الدرس في القواعد والأصول الجامعة 79، الدرس التاسع والسبعون : من : ( تكملة للدرس السابق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ مسألة تطبيق القواعد الشرعية على الحدود، وقسم الحدود إلى حق لله وحق للآدمي. كما بحث في مسألة اجتماع الحدود في شخص واحد.
يتناول المقطع تفاصيل تطبيق الحدود عند تعدد الجرائم، مشيرًا إلى اختلاف آراء الفقهاء حول تطبيق حد واحد أو عدة حدود، ويستند إلى أحاديث نبوية.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أفعالًا محرمة عند المصيبة مثل النياحة وشق الجيب والدعاء بالويل والثبور. هذه الأفعال من خصال الجاهلية المنهي عنها.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالجاهلية وأهل الكفر بأي خصلة من خصالهم، حتى الأمور البسيطة التي قد تبدو تافهة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في القاعدة الحادية والأربعين. وكان مما أخذناه في هذه القاعدة أنها في اجتماع العبادات إذا كانت من جنس واحد ولم يكن أحدهما مقصودًا لذاته، صح تداخلها. وقد مرت معنا أمثلة فيما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. ونشير اليوم إلى تتمة لهذه القاعدة، بعض المسائل التي أشار إليها عدد من أهل العلم فيما يتعلق بهذه القاعدة، وخصوصًا في كتاب الحدود؛ لأنه وقع فيها اختلاف. وقد نبه شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في شرحه. وقد سجلت بعض تلك المسائل حين حضرنا ذلكم الشرح، فأذكرها وأنبه على الراجح والمرجوح منها على وجه الاختصار؛ لأجل أن يطلع من مرت عليه هذه القاعدة على بعض ما ذكره العلماء في هذا المقام. مما ذكره شيخنا رحمه الله تعالى أن الحدود تنقسم إلى قسمين: حق لله جل وعلا، وحق للآدمي. ثم الحق للآدمي قد يكون حقًا للآدمي محضًا، أو حقًا للآدمي معه حق لله. فأما القسم الأول الذي هو حق لله، فهو كذلك ينقسم إلى نوعين: النوع الأول إذا اجتمعت حدود ليس فيها قتل، مثل زنا وسرقة وشرب خمر. فعلى القاعدة التي سبقت، ماذا نقول؟ هل هذه من جنس واحد؟ الجواب: ليست من جنس واحد؛ عندنا زنا والسرقة وشرب خمر، كل واحد غير الآخر. فتقام عليه كل الحدود، ويبتدأ بالأخف ثم الأشد. وإن كان قد تضرر هذا الذي أقيم عليه هذا الحد، فإنه يجعل فسحة بين الحد والحد الآخر، هكذا نص العلماء على ذلك، بتدقيق بنقولات الأئمة وبما روي عن بعض السلف في هذا المقام. وأما النوع الثاني أن يكون فيها قتل، مثل رجل محصن زنى فحكمه الرجم، وكذلك سرق، وكذلك شرب الخمر. فهنا ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يكفي القتل فيه، وذهب الإمام الشافعي رحمه الله أنه يجب أن يقام عليه الجميع: أي حد الزنا لأنه محصن فيرجم، وقبل ذلك يحد حد شرب الخمر على من يقول أنه حد كما سبق في دروس سابقة، وهكذا كذلك السرقة إن كان سرق فتقطع يده بحسب السرقة. وفي هذه المسألة خلاف، والصواب والله تعالى أعلم هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله. ودليل ذلك حديث العُرَنيين الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أنس؛ فإنه جاء في ألفاظه -وله ألفاظ كثيرة- أن هؤلاء أتوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واجتووا المدينة -يعني تغير عليهم جو المدينة- فأشار إليهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يذهبوا إلى الراعي -يعني في طرف المدينة وعنده الإبل- فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فلما شربوا وصحوا قتلوا الراعي وسملوا أعينه وأخذوا الإبل وفروا بها وارتدوا عن دين الإسلام. انظر كم جمعوا من جرائم: الجريمة الأولى الردة، وحد الردة ماذا؟ القتل «من بدل دينه فاقتلوه». والجريمة الثانية القتل؛ قتلوا الراعي، وفي رواية أنهم رعاة قتلوا الرعاة «والقاتل يقتل». والجريمة الثالثة أنهم سملوا أعين الراعي -يعني خرقوها- والله عز وجل يقول: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. كذلك الجريمة الرابعة أنهم سرقوا الإبل، والجريمة الخامسة ويتدخل في الرابعة أنهم من المفسدين في الأرض، وهم مثل قطاع الطريق وأشد. اجتمعت لهم خمس جرائم. فهل اكتفى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقتلهم؟ الجواب: لا. فأرسل إلى من يأتي بهم، فأتي بهم. فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وهذا حد ماذا؟ حد الحرابة «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ». قطع أيديهم وأرجلهم، ودخلت فيها حد السرقة؛ لأن السرقة تدخل في الحرابة. ولم يحسم أيديهم وأرجلهم -يعني ترك أيديهم وأرجلهم يسيل منها الدم- بخلاف السارق والمحارب الذي لم يقتل؛ فإنه تقطع أيديه وأرجله ويحسم ذلك -يعني يوضع في زيت حار حتى يقف الدم-. ولم يكتفي بذلك عليه الصلاة والسلام، بل سمل أعينهم جميعًا؛ لأنهم اشتركوا في هذه الجريمة سملوا أعين الراعي، فسمل أعينهم. قال أنس: «فتركهم في الحرة يستسقون ولا يسقون»، تركوا على هذا الحال: سملت أعينهم، وقطعت أيديهم وأرجلهم، وترك الدم ينزف منهم حتى قتلوا حتى ماتوا. فدل هذا الحديث على أنه إذا اجتمع حد القتل واجتمعت معه حدود أخرى، فإنه يجمع بين هذه الحدود على القول الصحيح الذي روي عن إمام الشافعي، وهي رواية عن الإمام أحمد كذلك. القسم الثاني: ما إذا كان حقًا للآدمي. فقلنا: هذا كذلك على قسمين: حق للآدمي فقط، ما فيه حق لله سبحانه وتعالى، مثل قدف وقطع وضرب ونحو ذلك. فهنا تقام عليه جميعًا. مثلًا: ضارب إنسان وقذفه وقطع يده أو فعل به شيء مما يوجب القصاص والجروح قصاص، فإنه يجتمع له هذا جميعًا، لكن يتدرج به. القسم الثاني: حق لله وللآدمي، وهذا على ثلاثة أنواع: النوع الأول ليس فيه قتل، مثل شرب خمر وقدف. وهنا الجمهور يقولون: يحد مرتين: حد شرب الخمر وحد القدف. وذهب الإمام مالك رحمه الله أنه يكتفي بحد واحد. والصواب كما قلنا أنه يجمع له الحدان. ما هو الدليل؟ هيا محمد، الدليل أنه يجمع له حد القذف وحد شرب الخمر. الدليل: حديث العرانيين الذي مر معنا قبل قليل؛ فإذا كان في القتل يجمع، فما دونه من باب أولى. النوع الثاني: أن يكون فيها قتل، وهذا كذلك يكون كما سبق الصحيح أنه يقام جميعًا، مثل قتل وشرب خمر وزنا، فإنه يقام عليه حد شرب الخمر أولًا، ثم يقام عليه حد الزنا إن كان ليس محصن فجلد، ثم يقام عليه حد القتل إن لم يعف عنه. طيب، فإذا كان القتل يختلف، مثل قتل الصاحب: القتل الذي يكون قصاص، والقتل الذي يكون صاحب حد مثل المحصن، فإنه يرجم بالحجارة. هنا إذا اجتمع الحكم هو قتل وقتل، فإنه ينتقى الأشد. ينتقى الأشد. وكذلك الدليل: حديث العرانيين الذي سبق. النوع الثالث: أن يكون فيها قتل وحق آدمي قصاص، مثل رجل نكأ عين إنسان واستوجب عنده حدًا لله عز وجل مثل ردة -مثلًا- فوجب عليه القتل. فهنا يؤخذ أولًا بحق هذا الإنسان: تفقع عينه كما فقع عين هذا الإنسان، ثم كذلك يقام عليه الحد. فخلصنا من هذا أن القاعدة مضطردة: أن القاعدة مضطردة، فإذا كانت من جنس واحد وكان أحدهما ليس مقصودًا لذاته تداخلت. وأما إذا كان مقصودًا لذاته مثل هذه الحقوق التي مرت، فإنها لا تتداخل. وهنا تأتي مسألة من مسائل الحدود، وهي ما إذا تكررت السرقة ثم قبض عليه. تكررت من إنسان السرقة، مشهور أنه سارق سرق محلات كثيرة ثم قبض عليه، فهل تقطع أطرافه بعدد السرقات أم يكتفى بقطع واحد؟ اختلف أهل العلم في هذا، وقد روي عن عدد من الأئمة في هذا روايتان. وما ذلك إلا لأن المسألة ليس فيها نص صحيح صريح. والأحوط في هذا هو أن يقام حد واحد مرة واحدة. والدليل في هذا عمومات صحت في الأدلة الشرعية، وجاء معناها بحديث ضعيف، وفيها آثار صحيحة: «ادرأوا الحدود بالشبهات»، ادرأوا الحدود بالشبهات. فإن الشيء لاشتبه والتبس عليك في باب الحدود، فالأصل أنك تدرأ هذه الحدود. ودليله الصحيح ما جاء في قصة ماعز؛ فإنه لما أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام واعترف بأنه زنى وهو محصن، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يستنكه، لعله شرب الخمر، وسأله: «أبك جنون؟» قال: لا. وكرر عليه السؤال حتى اعترف ثلاث مرات. وهذا يؤكد ذاك الأصل: «ادرأوا الحدود بالشبهات». وجهت فيه آثار صحيحة تؤكد هذا المعنى. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والنياحة وإتباعها بالنار أو اتباع الجنازة بالنار يجوز هذا ويجوز هذا، وشق الجيب والدعاء بالويل والثبور، ولا يبعد منع المتبع لها حتى توضع، والقيام لها منسوخ». هذه تتمة المسائل لهذا الفصل، أولها النياحة. ودليلها أدلة كثيرة صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأشار إليها في الشرح. فمنها ما جاء في الصحيحين من حديث المغيرة: «من نيح عليه يعذب بما نيح عليه». وهكذا كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر، وأشار أنه في صحيح مسلم، والصواب أنه في الصحيحين: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه». وهكذا كذلك ما جاء في حديث أبي مالك الأشعري، وهو في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». وهكذا كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى الأشعري: «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة». وهذا بمعنى النياحة الفعلية. فإذن النياحة تنقسم إلى قسمين: نياحة ببكاء، ونياحة بفعل أو صوت. وهذا هو الذي أتبعه رحمه الله تعالى بقوله بعد ذلك: «واتباعها بالنار وشق الجيب والدعاء بالويل والثبور». فمما يلحق بالنياحة شق الجيب، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «والشاقة» أي التي تشق ثوبها من الأمام. الجيب هو هذا الموضع ما كان من جهة الصدر، أو تشقه من أي مكان، لكن هذا هو الغالب أن المرأة تشق منها هنا، هذا أقرب شيء إلى يديها من جهة الصدر. وهذا هو الجيب، فهذا من فعل أهل الجاهلية، وهو مما يدخل بمعنى النياحة المحرمة. وهكذا كذلك الدعاء بالويل والثبور، الدعاء بالويل والثبور، وهو دعاء الجاهلية الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في الصحيحين في حديث ابن مسعود أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية». وجاء كذلك أنه قال عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة». فتدخل هذه الأفعال بالنياحة. وهكذا الدعاء بالويل والثبور فقد جاء عند أبي داود والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، أن امرأة من المبايعات أخبرت أن مما أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا نخمش وجهًا ولا ندعو ويلًا ولا نشق جيبًا وأن لا ننشر شعرًا. يعني هذا من مبايعة عليه النبي عليه الصلاة والسلام النساء المهاجرات أن لا تخمش إحدى النساء إذا تريد الإيمان والإسلام بحق وجهها. الخمش هو أن نجرح ما نقول: البَخْش على الوجه أو أي مكان، فلا تجرح نفسها لأجل المصيبة، بل تصبر وتحتسب. وهكذا كذلك لا ندعو ويلًا، وهذا من دعاء الجاهلية الذي جاء عامًا في حديث ابن مسعود وغيره، فلا يدعو بقول: «الويل لي» أو «الويل لذريتك من بعدك» أو نحو ذلك مما فيه الدعاء على النفس وعلى المال وعلى الأولاد وغير ذلك. وأن لا ننشر شعرًا، كذلك لا يكون فعل شيء مما ينافي الاعتدال أو حتى الجمال إذا كان هذا فوق الحد الشرعي. حتى الجمال إذا كان فوق الحد الشرعي، والحد الشرعي لغير الزوجة كم؟ ثلاثة أيام. وللزوجة أربعة أشهر وعشرة أيام. يعني أن يظهر عليها آثار الحزن من عدم التزين. وأما بعد الثلاثة أيام فلا يشرع التزين. وقد ثبت عن بعض أمهات المؤمنين أنها دعت بطيب بعد أن مرت ثلاثة أيام لموت قريب لها، وذلك قالت: ليس لي حاجة في الطيب، ولكن أرادت أن تبين سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «الصالقة والحالقة والشاقة». الصالقة التي تصيح وترفع صوتها بأي نوع من أنواع الصوت، حتى إذا كان بكاء ويتكلف في هذا البكاء برفع الصوت، فإنه مما يدخل في هذا المعنى. وهكذا التي تحلق شعرها لأجل هذه المصيبة. والعكس كذلك كما ذكر الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، قال: ومنه -أي مما يدخل في نشر الشعر الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام- إعفاء اللحية للرجال في فترة الوفاة. بعض الناس إذا حصلت وفاة مات أحد قاربه: أخ أو أب أو قريب، يأتي يعمل واللحية ليست على العادة -العادة مثل المرأة أملس- لكن يرى اللحية فيها شوية أصحابه يقولون: ها لا بأس، خير حصل، والله مات اليوم أخي أو ما دريت مات أخي من قبل يومين، فهذه علامة للحزن، يتركون الحلاقة. الحلاقة محرمة للرجال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعفوا اللحى، خالفوا اليهود». لكن إذا كان عفاها لأجل المصيبة، فهي معصية فوق معصية. فينبغي الانتباه لمثل هذه الأمور. وقد نهانا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نتشبه بالجاهلية وأهل الكفر بأي خصال من خصالهم، ولو كان بمثل هذا.