الدرس في القواعد والأصول الجامعة 26، الدرس السادس والعشرين : فيه من قوله ( ومن الفروع أن كل عقد اشترط له القبض أن القبض راجع إلى العرف ... فإن لم يجد صاحبها بعد تعريفها ملكها ) . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح كيف يختلف مفهوم القبض في العقود باختلاف العرف والعادات في مختلف الأماكن، وأن الشرع يحيل الكثير من الأحكام إلى العرف. كما يبين دور العرف في تحديد أحكام المعاملات المالية مثل البيع والضمان والأمانة.
يشرح كيف أن العرف يلعب دورا هاما في تحديد أحكام المعاملات المالية والضمانات، ويختلف العرف باختلاف المكان والزمان ونوع المال. كما يبين أن العرف يستخدم لتحديد ما يعتبر تعديا أو تفريطا في حفظ الأمانة.
يشرح كيفية تعريف اللقطة وطرق التعامل معها وفق العرف السائد في كل مكان وزمان، ويبين أن طريقة التعريف تختلف حسب قيمة اللقطة والعرف المحلي.
يشرح كيف يمكن تقديم ضمانات مع شهود لضمان أداء الالتزامات، وأن العرف يلعب دورًا في تحديد معاني الأشياء وتفسيرها في حالة النزاع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ أبي عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد والرسول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة»: ذكر في قواعده التي ذكرها في القسم الأول القاعدة التاسعة: «العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم الشارع به ولم يحده». ومر معنا بذلك فروع مسائل. قال رحمه الله: ومن الفروع أن كل عقد اشترط له القبض أن القبض راجع إلى العرف، وكذلك الحرب يرجع فيه إلى العرف، ويختلف باختلاف الأموال. هذه كذلك مسألة من المسائل التي يرجع فيها إلى العادة والعرف، وذلك أن العقود التي اشترط لها القبض - والمراد بالقبض أي الاستلام، سواء كان المال أو السلعة - راجع إلى العرف. فمثلا، البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا اشتريت من إنسان ملابس يكون قبضها بتسليم المال واستلام الملابس، ويكون التفرق بافتراق الجسدين بعضهما عن بعض. فهذا مثال للتفرق، ومثال كذلك للقبض. بينما لو اشتريت أرضا، كيف يكون قبضها؟ هل تقبض الأرض بأن تنبطح وتحضنها؟ لا، وإنما قبضها يعرف بالعرف والعادة. فالعرف والعادة يختلف من مكان إلى مكان. فمن العرف مثلا بقبضها أن يخلى بينك وبينها. فمثلا في بعض البلاد يكفي في شرائها أن تقبض وثيقة الأرض، يحصل بذلك الشراء ويحصل بذلك التقابض، وأن يقبض البائع المال وتقبض أنت وثيقة الأرض، فيكون بذلك حصل التقابض. وإذا تفرقتما فقد تم التفرق وتم البيع. بينما في بلاد أخرى ما يكفي أخذ وثيقة الأرض، بل لابد من أن يخلى بينك وبين الأرض بأن تنزل إليها في مسنع، ومرأى من الجيران وجميع الناس، حتى يثبت لك بذلك أنك قد اشتريت الأرض وقد دخلت فيها بإقرار صاحبها وجيرانها ونحو ذلك. وفي موضع آخر ما يحصل التقابض حتى تعمل فيها شيئا. يوجد في بعض البلاد في بعض الأراضي فيها مشاكل، فيها خصومات وخلافات، فقبض الأرض ليس بقبض الوثيقة، ولا أن تنزل تمشي فيها برجلك، لكن أن تأتي بشيء من المعدات الثقيلة تعمل في الأرض تسويها وتعمل لنفسك سورا من الجيران محدود. فإذا فعلت ذلك فأنت تكون بهذا قد قبضت الأرض. ولماذا لابد من معرفة ذلك؟ لأنه إذا حصل النزاع ممكن أن يرجع المشتري على البائع. لو قال البائع: أنا قبضت المال وأعطيته الوثيقة، وبهذا حصل التقابض وبهذا البيع. فقال المشتري: لا، ما تم البيع حتى ينزل معي إلى الأرض ونأتي بالأدوات الثقيلة، نترك أثرا، ما كان بمعناه، ونسوم ما حول الأرض. فإذا لم يظهر منازع فعند ذلك أنا أعتبر أنني قد قبضت الأرض وتم بهذا البيع. وما دام أنه لم يفعل هذا معي فأنا لا أرى أن البيع قد تم، وأريد أن نرد له أوراقه، هو يعطيني مالي. فبأيهما نقول؟ بالأول أو بالثاني؟ نقول: بحسب العرف، بحسب العرف. فإن كان العرف عند الناس أنه لا يتم القبض إلا بهذا الوصف، فإن هذا هو الوصف الذي يكون شرعا قد تم به البيع. وذلك لأن الشرع أحال الكثير من الأحكام إلى ماذا؟ أحال الكثير من الأحكام إلى العرف. فقبض الأرض نفسها - كما بينا بهذه الأمثلة - أنها لا تستوي من بلدة إلى أخرى، لا تستوي من بلدة إلى أخرى. بل في بعض البلاد ربما لا يكون القبض صحيحا حتى تبني بها، حتى تبني، ولا يظهر لك منازع. ربما تعمل السوم، ولا يأتي لك أحد، لكن تبدأ بالبناء. إذا بدأت بالبناء وظهر لك المخالفون فصار في عرف بعض الناس وبعض الجهات والقبائل لا يتم البيع ولا يحصل التقابض التام الذي يتم به البيع حتى يشرع المشتري في البناء. فإذا شرع المشتري في البناء ولم يظهر المخالف ولا منازع يتم بذلك التقابض الذي يحصل به الرضا. يعني كأن هذا الرجل الآن ضامن أن هذه الأرض ليس معه فيها منازع، فيقول له: ابني، ولا أحد يعارضك، ولا أحد كذلك ينازعك في ذلك، لأنها أرضي خالصة. فيظهر المنازع، ماذا نقول؟ هل نقول أن البيع يلغى بعد تمامه أو يفسخ بعد تمامه؟ نقول: أصلا ما تم البيع، البيع معلق بإتمام القبض، لأن هذا عرف الناس في هذه البلد أن القبض لا يحصل تاما إلا بماذا؟ إلا بالبناء. إذن لابد من البناء، القبض لا يحصل حتى يتم التسويم، تسويم الأطراف. وكذلك لابد من تسويم الأطراف، أو كذلك لا يتم حتى ينزل فيها. فإذا نزل فيها وأكل من ثمارها أو أخذ منها، فإنه يكون بذلك بحسب العرف. قال رحمه الله تعالى: وكذلك الحرق يرجع فيه إلى العرف، ويختلف باختلاف الأموال. كذلك الحرق، الزراعة وما كان بمعناها يختلف قبضه بحسب العرف. فكما قيل في الأرض، فإنه كذلك يقال في الحرق، يختلف. فربما يكون قبض ذلكم الزرع يكفي بالأوراق، وفي موضع آخر ما يكفي إلا بالنزول. وفي موضع آخر ما يكفي حتى مثلا يريد ويستفصل الأرض من زرع إلى عقار، حتى يقلعها ولا يظهر له منازع فيها، ونحو ذلك. فيختلف من مكان إلى آخر، ويختلف من بلد إلى آخر، وهكذا من زمان إلى زمان. وهكذا يقول: ويختلف باختلاف الأموال، كذلك إذا اختلفت الأموال يختلف قبضها. أحيانا يكون القبض بماذا؟ بمجرد أن يخلي بينك وبينها. اشترى منك غنما أو إبلا، يقول لك: بعت لك الإبل التي هي كذا وكذا وكذا، يسميها لك. فكم البيع حصل تقابض المال وأنت تقبض الإبل، ولو كان ما سلمك الإبل إلى يدك، بشرط أن تكون ماذا؟ أن تكون موجودة، ما تكون ضائعة. أما أن تشتري الضائع فهذا لا يجوز، لأنه من بيع الغرر. وهذا ما يفعله بعض الناس، وللأسف يأتي فيشتري الغائب بنصف سعر الحاضر. ضاعت عليه ناقة، غابت عنه شهر أو شهرين، يقول: خلاص، من يشتريها مني بنصف قيمتها؟ يعني معناه: إن كانت حية فسيستفيد النصف، وإذا كانت ميتة حصل لها شيء، فمعناه سيضيع النصف. فهذا نوع من الميسر، هذا نوع من الميسر، لا يجوز. ولا يجوز الاستدلال بالتقابض بما قضاه العرف فيما يمكن قبضه وفيما لا يمكن قبضه. فما يمكن قبضه وأقره العرف فهو جائز، وما لا يمكن قبضه وفيه معنى الغرر فإنه لا يجوز، لحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر»، حديث أبي هريرة في مسلم. وهذا بمعنى قال: ومن ذلك أن الأمين لا يضمن ما تلف عنده إلا بتعد أو تفريط، والتعد والتفريط مرجع إلى العرف. فما عدّه الناس تعديا أو تفريطا علق به الحكم. كذلك الأمين الذي توضع عنده الأمانة لا يضمن هذه الأمانة إذا تلف الشيء بدون تفريط ولا تعدي. وإذا حصل التعدي أو التفريط فعليه الضمان. فيقول المؤلف رحمه الله: كيف نعرف أنه فرط أو لم يفرط؟ الشرع لم يذكر أحوال عشر أو ست أو سبع أو ثمان، لا ما ذكر شيئا. فمن أين نعرف أنه فرط أو لم يفرط؟ إن كان شيئا ذكره الشرع مثله أنه يسمى تفريطا فيكون ذلك تفريطا. وإن لم يذكر الشرع أنه يسمى تفريطا فيرجع بذلك إلى العرف، يرجع بذلك إلى العرف. فمثلا في عرف الناس، والعرف يختلف من مكان إلى آخر. في عرف الناس عموما أن وضع الشيء في غير حرزه يعد تفريطا. وضع الشيء في غير حرزه يعد تفريطا. فمثلا الذهب ما يوضع في حوش الغنم، أين يوضع؟ في الصندوق في البيت. لا يقول: أنا وضعته في بيتي، وسرق. من أين سرق؟ أنا وضعته في حوش الغنم، ثم سرق. هذا تفريط أو ليس بتفريط؟ تفريط، هذا يعد تفريطا. كذلك أشياء في الموضع التي فيها سرقة ما يصلح أن توضع عند الباب خارج البيت. بينما عند البدو ربما الغنم يبقى عند البيت ولا يخاف عليها أحد، ما يخاف عليها من أحد. لكن في المدن وما كان بمعناها مما يكثر فيها السرقة ويكثر فيها الغرباء الذين لا يعرفون، فعند ذلك لا يكون بذلك غير مفرط، بل هو مفرط. وهكذا يختلف حفظ الأمانة من شيء إلى شيء، ومن بلد إلى بلد، ومن زمان إلى زمان. فنرجع التفريط ومعرفته بحسب العرف. قال: ومن ذلك أن من وجد لقطة لازمه أن يعرفها حولا كاملا بحسب العرف، فإن لم يجد صاحبها بعد تعريفها ملكها. وهذا التعريف يقول رحمه الله: من وجد لقطة، الأصل أنه لا يجوز له أن يأخذها، كما جاء بذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لابد عليه أن يعرفها، إلا ما كان حقيرا ولا تطمع به ولا تتبعه الأنفس، مثل التمرة، عود السواك، وما كان بمعناه من الشيء الذي ليس بنفيس. ودليله قول النبي عليه الصلاة والسلام في التمرة التي وجدها: «لو لأني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها»، وهي لقطة، فاستدل العلماء بذلك أن التمرة وما كان بمعناها يجوز أن تلتقط ولا يحتاج مثلها إلى تعريف، ولا يحتاج مثلها إلى تعريف. أما إذا كان شيء ثمينا فلابد يعرف سنة. طيب كيف يعرف سنة؟ أنشر في الجرائد، أعلق في جميع أبواب الناس، أو ماذا أفعل؟ الجواب أنه يرجع به إلى العرف، فيختلف بحسب عرف الناس من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى أخرى. فيختلف العرف. فمثلا عرف الناس في المدن الكبيرة إذا ضاع شيء أنهم يعرفون في الغالب حول المكان الذي ضاع فيه ذلك الشيء. فمثلا وجد شيء بجانب محل فيه مجموعة من المحلات: بقالات، مطعم، ونحو ذلك. ممكن يلصق ورقة «من ضاع شيئا ثمينا» فيتصل على الرقم الفلاني، أو يأتي عند صاحب المحل الفلاني، ويعلق هذه الورقة في هذا المحل، في المحل الثاني، في المطعم. فيكون بذلك قد أدى ما تعامل به الناس وتعارف عليه. في بعض الأماكن يكون الأمر أوسع من ذلك، لأن المكان مكان بادية. وجدها في بادية، هي الغالب لأحد أهل هذه البادية، لكن بين البيت والبيت ماذا؟ مسافات كبيرة. بين البيت والبيت مسافات كبيرة. فكيف يعرف؟ مثلا في عرف أولئك الناس أن يعلق أوراقا أو ورقة في وقت الزواج. متى أقرب زواج؟ قالوا: بعد شهر. فهذا الشيء ثمين: ذهب، أو ما كان بمعنى. فممكن يعلق في الزواج مثل هذه الأوراق، أو يتكلم واحد، إن كان أكثر الناس لا يقرأ، فيقول: من أضاع شيء قبل شهر في المكان الفلاني فليأتي إلى فلان بن فلان. فإذا صار التعريف الآن - سواء ليس سواء - التعريف يختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى آخر. وهكذا يستمر التعريف سنة. وربما في بعض الأماكن يحتاج التعريف إلى ما هو أوسع من ذلك، أو في بعض الأشياء يحتاج التعريف إلى ما هو أوسع من ذلك. قد يكون يحتاج إلى تعريف في الجرائد، ويحتاج إلى تعريف في المجلات، ونحو ذلك. وهكذا فكل شيء بحسبه، ويرجع ذلك إلى العرف. كيف العرف عندكم يا عبد الله؟ إذا واحد ضاع شيء في مكان خاص، إذا كان في نفس المدينة يرجع إلى نفس الشرطة، ويضمن أنه ما تأخذه الشرطة. فضل أبا جابر: كيف أيها الإخوة؟ لا بأس أن يحط إعلان في المطاعم التي يغلب على أهل السيارات الكبيرة نزولها. فمثلا هذا سؤال مهم. طيب أنك نبهت عليه. بعض الإخوة قد يجد مثلا في طريق عدن حضرموت أحيانا عشر كياس بقص سقطت من سيارة من السيارات الكبيرة، أو عشر كياس رز، أو أحيانا فرش، أو أحيانا جوالين، أي شيء يجدون. أحيانا تسقط من بعض السيارات. فيسألون: كيف نصنع؟ الغالب أن أصحاب هذه السيارات ينزلون ماذا؟ ينزلون مطاعم معينة معروفة هي في الخط، ما تزيد عن خمسة مطاعم. يرسل بأوراق يطبعها. إذا يريد يبرئ ذمته فيما بينه وبين الله أخذ هذه الأشياء ووضعها في البيت، ولو حتى استخدمها إذا كان يعرفها ويعرف أجناسها. مثلا رز من نوع الفلاني، كذا كذا. إذا استخدمها هو ضامن لها عنده استطاعة للضمان. والأول أن يحفظها إذا كانت ما تخرب. فيعلق في هذه المطاعم أوراقا: «من سقط من سيارته شيء في التاريخ الفلاني أو في الأسبوع الفلاني». حتى لا يحدد التاريخ، لأن بعض قد يكذب يقول: أنا سقط علي شيء. يسمع أحد أصحاب السيارات أنه ضاع عليه كذا وكذا، يقول: من ضاع عليه شيء في الوقت الفلاني أسبوع كذا وكذا فليتصل على هذا الرقم. فيبقى على هذا إذا أحد جاء أعطاه إذا ضبط الوصف بالأوصاف في الدقيقة، في أي يوم، في أي ساعة، ما هو العدد، ما هو الوصف، وكم كذلك الذي سقط، ونحو ذلك. فإذا ضبط الوصف أعطي. وإذا لم يضبط الوصف لم يعط. وممكن تعطيه بضمان أن يأتي بشهود يضمنونه، بحيث لو ظهر مرة أخرى الإنسان الآخر اللي يقول: هذه الرجل أخذها، وهذه الضمان، وهذه الشهود. اذهب تابع عند صاحبك الآن، أنت بريء الذمة، خلاص. ترسله تحيله إلى رجل آخر، وهكذا. يختلف كل شيء تعريفه يختلف بحسب العرف، بحسب عرف الناس.