الدرس في كتاب الفرائض من الاختيارات الفقهية 3، الدرس الثالث:من( وإذا استكملت الفروض المال سقطت العصبة ولو في الحمارية ... والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى عنه الضمان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع مفهوم الحمارية وتطبيق حديث ابن عباس في توريث العصبة، حيث يشرح سبب تسميتها والخلاف حول توريث الإخوة الأشقاء. كما ناقش مسائل توريث الإخوة في الفرائض.
ناقش المقطع مسائل توريث الإخوة في الفرائض، حيث ذكر أن الصحيح عن الإمام أحمد أن الإخوة الأشقاء يحجبون الإخوة لأم، واستعرض آراء أهل العلم في هذه المسألة.
يناقش المقطع مسألة توريث القاتل وموانع الإرث، حيث يرى بعض العلماء أن القاتل لا يرث مورثه، ويُستدل على المنع من الإرث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما ناقش حكم توريث من قتل خطأً مع وجود شبهة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وإذا استكملت الفروض، وإذا استكملت الفروض المال سقطت العصبة ولو في الحمارية، وهو مذهب الإمام أحمد. يشير رحمه الله تعالى إلى العمل بعموم حديث ابن عباس: «ألحق الفرائض بأهلها، فما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر»، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإلحاق والباقي لأهل العصبات، دليل على أن العصبة تسقط على الإطلاق. وقوله: «ولو في الحمارية»، الحمارية مسألة مشهورة عند الفرضيين، فيها زوج وصاحب سدس واثنين من الإخوة لأم فأكثر، وكذلك فيها الإخوة الأشقاء أو لأب، فمثل هذه المسألة وقعت في زمن عمر رضي الله عنه، أرضاه، فأفتاهم بأنه ليس لهم شيء على ظاهر حديث ابن عباس، وهو القياس والقاعدة في هذا الباب: «ألحق الفرائض بأهلها»، فألحقها بأهلها ولم يبق شيء للعصبة، فلم يأخذ الإخوة الأشقاء شيئًا مع أن الأشقاء أقوى وأقرب إلى الميت من الإخوة لأم. ولذلك سميت الحمارية، قالوا: إنهم قالوا: «جاءوا في المرة الأولى إما هم وإما مثلهم»، فقالوا لعمر: «هب أن أبان حجرًا في اليم»، هذا الذي صح، وجاء عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن منصور، وجاء في رواية عند الحاكم والبيهقي: «هب أن أبان حمارًا»، ولم تصح هذه الرواية. فسميت الحمارية، وسميت اليمية، وسميت كذلك الحجرية لهذا المعنى، فكأن عمر رضي الله عنه نظر إلى معنى ما ذكروا، فشركهم مع الإخوة لأم في الثلث، لأن المسألة فيها زوج ولا فرع وارث، فله النصف، وأم مع وجود جمع من الإخوة فلها السدس، وإخوة وإخوة لأم اثنان فأكثر لهم الثلث، انتهت الفريضة: نصف وسدس وثلث، انتهى، لم يبق شيء، لأن السدس والثلث يساوي النصف، والزوج أخذ النصف، فلم يبق شيء. ففي المرة الأولى لم يورث الإخوة الأشقاء، وفي المرة الثانية أشركهم مع الإخوة لأم، فلهذا سميت كذلك بالمشركة، فاختلف أهل العلم في هذه المسألة على هذا، أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة على أنهم لا يورثون على الفتوى الأولى لعمر رضي الله عنه وأرضاه، وهي صحيحة. وذهب بعض أهل العلم، وقد روي ذلك عن علي وابن مسعود وأبي موسى وأبي بن كعب وابن عباس، وهكذا من بعدهم الشعبي وشريك القاضي وأبي ثور وابن المندر، وهو كما نرى ترجيح شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه بن القيم، وهو كذلك ترجيح شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وهكذا شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز، وجماعة من المحققين من أهل العلم، ومنهم شيخ شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي. فهؤلاء جميعًا يرون أنهم لا يرثون، أي: الإخوة الأشقاء لا يرثون، لماذا؟ لأنهم أخذوا بظاهر النص وتقتضيه القواعد والقياس الصحيح في باب الفرائض. وذهب بعض أهل العلم على أنهم يشركون في هذا مع الإخوة لأم، وروي هذا عن الإمام أحمد، لكن كما قال بعض أهل العلم: رواية ضعيفة رواها عنه حرب، كما ذكر ذلك بعض الحنابلة. والصحيح المشهور عن الإمام أحمد القول بقول جمهور أهل العلم في هذا الباب، فإنهم يرون أنهم لا يرثون، وهذا الذي ذكر في مسائل أحمد إسحاق، وذكر في مسائل ابنه عبد الله أنه يرى أنهم يحجبون، يعني: يسقطون، ليس لهم شيء، يعني: لأنه لم يبق لهم شيء، أي: الإخوة الأشقاء، وهذا هو الصحيح عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وذهب بعض أهل العلم إلى القول الآخر المروي عن عمر رضي الله عنه، والصواب ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وبه نعرف معنى قوله رحمه الله: «ولو في الحمارية»، يعني: ولو في هذه المسألة التي اختلف القول فيها عن عمر رضي الله عنه، وهي مسألة مشكلة، والصحيح فيها ما ذكر رحمه الله. وقد أشار الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسير آيات الفرائض إلى فائدة نفيسة في هذا الباب، فقد ذكر في هذا الموضع حين ذكر توريث الإخوة لأم الثلث، وذكر حديث ابن عباس: «فلأولى رجل ذكر»، قال رحمه الله تعالى في معنى كلامه: أن هذا هو دلالة القرآن وظاهر السنة والقياس الصحيح، وهو كذلك. قال معنى كلامه الذي يدل عليه أسلوب القرآن والسنة، يعني: معناه لا يخرج عنه لا من جهة المنطوق ولا من جهة المفهوم، ثم استرسل رحمه الله في شرح حديث: «فلأولى رجل ذكر»، وقارنه بآيات كثيرة كيف أنه إذا أريد بذلك العموم أو الخصوص يوضع مثل هذا القيد بما يكون فيه إزالة للإشكال والإبهام. ومثل بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، قال: ولم يقل: «وما كيدهم إلا في ضلال»، وإنما قال: «كيد الكافرين»، ومثله: «فلأولى رجل ذكر»، «فلأولى رجل ذكر»، تأكيد لهذا المعنى وإزالة للإشكال والإيهام، وهو كذلك في هذه المسألة، فالحكم على إطلاقه، فلا فرق بين العصبة لو كانوا إخوة أشقاء مع إخوة لأم أو كان كذلك أخ شقيق من غير إخوة لأم، ما دام أنه سقط باستيفاء الفروض، فإنه هنا كذلك يسقط. قال رحمه الله: «ولو مات متوارثان وجهل أولهما موتًا لم يرث بعضهم من بعض»، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، وهذا كذلك ترجيح واختيار من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة المختلف فيها، وهي مسألة من مسائل ما يسمى بالغرق والهدم في باب الفرائض. فإن مسائل الغرق والهدم تتناول ثلاثة أحوال، الحالة الأولى: أن يعلم المتأخر موتًا بعينه، فهنا يحصل يزول الإشكال، فيرث المتأخر من المتقدم، والحالة الثانية: أن يقع الموت دفعة أو دفعة واحدة، فلا يعلم من المتقدم ومن المتأخر، فهنا لا توارث بين هؤلاء. والحالة الثالثة: ما أشار إليه رحمه الله هنا: أن يجهل أولهما موتًا، وهذا يتناول ثلاث صور، الجهل بكون من الأول موتًا يتناول ثلاثة أحوال، الأول: أن يجهل كيف وقع الموت مرتبًا أو دفعة واحدة، ويتناول ثانيًا: أن يعلم أن موتهم كان مرتبًا، ولكن لم نعلم عين المتأخر، وهذا يدخل كذلك في معنى الجهل. والثالث: أن نعلم المتأخر ثم ننساه، كأن يطول الزمان أو غير ذلك، فهذه الأحوال الثلاثة تدخل في معنى كلام المؤلف رحمه الله، ففيها جميعًا الصحيح ما ذكره رحمه الله، وهو مذهب لأئمة ثلاثة، ومروي عن عدد من الصحابة، وهو ترجيح عدد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، وغيرهم من أهل العلم المعاصرين، وهكذا كذلك من الأئمة المتقدمين. فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو أنهم لا يورث بعضهم من بعض، ومن قال بالتوريث كما يروى عن الإمام محمد رحمه الله، فلهم في هذا تفاصيل تذكر في كتب الفقه من التفريق بين المال القديم والمال الجديد، يسمون القديم تلاد والجديد طريف، وغير ذلك من تفاصيل تحت هذا المعنى. وإذا قلنا بأن الصحيح عدم التوريث، فلا حاجة للوقوف لمثل هذه التفاصيل. قال رحمه الله: «والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى عنه الضمان»، وهذه مسألة أخرى من مسائل الفرائض تتعلق بموانع الإرث، فمن موانع الإرث القتل، وقد اختلف أهل العلم في القتل ما هو القتل الذي يمنع من الإرث، هل هو القتل العمد فقط أم العمد والخطأ؟ وهل إذا كان العمد هل العمد الذي يوجب القصاص أم العمد الذي يوجب القصاص والدية؟ فإذا كان خطأ فهو يوجب ماذا؟ الكفارة، وإذا كان عمد من والد فهو يوجب ماذا؟ الدية فقط، وإذا كان عمد من غير والد فهو يوجب القصاص. ففي هذه جميعًا وفي غيرها كأن يكون ليس مشاركًا بالقتل بفعله ولكن بأمره، أو لم يباشر القتل ولكن تسبب فيه، ذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل، وذهب بعض أهل العلم إلى الإطلاق، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ظاهر قوله ها هنا أنه يرى الإطلاق. قال: «والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى عنه الضمان»، فهو ذكر الأدنى، فمن باب أولى يدخل الأعلى، إذا كان غير المباشر أدخله في حكم عدم التوريث، فالمباشر ولو كان خطأ من باب أولى أنه ماذا؟ أنه لا يرث. وفسر ذلك تلميذ ابن القيم رحمه الله، فقال رحمه الله: أن من قتل قتلًا مضمونًا بقصاص أو دية أو كفارة، أو قتلًا مطلقًا، سواء قصد القاتل أن يتعجل الميراث أو لم يقصده، فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع اتفاقًا، لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع الفعل، وأفسد الشارع الذريعة بالمنع، يعني: سد هذا الباب بالمنع. كلام ابن القيم رحمه الله هذا يدل على هذا الإطلاق، فقوله: «والآمر بالقتل» يدخل في قوله: «أو قتلًا مطلقًا»، أو قتلًا مطلقًا، فهو ولو كان غير ضامن، الآمر بالقتل غير ضامن، ليس عليه دية ولا يقام عليه القصاص، لكن القصاص يقام على من؟ على المباشر، والمشارك إذا وجد معه مشارك بالفعل. ففي مسألة المنع يمنع الجميع لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس للقاتل من الميراث شيء»، فنظر هؤلاء العلماء إلى معنى هذا الحديث، فإن فيه سد ذريعة وقوع القتل لتعجل الميراث، فسدًا لهذه الذريعة أدخل كذلك الآمر بالقتل، وهذا القول صحيح. إلا ما استثنى بعض أهل العلم في القتل الخطأ إذا تبين بالحجة والقرينة الواضحة البينة أنه خطأ محض، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وكذلك ربما يكون محسنًا، والله جل وعلا يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، قد يكون محسنًا فيتسبب في قتل خطأ. فإذا تبين بالدليل الواضح البين أنه مخطئ وأنه غير متعمد للقتل وليس هناك أدنى شك في احتمال كونه ليس بخطأ، فهنا الصحيح أنه يورث، وهو قول الكثير من أهل العلم، وتقدم معنا قريبًا في شرح التسهيل معنا ذلك. وأما إذا وجدت شبهة أو احتملت قرينة، فسدًا للذريعة حتى لا يتعجل أحد موت أحد ويظهر القتل العمد بصورة الخطأ، فإن الصحيح أن أمثال هؤلاء لا يورثون، ولا شك أن الآمر من جهة المعنى يدخل في معنى المنع، فهو كما قال رحمه الله. طيب، نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.