الدرس في كتاب الصيام 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشترط للصيام الواجب تبييت النية من الليل، بينما يصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية مختلفة.
يمكن للإنسان أن يصوم التطوع بدون نية مسبقة إذا لم يتناول الطعام، بينما يشترط تبييت النية لصيام الفريضة. كما يفصل في مسألة تبييت النية لصيام الشهر كاملًا.
النية في الصيام تكون من الليل، ولا تجزئ بعد الزوال. إذا أفطر الشخص في أول النهار لا يصح صيامه، ونية الصيام تكفي مرة واحدة لشهر رمضان كاملًا.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم مع الدرس الثامن، ومن هذه المسائل حكم الحامل والمرضع، ومر معنا الخلاف في بعض التفاصيل في حكم القضاء أو إيجاب الفدية، فما هو خلاصة ما يقرر مع الراجح؟ نعم، فضل هذا التفصيل نعم، نعم. الصحيح التفصيل جمعًا بين الأدلة والآثار المروية في هذا الباب، فإن كانت تستطيع القضاء فالواجب القضاء، حالها كحال المريض، وإن لم تستطع القضاء فحالها كحال من لا يستطيع، دخولًا في عموم قوله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ مع الآثار المروية في هذا الباب، ولا يجمع بين الكفارة أو الطعام مع الصيام على الصحيح. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يصح صوم واجب إلا أن ينويه من الليل، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزي صيام رمضان وكل صوم بنية من النهار؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليصم بقية يومه، ثم لم يكن أكل فليصم، ومن لم يكن أكل فليصم، قال: وكان واجبًا. ولنا حديث حفصة مرفوعًا: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» رواه داود والترمذي والنسائي. وأما يوم عاشوراء، فإنما سمي الإمساك صيامًا تجوزًا؛ كما في البخاري: «من كان أكل فليصم بقية يومه»، والإمساك بعد الأكل ليس بصيام شرعي، ولو ثبت أنه صيام عاشوراء، فوجوبه تجدد في أثناء النهار. ويصح صوم النفل بنية من النهار بعد الزوال وقبله. وقال مالك: لا يجزئ إلا بنية من الليل؛ لحديث حفصة. ولنا حديث عائشة عند مسلم، وحديثهما نصه به. ولو تعارض قدم حديثنا؛ لأنه أصح. والمشهور من قولي الشافعي أن النية لا تجزئ بعد الزوال، فإن فعل قبل النية ما يفطره لم يجز الصيام بغير خلاف نعلمه». طيب، هذه مجموعة مسائل تتعلق بالنية، وتقسم على وجه الاختصار إلى قسمين: الصيام الواجب والصيام النفل. أما صيام النفل، فالصحيح كما أشار في آخر هذا الفصل أنه لا يشترط له تبييت نية، لا يشترط له تبييت نية؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، ويشير إلى حديثها بالصحيح: «فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي أحيانًا فيقول: عندكم شيء - يعني من طعام - فيقول: لا، ويقول: إني صائم، أو يقول: إذن إني صائم». وهذا معناه أنه أنشأ الصيام من النهار، ولم يبيت الصيام من الليل. وفي هذا الحديث دليل صحيح صريح على أن صيام التطوع يجزئ أن يصومه الإنسان من وسط النهار، ما دام أنه لم يأكل شيئًا في أوله، ولو لم يبيت النية، ولو لم يبيت النية ما دام لم يأكل، فإنه يصح، بخلاف صيام الفريضة، فلابد من تبييت النية. فصيام الفريضة لابد له من تبييت النية حتى يتحقق أنه صام هذا اليوم، ولكن هذا التبييت ليس معناه أن يتلفظ بالنية أو يمرر لفظ النية كل ليلة، وإنما معناه من خطر في باله أنه صائم، فإنه قد نوى، فإنه قد نوى. ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة التفصيل في تبييت النية، فمن لم يطرأ عليه ما يغير النية، فالأصل أن نيته لصيام الشهر تكفيه للشهر كاملًا، نيته لصيام الشهر تكفيه لصيام الشهر كاملًا، لكن إذا طرأ مثل أول الشهر، أول يوم من أيام الشهر يحتاج إلى نية، مثل يوم الشك، أو كذلك من طرأ عليه شيء أثناء الشهر، سافر ثم رجع، أو أراد أن يصوم في السفر، فيحتاج إلى أن يبيت ماذا؟ النية، يحتاج إلى أن يبيت النية. فإذا تبييت النية، تبييت النية هي بحسب ما يعرض مما يزيل ويزيح هذه النية. وأما إذا كانت النية موجودة من أول الشهر، فإن هذه النية تكفي على الصحيح من أقوال أهل العلم، ودليله حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وأما ما ذكره رحمه الله من خلاف في قضية جواز إنشاء الصيام ونية الصيام من النهار، استدلالًا بحديث عاشوراء، فالصحيح كما ذكر رحمه الله أن هذا على أحد أمرين، يجاب على هذا الحديث، وهو يشير إلى حديث الربيع بنت معوذ في البخاري وغيره، وقد ورده البخاري بكتاب الصيام، باب صوم الصبيان، ثم ذكر هذا الحديث، وفيه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار حول المدينة، فقال: من أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم». وذكرت بعده: «فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم... الحديث»، يعني كانوا يلهون الصبيان باللعبة من العهن - يعني من الصوف - حتى يصبرونه أن يواصل الصيام إلى وقت الإفطار. فـ«هذا الحديث ليس فيه على القول الصحيح جواز الشروع بنية الصيام من وسط النهار، بل فيه إما أن الصيام وجب، فكان وجوبه في وسط النهار لمن لم يعلم، أو كذلك من بيت النية ولم يعلم بالصيام إلا في النهار جاز له أن يصوم. وثم بعد ذلك ما هو الصيام الذي يسمى صيامًا؟ الصيام الصحيح المعتبر هو الذي لم يأكل صاحبه، وأما من أكل فصيامه لحرمة اليوم كما تقدم معنا، وليس صيام هذا يجزئه عن ذلك اليوم، فلا يجزئه عن ذلك اليوم. ولهذا قال: سمي الإمساك صيامًا تجوزًا، تجوزًا، يعني أكل من أكل في أول النهار وأمر بالصيام، فإنه يصوم ويمسك، ولكن هذا لا يسمى صيامًا شرعيًا، فيجزئه عن ماذا؟ عن ذلك اليوم؛ لأنه وقع منه ماذا؟ فطر، أكل في أول النهار. مثاله صيام يوم الشك، إنسان ما علم أن اليوم الذي كان يوم الشك قد تبين وتحقق أنه رمضان، فأصبح مفطرًا، فجاءه الخبر أن اليوم هو أول يوم من أيام رمضان، ماذا يصنع؟ يمسك عملًا بما في هذا الحديث، كما في حديث الربيع بنت معوذ، يمسك بقية يومه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى يفطر، فإذا أفطر هل يعتبر صائمًا هذا اليوم؟ لا، إنما أمسك بقيته حرمة وتعظيمًا لهذا اليوم، وعليه قضاء يوم؛ لماذا؟ لأنه أفطر في أول نهار ذلك اليوم، فلذلك لا يصح الاستدلال به على ما ذكره بعض الفقهاء في جواز الشروع في النية من وسط النهار. وأما حديث: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له»، حديث حفصة تقدم معنا في دروس ماضية وتكرر، أن قول الكثير من المحققين والحذاق من أهل الحديث أن الراجح في هذا الحديث الوقف، الراجح في هذا الحديث الوقف هو موقوف وليس بمرفوع، فليس معناه أنه على كل حال يبيت الصيام، ولكن عملًا بعمومات الأدلة مع هذا الحديث الموقوف الذي قد يفهم منه معنى الرفع في أوجه وصور خاصة، يكون التفصيل على ما تقدم، يكون التفصيل على ما تقدم. أولًا: لا يشترط إمرار لفظ النية لا على اللسان ولا على القلب، لا في كل ليلة ولا في أول الشهر، وأنه ثانيًا: يكفي أن يخطر ببال الصائم أنه صائم غدًا، فهذا يجزئه. وثالثًا: أن نية الشهر تغني عن سائر الشهر، فلا يحتاج في كل ليلة أن يذكر نفسه بالنية. ومن باب أولى نعرف عدم مشروعية ما يفعله بعض الناس من تمرير هذه النية والتلفظ بها بعد الصلاة - ماذا؟ العشاء - صح، بعد التراويح أو بعد العشاء: «نويت أن أصوم يوم غد إلى آخره»، يلقن الإمام المأمومين، وهذا ليس بالصحيح، وهو من المحدثات على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وقوله في الأخير: «والمشهور من قولي الشافعي أن النية لا تجزئ بعد الزوال، فإن فعل قبل النية ما يفطره لم يجز الصيام»، يعني كما تقدم في التفصيل، وهذا هو الصواب، فنية تكون من الليل على التفصيل الذي تقدم. لهنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.