الدرس في القواعد والأصول الجامعة 47، الدرس السابع والأربعون : من : ( وكذا لو صالحه عن دم العمد ... وكل صلح أدخل في محرم فحكمه كذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الصلح خير في الإسلام ويجوز في مسائل مختلفة مثل المنازعات بين الناس والزوجين، ويهدف إلى إزالة النزاع والخصومة. يشترط في الصلح الجائز ألا يحل حراما ولا يحرم حلالا.
يتناول المقطع أمثلة على جواز الصلح في مسائل مالية وزوجية، مثل الديات والديون وحقوق الزوجية، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية وآيات قرآنية. يشرح الشيخ حالات يجوز فيها الصلح مثل المصالحة على دية أكثر من المعتاد أو على حقوق زوجية.
الصلح الجائز هو الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، مثل الصلح على بعض الدين المؤجل مقابل أن يكون حالا. بينما الصلح الذي يحل حراما أو يحرم حلالا فهو غير جائز، مثل الصلح مع من يقر بالعبودية أو الزوجية وهو كاذب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. آخر ما وقفنا عليه طيب مرة معنا في الدرس الماضي التلام على القاعدة الثانية والعشرون والثالثة والعشرون: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو حل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حل حراما». ومرت معنا مسائل لإيضاح لهاتين القاعدتين. قال رحمه الله تعالى: في النفس وما دونها فهو جائز، كذلك المصالحة في دم العمد مما يجوز. وقد مر معنا حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قتل عمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية، ويهى ثلاثون حقة وثلاثون جدعة وأربعون خلفة» -أي حامل- «وما صلحوا عليه فهو لهم». قال: وذلك لتجديد العقل. والحديث حسن الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء. ومعنى هذا، والشاهد منه قوله: «وما صلحوا عليه فهو لهم». ومعنى أنه إذا حصلت المصالحة ولو بأكثر، لو حصلت المصالحة ولو بأكثر من الدية فذلك جائز. ومر معنا الأثر في قصة هدب بن خشرم، إذ قتل قتيلا، فبدل له سعيد بن العاص سبع ديات، وشفع الحسن والحسين، فأبى أولياء المقتول. الشاهد أنهم أقروا دفع سبع ديات، يعني سبعة أضعاف الدية. فتجوز المصالحة بذلك. وقال رحمه الله: وكذلك لو صالحه عن المجهول من الديون والحقوق بشيء معلوم جاز. المجهول من الديون والحقوق بشيء معلوم جاز. مثل إنسان مثلا استدان منك مالا فاختصمت أنت وإياه، قال لك المدين: إنما هو عشرة آلاف، وقلت أنت: لا بل خمسة عشر ألفا. فدخل بينهما الرجل وأصلح، فقال: نجعلها وسط، اثنى عشر ألفا ونصف، يعني، سبعة آلاف وخمسمائة. فتراضيا على ذلك جاز. وهذا إذا اختلفوا في الحقوق، فوقع الصلح على شيء بينهما، فالصلح خير. مثل الرجل عمل عند آخر إجارة، فاختلفوا في آخر العمل، قال العامل: عملي هذا يستحق خمسة آلاف، وقال صاحب العمل: بل ثلاثة آلاف. فدخل بينهما من يصلح بينهما، فقال: اجعلها وسط، أربعة آلاف. الصلح خير. وهكذا قال: ومن هذا مصالحة أحد الزوجين الآخر عن بعض حقوق الزوجية الماضية أو المستقبلة. الماضية مثل المهر، والمستقبلة مثل العشرة والمبيت. فإذا حصل بين الزوجين تسامح، كأن يكون مثلا على الزوج بقية المهر دين في ذمته، دفع بعض المهر وباقي المهر دين، فاختلف الزوج والزوجة، فقالت: خلاص سامحني، ونصطلح على أن أسامحك في ذاك المهر. فرح الزوج، قال: يا الله سامح، ما دام المهر سيسقط الحمد لله. أو كذلك المستقبلة مثل المبيت، وبعض مسائل العشرة. قال: ومثل ذلك أن ترى عدم رغبته فيها، فتسقط عنه بعض حقوقها، وهذا من المستقبلة ليمسكها، كما في قصة سودة رضي الله عنها، فإنها لما كبرت وخشيت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يطلقها، تنازلت عن يومها ووهبته لعائشة رضي الله عنها. فهذا مما يجوز المصالحة فيه. قال: كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وهذه الآية وإن كانت في قضية النكاح وما بين الزوجين، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالصلح خير في كل شيء، في البيوع، في النكاح، في الديون، في الديات، في القصاص، في الخصومات، في أي شيء، في أي باب من أبواب الشرع مما يكون في باب المعاملات، فإنه يجوز الصلح فيما لم يحل حراما ولا يحرم حلالا كما سبق. ومعنى الآية: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، يعني إذا خشيت المرأة من زوجها النفرة أو ما كان بمعناه، فصالحته على شيء من ذلك، إما بتخفيض في المهر، أو كذلك كما قال المؤلف: تنازل وإسقاط لبعض الحقوق، إما في النفقة أو كذلك في المبيت أو غير ذلك. المرأة إذا أسقطت ذلك لها ذلك أن تسقطه. وهنا تأتي مسألة: هل يجوز إسقاط هذا الحق قبل الدخول؟ بأن يجعل شرطا بالنكاح في هذا خلاف بين أهل العلم، والأحوط وعدم فعله. مثاله: لو أن رجلا قبل أن يتزوج المرأة يقول: أتزوجك بشرط ما هو هذا الشرط؟ تنفق على نفسك. طيب وإيش الثاني؟ الثاني: متى ما شئت أتيت ومتى ما شئت لم أتيت. قال بعض أهل العلم: هذا شرط باطل. لماذا؟ لأنه ينافي حقيقة العقد. وكما مر معنا أن البيع يبطل ويفسد بماذا؟ بوجود، بسقوط بعض، بوقوع بعض ما ينافي البيع، أو وقوع بعض ما ينافي شروط البيع. فحقيقة البيع والانتفاع من البيع، وحقيقة النكاح هو حصول انتفاع الزوج من الزوجة والزوجة من الزوج. فإذا كان يريد أن يتزوج بهذا الشرط، فبعض أهل العلم يقول: هذا مناف للعقد. وأخف من هذا إذا كانت المرأة هي التي تعرض هذا، أخف من هذا إذا كانت المرأة هي التي رضيت وهو ما يسمى في هذا الزمن عندنا بزواج المسيار. بعض النساء تكون عانس أو كبيرة في السن، وزوجة بعض الدول المجاورة، فتطلب زوجا، أهم شيء زوج، لا بأس ينفق عليها أو لا ينفق، يأتي أو لا يأتي، أهم شيء أنها متزوجة. فأجاز هذا بعض أهل العلم ومنعه بعضهم. وذلك مبنى على هذه اللفتة التي سمعناها أنه فيه معنى من معاني عدم حصول معنى العقد الذي لأجله تم النكاح. فلأجل هذا حصر الخلاف بين أهل العلم في مثل هذا المعنى. والقاعدة العامة الشاملة في هذا الباب أن كل ما كان فيه ضرر فإنه لا يجوز، لا ضرر ولا ضرار. قال رحمه الله: وكذلك الصلح عن جميع المنازعات والمشاجرات بين الناس والتجاحد للحقوق فهو خير، مصلحته عظيمة. كما قال ربنا عز وجل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. فأي منازعة من المنازعات أو مشاجرات بين الناس إذا حصل الصلح فيها فذلك خير، سواء كان ذلك على عين وحق من الحقوق، أو كان ذلك في شيء من أنواع الخصومات. فإن تنازعوا على مال أو نحوه، كان الصلح بما يكون به تراضي الطرفين. أو كذلك كان التنازع على اعتداء، كان الصلح بالقصاص بالأخف الذي به يحصل انكسار الطرفين وخضوع الطرفين لهذا الحكم أو لهذا الصلح ونحو ذلك. وقوله: «والتجاحد للحقوق» كذلك إذا جحد حق من الحقوق، يكون الصلح بينهما بما يكون فيه تقريب الطرفين إلى ذلك المقصد، ألا وهو حل النزاع والخصومة وحصول الصلح. وبه تعرف أنه لا يشترط فيه الميل لأحد الطرفين، لا، ولكن المقصود هو حصول الصلح. ولا يشترط فيه التوسط، لأن المقصود الصلح. فإنك قد تجد مثلا رجلا شريرا يخاف من شره، ورجلا آخر لينا تخاف عليه، وربما يكون هناك شيء مما يدل على أن هذا مظلوم وذاك ظالم، لكن لا بينة ولا مجال كذلك لعرض الشيء على وجه إحقاق الحق. فإن دخلت بصلح، فجعلت الرجل يسامح الآخر عن بعض حقه، وذاك يأخذ البعض، ولو كان فيما يقع في ظنك أنه ربما يأخذ الشيء ليس بحق، لكن أنت تريد الصلح، تريد أن تحل النزاع وتقطع الخصومة وتسلم بذلك الدماء، فهذا مقصد شرعي عظيم. ولأجله حصل إقرار الشرع على مثل هذا الصلح والتسامح. ثم عند الله عز وجل يكشف الله السرائر، عند الله سبحانه وتعالى يميز بين الظالم والمظلوم، ولو حصل الصلح ولو حصل الصلح في الدنيا. فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع له من مال أخيه شيئا -يعني وهو ليس له بحلال- فإنما يقطع له من نار جهنم». إنما أقضي بنحو ما أسمع. النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله يوحى إليه، ومع ذلك يخبر أنه ما يعلم الغيب وأنه يقضي بين الناس بنحو ما يسمع. فلا يظن الظالم أنه إن استطاع أن يحوز على مال أحد بغير حق، سواء حازه بحيلة وخداع أو حازه بقوة وتجبر أو بسلطان وجاه أو بغير ذلك، أنه قد سلم. لا، لم يسلم في الآخرة، لم يسلم في الآخرة، بل الله عز وجل الحكم العدل، ولا يخفى عليه من أمر عباده شيء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال رحمه الله: وكذلك على الصحيح عن الدين المؤجل ببعضه حالا. فهذه وأشباهها من الصلح الجائز. كذلك الدين المؤجل إذا أنقص منه بأن يذبح حالا، هذا ليس من الربا. ولهذا قال: «على الصحيح»، لأن المسألة فيها خلاف. والصحيح ذلك لما صح به الحديث. وقد بوب البخاري رحمه الله: «باب الصلح بالدين والعين»، إشارة منه رحمه الله إلى أن الصلح بالدين ليس فيه معنى الربا. وجاء بذلك في الصحيحين حديث كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد حين اختصما في الدين، وارتفعت أصواتهما في المسجد عند حجرة النبي عليه الصلاة والسلام، فخرج فكشف الستار نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأشار إلى كعب بن مالك رضي الله عنه أن ضع الشطر. فقال: فعلت يا رسول الله، يعني خفض من الدين إلى النصف. وقال للرجل: «اقضه»، يعني إذا كنت ما تستطيع أن تقضي المال كله، فأنا أشفع بأن يخفض لك الدين إلى النصف على أن تقضي الآن. فكان ذلك صلحا، وبه استدل العلماء على جواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل أن يكون حالا. قال: ومثال الصلح الذي لا يجوز: كأن يصالح من يقر له أنه عبده أو أنها زوجته وهو كاذب. هذا النوع من الصلح لا يجوز لأنه كما قلنا: الصلح الذي يحل الحرام أو يحرم الحلال لا يجوز. فكيف يصالح من يقر له بالعبودية وهو كاذب، أو تقر له بالزوجية وهي كاذبة أو هو كاذب كذلك ليست هي. فهذا تواطؤ على حرام، تواطؤ على حرام. لأن العبد له مالك آخر، العبد له مالك آخر. لأن في هذا في الحقيقة إضاعة للحقوق. والمرأة لها زوج آخر أو هي ليست متزوجة، فهذا تواطؤ على إضاعة الحقوق. وما كان تواطؤا على إضاعة الحقوق هو من تحريم الحلال وتحليل الحرام. قال رحمه الله تعالى: «أو يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره والمدين عالم به فيصالحه على ما يجحف بصاحب الحق». وكل صلح أدخل فيه محرم فحكمه كذلك. أي محرم. وهذا مثال آخر فيه معنى الظلم والاعتداء. يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره والمدين عالم به، يغالطه ويكذب عليه، يقول له مثلا: كم الدين الذي عليك يا زيد؟ عمر مثلا يثق بزيد، فكتب عنده دين، يعني مثلا أخذ زيد من عمر مالا أو متاعا أو سلعة أو شيئا، فسجلها زيد هو الآخر. وعمر يثق في زيد، فقال له: سجل أنك أخذت مني بضاعة قدرها كذا وكذا. سجلها أو مالا قدره كذا وكذا. فسجله. فجاء عمر يقاضي زيدا عند انتهاء الموعد: ها يا زيد كم الدين؟ قال: ما أدري. كيف الآن نفعل؟ ما سجلت أنت؟ يقول: ضاعت الورقة. هو يعلم حتى لو ضاعت الورقة يعلم كم الدين. قال: ضاعت الورقة كيف نفعل؟ قال: خلاص نقدر. كيف نقدر؟ قال: تقول كم تقريبا؟ قال: أنت من عندك كم؟ قال: أنا أقول خمسين، وهو يعلم أنها مئة. فقال: ما رأيك نجعلها خمسة وسبعين؟ أو العكس، هو قال مثلا خمسة وسبعين، وقال الذي عليه الدين: نجعلها خمسين. فدخل معه بصلح، وهو يعلم أن هذا ليس بصحيح، هو لم ينس الدين ولم تضيع الورقة، وإنما مراده بذلك أكل هذا المال بغير حق. فهذا لا يجوز. وهذا كما سبق، فهذا الصلح في الحقيقة لا يحل له هذا المال. قال: «أو يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره»، صاحب الحق يجهل، لكن الآخذ يعلم. قال: «والمدين عالم به»، الذي أخذ يعلم بذلك الحق. قال: «فيصالحه على ما يجحف بصاحب الحق»، يكون الصلح على ما فيه جحف بصاحب الحق، فهذا لا يجوز. قال: «وكل صلح أدخل فيه محرم»، يعني أوقع الإنسان في محرم. «فحكمه كذلك»، أي صلح أدخلك في محرم، لأن تأكل أموال الناس بالباطل، أو تجعل الحرام حلالا أو الحلال حراما، فكل ذلك لا يجوز. لأن الصلح الجائز هو الصلح الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا. هذا ما بقي نتركه إن شاء الله للدرس الآتي.