جائز، مثل أن الأثنين تضرب في اللثة، أو لا تعطي خروجًا صحيحًا للحروف، لمن يقرأ القرآن، عرف، أو كذلك سبب لتساقطها، أو غير ذلك، فهذا داء، وما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، ويجوز التطبب في هذا، وتقويمه، أي نعم. الظاهر أن هذا