حافظوا على أمننا

الدرس في حافظوا على أمننا، خطبة جمعة في مسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 جمادى الأولى 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ضرورة الرجوع إلى العلماء والالتزام بالضوابط الشرعية

يُنبه الشيخ إلى أهمية الرجوع إلى العلماء في القضايا الهامة والالتزام بالضوابط الشرعية في النصح والإصلاح. يجب على المسلمين اتباع كتاب الله وسنة رسوله في إصلاح أمورهم.

خطورة الفتن والمظاهرات ووجوب طاعة السلطان

يُنبه الخطيب إلى خطورة الفتن والمظاهرات التي تُحدث الفوضى وتُسبب الشرور، ويشدد على أهمية طاعة السلطان واتباع أهل العلم في تجنب الفتن. هذا يسهم في المحافظة على الأمن والاستقرار.

أثر الذنوب والمعاصي وضرورة الحكم بكتاب الله وسنة رسوله

الذنوب والمعاصي سبب للابتلاء والمصائب، بينما الحكم بكتاب الله وسنة رسوله يحقق النصر والتماسك. الله لا يغير حال الأمم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يخبرنا ربنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا ينبغي لأهل الإيمان والإسلام، بعد إذ أنزل الله عز وجل عليهم من نعمة هذا الدين العظيم، نعمة الإيمان والإسلام، لا ينبغي عليهم في فرحهم وفي حزنهم، وفيما يلم بهم من سائر القضايا التي تمر بأهل هذا الدين العظيم، أن يرجعوها إلى غير مرجعها، وأن يردوها إلى غير مردها. وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف، أمرٌ من الأمن مما يكون به الفرح، أو أمرٌ من الخوف مما يكون به الحزن، وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به. ما كان ينبغي لأهل الإسلام والإيمان أن يذيعوا بذلك شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، فيخوضوا في ذلك العقلاء والسفهاء، ويخوضوا في ذلك أهل العلم والجهلاء. ما كان ينبغي أن يكون كذلك، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به. ولو ردوه إلى الرسول إذا كان حيًا، ففي حياته يرد إليه بشخصه، والرجوع إليه والاجتماع عنده وسؤاله ورد المسألة إليه. وإن كان ميتًا، فإرجاعه إلى الرسول إلى سنته عليه الصلاة والسلام، التي أمر الله جل وعلا بإرجاع الأمور إليها، وأمر الله عز وجل بطاعته عليه الصلاة والسلام فيها. وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم. وأولي الأمر هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما جاء في السنن من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ومرد الأمور بعد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هؤلاء العلماء. كما قال جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وكما قال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مَسِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. إن الذي يعلم كيف تستنبط أحكام المسائل إنما هو من كان عنده علم من كتاب الله، ومن صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما أثر عن سلف هذه الأمة، خصوصًا أهل الرسوخ من أهل العلم، من عرفوا بالإمامة والهداية، من جمع لهم علم الأولين والآخرين، فاجتمعت علوم الناس بين أيديهم، واجتمع مع ذلك خبرتهم، خبرة غيرهم ممن سبقهم من أهل العلم، وذلك بكبر سنهم، وذلك من أسباب الرسوخ في العلم. وهؤلاء هم العلماء الربانيون، الذين من أسباب تسميتهم ربانيين أنهم يوصلون إلى الرب جل وعلا بما علموا من دين الله جل وعلا وشريعته، فيهدون الخلق إلى ما فيه الصلاح لهم في الدنيا والآخرة. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يعني لكان الكثير من الناس متبعًا للشيطان، بسبب جهله بدين الله عز وجل، واتباعه لهواه. ومن تأمل، عباد الله، حال الناس في المجتمعات، إلا من رحم الله، وجد أن حالهم وأن الكثير منهم، إلا من رحم الله، يعيشون عيشة الغوغاء، فهم يتبعون كل ناعق، ويخوضون ويخضون في مسائل عظيمة وقضايا مهمة، من هب ودب، ممن كان عنده شيء من العلم أو لا، أو كان ممن عرف باستقامة أو غير ذلك. حتى صار الجميع يخوض في دين الله جل وعلا، وفي أحكام المجتمعات، وربما سيرت المجتمعات بما يكون فيه حتفها، وبما يكون فيه هلاكها، وبما يكون فيه الفساد لها في عاجل أمرها وآخره. ومن ذلك، عباد الله، ما نسمعه مما يثيره بعض الناس هنا وهنا، من هذه الفتن التي في شعاراتهم، فيها شعارات الإصلاح والنصيحة والتغيير إلى الأفضل والأحسن. ولكنهم جهلوا جهلًا عظيمًا أنه ليس هكذا يكون الإصلاح، وليس هكذا يكون النصح، وليس هكذا يكون التغيير إلى الأحسن والأفضل. إن ذلك، عباد الله، لا يكون باتباع الكافرين، ولا يكون بمجارات الفاجرين والفاسقين. ولكن ذلك يكون بالضوابط الشرعية، مما يعلم من كتاب الله، وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أثر عن سلف الأمة، وما يرشد ويدل عليه كلام علماء الأمة، ممن هم أعلم الناس بالخلق، بما كان معهم من العلم الشرعي، وبما اجتمعت لهم من الخبرة، وبما كان لهم من معرفة الأمور وإدراكها، ومعرفة ما خفي مما لا يعلمه الكثير من الناس. عباد الله، إنما يجري مما يسوقه ويسوقه الكثير من الناس، مما هو تحت أيدي بعض أعداء هذا الدين، إنه والله سبب شر عاجل وآجل لمجتمعات أهل الإسلام. عباد الله، إننا لو تأملنا ما دلت عليه الأدلة الشرعية، علمنا أن ديننا يأمر بعلاج مثل هذه القضايا بضوابط شرعية عظيمة. نذكر منها على وجه الإجمال والاختصار أصولًا عظيمة، ينبغي أن ينتبه لها في علاج مثل هذه القضايا. أولها أنه ينبغي أن يعلم الجميع أن مرد الإرشاد هو بما في كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف الأمة. هذا هو لازم من آمن بالله ربا، ورضي بالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. إن كنت يا عبد الله تدعي أنك مسلم، وجب عليك أن تعلم أنه يجب عليك أن تستسلم لدين الله جل وعلا وشرعه، جملة وتفصيلًا، في كل قضية تمر بك في شخصك أو في مجتمعك. ومن ذلك مثل هذه القضايا. عباد الله، فعند ذلك يُعلم خطأ الكثيرين الذين يستوردون العلاجات من الشرق أو الغرب، ويغترون بالشعارات التي يثيرها بعض الكافرين والمنافقين والفاسدين، مما يكون فيه الفساد والشر العاجل والآجل. إننا، عباد الله، ينبغي علينا أن نعتز بدين الله جل وعلا، وأن نعلم أن إصلاح أمورنا بإرجاعه إلى ما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك، عباد الله، أن من أعظم أصول النصح في ديننا، والنصح أصل أصيل، وكذلك معلم عظيم في ديننا. كيف لا، ودعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام هي النصح للأمة؟ «أنا لكم ناصح أمين». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي رقية ميمون بن أوسن الداري رضي الله تعالى عنه قال: «الدين النصيحة». وفي خارج الصحيح كررها ثلاثًا: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا: قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». نعم، عباد الله، الدين النصيحة. لكن من أعظم أصول النصيحة أن تكون بالرفق واللين والحكمة والموعظة الحسنة، كما أمر الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وفي الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله لا يعطي بالشدة ما يعطي بالرفق». ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي بالشدة». فتأمل هذا، عباد الله، وتأمل إلى ما يسلكه الكثير من الناس في هذا المقام. خصوصًا وأن هذا المقام قد جاء فيه الوعيد الشديد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخوض فيه بخلاف هذا المسلك. فإن ولاة أمور المسلمين، ما داموا من المسلمين، فإن النصيحة تكون لهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالرفق واللين الذي يكون به قبول النصح، ويكون به التعاون على الخير، ويكون به وضع الأمور في مواضعها. ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عياض بن غنم رضي الله تعالى عنه، وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن أبي عاصم في السنة بإسناد صحيح أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له نصيحة لذي سلطان، فلا يبدأنها على نية». من كانت له نصيحة لذي سلطان، فلا يبدأنها على نية. ولله حكمة، عباد الله، في هذا الأسلوب من النصح، لما في ذلك من عدم إثارة الغوغاء والجهلاء والسفهاء، الذين ربما يستغلون هذه المواضع، فيكون فيها الفوضى في المجتمع. ولا تسأل عن الشر الذي يكون في المجتمع إذا صارت زمام الأمور بأيدي السفهاء والجهلاء، ومن يتبطن بينهم من أعداء هذا الدين، من الكافرين والمنافقين والفاجرين. فإن الأمور تنقلب على خلاف ما كان يظنه من يحسن الظن بنفسه، ومن يظن أنه آمر بالمعروف وناهي عن المنكر. فإن الأمور تبدأ أول ما تبدأ صغيرة، ثم تكون بعد ذلك فتن عظيمة تموج كموج البحار. كما حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك، عباد الله، أننا ينبغي أن نعلم أننا في مجتمعات مسلمة، مهما ظهر من الفساد ومهما ظهر من الشر، فلا ينبغي أن نتناسى هذه الأصول العظيمة التي تتضمن معنى هذه الكلمة العظيمة: إننا في مجتمع مسلم. وبحمد الله جل وعلا، ومع ذلك نعيش في أمن. ولو وجد شيء من الشر، ولو وجد شيء مما لا يرضى، لكن الشر الذي يكون بضياع الأمن، واستتباب الفوضى، وحصول ما يحصل، مما يطمع به هؤلاء المتجمهرين، إنه لشر عظيم للمجتمع. فإن الأمن ينقلب خوفًا، وإن الشبع ينقلب جوعًا، وإن تسير الطرق وسلامتها تنقلب إلى انقطاع. وهكذا كذلك. لا تسأل عن الدماء التي تسبك، وعن الأعراض التي تنتهك، وعن الأموال التي تنتهك. وليس ما وقع قبل أشهر قريبة، وليست ببعيدة على الناس، ببعيد. فكم مما يثير هؤلاء من مظاهرات وغيرها، وتجمعات بحجة الإصلاح، وكذلك النصح، تنقلب إلى مظاهرات فوضوية يكون فيها نهب الأموال، ويكون فيها سفك الدماء، ويكون فيها أنواع من أنواع الاعتداء، وغير ذلك مما هو مخبأ مما تخبئه هذه الفتن، وما هو من لازم ثمراتها وتبعاتها التي لا تنفك عنها. فالحذر الحذر، عباد الله، من مثل هذه المعاني السيئة التي تكون بالخروج عن الضوابط الشرعية. ومن ذلك، مما ينبغي أن يستحضر في هذا المقام، أن نعرف أننا أمة واحدة، أمة إسلام. وجب علينا بما علمنا من دين الله جل وعلا أن نعتصم بكتاب الله، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حبله المتين، وصراطه المستقيم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فإذا كان كذلك، فلا ينبغي أن يفرح مسلم بفرقة تحصل بين المسلمين. بل الخلاف الشرعي كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث. بل كما جاء معناه في آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى. ولكن يكون الأمر، عباد الله، بالتزديد والمقاربة، وبما يكون به لم الشمل، وإصلاح ما يكون به كذلك، إبقاء هذا الجمع. وهكذا كذلك، مما ينبغي أن يستحضر في هذا المقام، العدل والإنصاف في المقامات كلها. فإن الله عز وجل أمرنا بالعدل مع العدو، ولو كان كافرًا. فكيف بأخ لك مسلم، ولو صدر منه ما صدر؟ فهو لا يزال مسلم. إن صدر منه ما صدر، فهو مسلم. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. والله جل وعلا أمرنا أن نفرق بين ولاية أهل الإيمان، وبين ولاية أهل الكفر والنفاق، والعياذ بالله. فإن الله عز وجل أمرنا أن نوالي أهل الإيمان. قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. ويقول ربنا جل وعلا في مقابل ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فإذا علمت ذلك، فينبغي أن تسأل نفسك، أخي المسلم، ما هو مقصد تلك الدول الكافرة أن تنشئ تلك الجمعيات التي تدعو إلى الفرقة في بلاد الكفر، وتقيم عليها بعض رؤوس الكفر ممن ينتسبون إلى الإسلام، أو عرفوا من قديم الزمان بانتسابهم إلى الكفر والإلحاد والشيوعية والاشتراكية الكافرة؟ فتأمل هذا، واستحضره، وتأمل معه ما كان عليه حال هذه البلاد في أيام الكفر، وأيام الإلحاد، وغير ذلك. وقارنه بعدل وإنصاف فيما يعيشه المسلم في زماننا هذا، مما هو في أمن في دينه، ومما هو في أمن في دنياه، وغير ذلك مما لا يجحده إلا مكابر. فعند ذلك تعرف خطورة ما ينادي به بعض الناس، مما تكون به عاقبة السوء. إن لله وإن إليه راجعون. ومن هذه الأصول، عباد الله، كذلك ينبغي أن نعلم أن ديننا قد أمرنا بطاعة السلطان في طاعة الله. طاعة السلطان في طاعة الله. ومن ذلك أن نطيعهم بالمعروف، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وأولي الأمر هم العلماء والأمراء. والأمراء تبع للعلماء فيما يبينون لهم من شريعة الله جل وعلا ودينه. وهكذا صحة الأحاديث الكثيرة المتكاثرة المتغافرة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة ولاة الأمور، ولو صدر منهم ما صدر من الجور. بل ولو حصل منهم الاعتداء بأخذ الأموال وضرب الظهور. فإن ذلك ليس بشيء أمام ما يكون إذا رفع السيف في المجتمع. فعند ذلك الشر المستطير. عند ذلك الشر المستطير. فإن ما سبق من أخذ الأموال وضرب الظهور إنما هو فتنة خاصة. وأما إذا سفكت الدماء ورفعت السيوف في المجتمعات، فتلك فتنة العامة. يضيع بها الدين والدنيا. فلا تسأل عن الأحوال التي تتغير، والأمور التي تنقلب، حتى يكون بين الناس الخوف. لا يستطيع الرجل أن يسير مسيرة ساعات، فضلًا عن أيام وليالي، وهو في أمن على دينه ودنياه. ولا تسأل، يا عبد الله، لا تسأل عن الشر الذي يتبع ذلك، من تسلط الأعداء، وهم يترقبوننا أعظم الترقب. فإنهم يتحينون مثل هذه الفرص التي تكون بها الفتن في بلاد الإسلام، فيخوضوا فيها ويأخذوها بكل مأخذ. انظر، يا عبد الله، في فرقة طمع بها بعض الناس، يظنون أنهم يريدون الإصلاح، فكانت عاقبة ذلك شرور كثيرة. إلى ما وقع في إخوانكم في بلاد الصومال، وهكذا كذلك لإخوانكم في بلاد العراق، وهكذا غيرها من بلاد الإسلام، مما تحصل فيه فرقة. فعند ذلك يتحين ذلك أعداء هذا الدين، فيكون الشر المستطير، والعياذ بالله. عباد الله، إن ديننا الحكيم يأمرنا بما فيه الخير والصلاح لنا في أول أمرنا وآخره، وفي آجله وعاجله. وأن نرد الأمور إلى أهلها، بإرجاعها إلى أهل العلم الراسخين، وإرجاعها إلى الثوابت والأصول الشرعية التي علمناها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما سار عليه سلف الأمة. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يرينا الحق حقًا، يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا، يرزقنا اجتنابه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما يتبع ما سبق أن نحذر، عباد الله، ما يسعى إليه بعض الناس بجهل، سواء كان ذلك بحسن نية أو بسوء نية، مما يطمعون به وينادون إليه من تجميع الناس في مظاهرات، فيما يسمى مظاهرات سلمية. وهي في الحقيقة لها العواقب السيئة على هذا المجتمع، وعلى هذا البلد. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. لو لم يكن، يا عباد الله، إلا أنه مما جاءنا من أعداء هذا الدين من الكافرين، لكان هذا كافيًا في رفضه والابتعاد عنه. كيف يضاف إلى ذلك المفاسد الكثيرة التي تحتف بهذه الأفعال، وهذه التجمعات؟ فإنها مفاسد كثيرة لا تعد ولا تحصى. من أعظمها أنه أولًا سبب يكون به تدخل أعداء هذا الدين، بتحويل هذه المظاهرات من مظاهرات سلمية إلى تجمعات فيها من الشغب والفساد الشيء العظيم. وما وقع في بعض مدن بلادنا في الأيام الماضية، وقبل ذلك، ليس على الناس ببعيد. فكم من مظاهرة تخرج فيما يسمى مظاهرة سلمية، فتنقلب إلى سفك دماء، وانتهاك أموال، وربما وصل الأمر إلى شيء مما هو أعظم من ذلك. وهكذا يطمع أعداء هذا الدين بتفجير المواقف، وإثارة الفتن في بلاد المسلمين، بمثل هذه الأفعال وهذه المحدثات. فصارت هذه المظاهرات بمثابة المتفجرات المؤقتة، يتخذها ويستغلها أعداء هذا الدين متى ما أرادوا استغلالها، وكذلك الاستفادة منها. فيحولوها من مظاهرات سلمية إلى شغب وفتن عظيمة، يكون بها الذريعة في تدخل أعداء هذا الدين في بلاد المسلمين. إن لله وإن إليه راجعون. وهكذا كذلك، عباد الله، إن من مفاسدها كذلك أن تكون زمام الأمور بأيدي السفهاء والجهلاء، وممن لا خلاق له ولا دين. فإن الأمر أول الأمر ربما يكون بيدي من يظن أنه يريد الإصلاح والتغيير والنصح. فلا يدري إلا وقد انفلتت الأمور من يده، وصار الأمر إلى غيره. وصدق من قال: «الحرب أول ما تكون فتية تسعى بزينتها لكل جهول، حتى إذا اشتدت وشاب ضرامها، ولت عجوزًا غير ذات حلل». يقول هذا الشاعر: أول ما تكون الحرب تبدو للناس كأنها شابة فتية، يسعى لها كل واحد بالزواج والقرب منها. حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها، يعني اشتعلت بالفتن، وصارت ما صارت، ولت عجوزًا غير ذات حلل. عجوزًا لا أحد يرغب فيها، وليس لها زوج، وكل واحد يتمنى زوالها. فهذه الفتن التي يثيرها بعض الناس بالجهل، فإنها ربما تبدأ فيما يظنون أنها على وجه صحيح، ثم تنفلت الأمور، فيكون الشر الذي لا يعلم عقباه إلا الله سبحانه وتعالى. فينبغي أن نعتبر، عباد الله، بمجتمعات من حولنا، وبمدن كذلك مجاورة لنا. كان في ذلك عبرة وآية لكل مسلم، ولكل مؤمن. وجب عليه أن يحتكم لدين الله، ولما علم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأن يعرف لأهل هذا الدين من حملة العلم الشرعي ونصائحهم، ما ينبغي أن يكون متابعًا لهم فيه. ولا ينبغي، يا عبد الله، ويا أيها المسلم، أن تأخذك العاطفة لبعض الثوريين بتلك العاطفات والحماسات، وتلك الكلمات التي هي في الحقيقة تغرك، وكذلك تدخلك في فتن لا أول لها ولا آخر. ولكن خذ بما أمرت بالأخذ به من كلام أهل العلم الراسخين، من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ممن شابت لحاهم وشعورهم في معرفة الأمور وأحوالها، وخبرة بما يكون من تكرار المسائل والقضايا وتتابعها، فضلًا عن علمهم ورسوخهم بعلم الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. قد ابتلي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما هو أعظم من ذلك، فأمروا بالصبر. أمروا بالصبر، وأمروا كذلك بالرفق واللين التي تكون به عاقبة الأمور حسنة. ونعلم، عباد الله، أن أكثر ما يصيب العباد إنما هو بذنوبهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وعند ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يتبع الناس المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان». «ولم يحكموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم». «ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان». «ولم يحكموا بكتاب الله وسنة رسوله إلا جعل الله بأسهم بينهم». فانظروا إلى هذه الخصال الخمس، وكيف يعاقب الله جل وعلا العباد بما يكون منهم. والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. اللهم أصلحنا وأصلح بنا، وأصلح العبادة والعباد، يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وأصلح لنا أمورنا، واجعل الدنيا متاعًا لنا، وبلاغًا في طاعتك إلى حين. اللهم لا تفتنا إلا ونحن بهذا الإسلام آخذين، وبسنة نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين. إنك ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.