الدرس في كتاب الطهارة 18، الدرس الثامن عشر:فيه( إشارات خفيفة لبعض المسائل التي يحتاج التنبيه عليها في حديثي هذا الباب ... الحديث السابع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ مسائل متعلقة بولغ الكلب في الماء، واختلاف أهل العلم في حكم الماء الذي ولغ فيه الكلب. يفرق بين الماء القليل والكثير في الحكم.
يتناول المقطع حكم نجاسة لعاب الكلب وتأثيره على الماء، وعدد الغسلات المطلوبة لتنقية الإناء الذي ولغ فيه الكلب. يشرح آراء الفقهاء في هذه المسألة.
يشرح حكم قتل الكلاب واتخاذها، مبيناً أن النوع الوحيد الذي يقتل هو العقور أو المسعور. يبيح اتخاذها لضرورة مثل الصيد أو الحراسة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، مر معنا في الدرس الماضي الكلام على حديث أبي هريرة، ورواية حديث عبد الله بن مغفل في ولوغ الكلب، وانتهينا تقريبًا من كلامي الشارح. وتتمة لما في الباب من مسائل، نشير إشارات خفيفة لبعض المسائل التي يحتاج التنبيه عليها في حديثي هذا الباب. أول هذه المسائل أو تتمة لهذه المسائل: ما مقدار الماء الذي يغسل منه ولوغ الكلب؟ وقد مر معنا أن الحديث ورد: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم»، وفي رواية: «إذا ولغ الكلب في الإناء». فقد اختلف أهل العلم في حد الماء الذي يكون منه حكم الغسل سبعًا. فبعضهم قال: لا فرق بين قليل وكثير من الماء مطلقًا، وأن ما ورد فيه الكلب فإنه لا يجوز أن يشرب منه أو يتوضأ منه. وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم، ونسبه بعضهم إلى جمهور أهل العلم، وليس كذلك. وذهب بعضهم إلى أنه يفرق بين ما كان من الآنية صغيرًا أو كبيرًا، فله نفس الحكم، وما كان ليس من الآنية كالمستنقعات والآبار وما كان بمعناها، فإنه يعفى عنه. وروي هذا عن الأوزاعي وجماعة، حكاه الطحاوي رحمه الله تعالى. وهذا لأن المشقة تجلب التيسير، ولأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر حكمًا في مثل ذلك مع كثرة الابتلاء به، وعدم البيان مع الحاجة ممتنع شرعًا، فعلم أنه مما هو عفو. ثم كذلك تخصيص ذكر الإناء يدل على معنى من معاني التخصيص. وبعضهم خصه بالإناء الصغير دون الكبير، وحد ذلك بأن القليل ما كان مظنة التلوث، والكثير ما كان ليس مظنة التلوث. وذهب إلى هذا بعض أهل العلم. والأحوط هو أنه كل ما يقال له إناء لغة وشرعًا فإنه ينبغي أن يغسل ولو كان كبيرًا؛ أولًا امتثالًا للنص، وثانيًا درءًا للمفسدة التي قد تطرأ من خبث هذا الكلب في هذا الإناء. ولأن الإناء يستعمل للطعام المباشر، بخلاف أحواض الماء والمستنقعات والآبار والمياه الجارية ونحوها، فإنه مع ما يبتل به الناس والضرورات تبيح المحظورات، فكذلك كبره يضعف أثر خبث الكلب. ومن هذه المسائل: ما حكم هذا الماء؟ هل هو نجس أم أنه طاهر؟ وهذا كذلك اختلف فيه أهل العلم. وعلى كل الأحوال، على ما سبق ترجيحه من أن النجاسة لا تثبت إلا بتغير أحد الأوصاف، فكذلك يقال هنا: على تقدير القول بأن لعاب الكلب نجس، فإنه لا تثبت النجاسة حتى يطرأ تغيير على هذا الماء بطعم أو لون أو ريح من أثر ولوغ الكلب فيه. فإن لم يظهر فالماء على أصل الطهارة. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن المسألة خلافية في نجاسة لعاب الكلب أصلا؟ وهكذا من هذه المسائل، ومن باب التأكيد تذكر: هل لابد من سبع غسلات لما ولغ فيه الكلب؟ وقد مر معنا أنه لابد من ذلك. لكن المراد هنا التنبيه لما استدل به بعض الحنفية، فإنهم ذكروا أثرًا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فذكروا فيه أثر أنه أجاز سبع غسلات، وروي فيه حديث. والجواب عن ذلك أنه لم يصح فيه حديث، وما روي من حديث فيه فهو حديث منكر، كما ذكر ابن عدي وغير واحد من أهل العلم. أي جواز الغسل بثلاث غسلات أو دون السبع في حق ولوغ الكلب. وما روي عن أبي هريرة مرفوعًا فهو شاذ، كما نص الحفاظ. فإنه روي انفرد بالرواية في ذلك بعض الرواة عن عطاء، وأكثر الرواة إنما رووا سبع غسلات موقوفًا ومرفوعًا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الذي رجحه البيهقي والدارقطني وجماعة من الحفاظ، وهو الصواب، وهو الذي كذلك دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذه المسائل كذلك، وقد مرت معنا كثير من هذه المسائل: قتل الكلاب الوارد في حديث عبد الله بن مغفل. كما سمعنا في رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ثم قال: «ما بالهم وبالوا الكلاب؟» فاختلف أهل العلم: هل تقتل الكلاب أم لا تقتل؟ والصحيح بهذا أن قتل الكلاب نسخ. كان قد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل الكلاب، كما جاء معناه في حديث عبد الله بن مغفل وحديث عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة، حتى كما قال الصحابي: كنا ربما نرى الكلب مع الراعي أو مع المرأة من الأعراب، فنتتبع الكلب حتى نقتله -يعني امتثالًا لأمر النبي عليه الصلاة والسلام-. ولكن هذا الأمر نسخ. نسخ هذا الأمر بنص حديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن مغفل. وجاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه معناه نسخ الأمر بقتل الكلاب إلا الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين، كما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله. وجاء كذلك في أحد الروايات في حديث عبد الله بن مغفل: «فإنه شيطان». فهذا النوع من الكلاب هو الذي يقتل، وما سوى ذلك فلا يقتل إلا العقور، وهو المسعور الذي يؤذي الناس، فإنه جاء في بعض الروايات أنه يقتل، وما سوى ذلك فلا يقتل. وهذا يدل عليه عمومات الشرع، فإن الضرر يزال، وهذه قاعدة شرعية دلت عليها دلائل شرعية كثيرة. ومن هذه المسائل كذلك: ما هو الذي يجوز أن يتخذ من الكلاب؟ فإن حديث عبد الله بن مغفل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم. وقال بعد ذلك: «إذا ولغ الكلب...» الحديث. ودل هذا كما سبق أن هذا الحكم عام في كل الكلاب على الصحيح، لا يفرق بين البدوي وغيره، ولا يفرق بين ما يأنس الإنسان وما لم يأنس، خلافًا لمن فرق في ذلك. ومع ذلك فإن اتخاذ الكلب قد ورد النهي عنه، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة وغيره: «من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص منه في كل يوم قيراطان». ووردت فيه أحاديث كثيرة بهذا المعنى. ومعنى عدم جواز اتخاذ الكلب إلا ما استثناه الدليل، وقد استثنى الدليل ثلاثة أصناف من الكلاب: وهو كلب الصيد، وكلب الحراسة من ماشية أو زرع. وهل يلحق به ما كان بمعناه؟ بهذا خلاف بين أهل العلم. الصحيح أنه يلحق به ما كان بمعناه، فإذا احتاج هناك مال يحتاج إلى حراسة، فإنه يحرص، يجوز استخدامه للحراسة. وهكذا كذلك أجاز بعض أهل العلم من العلماء المعاصرين في اتخاذ الكلاب في الأعمال الحكومية، مثل تتبع أصحاب المخدرات، أو كذلك البحث عما يستطيع الكلب البحث عنه، فإنهم أجازوا ذلك؛ لأن الحكم معلل، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. والاستثناء ليس حصره لفظي، ولكن حصره هنا معنوي، فما كان بمعناه فإنه يلحق حكمه به، وما كان أولى منه فإنه من باب أولى. على أنه لا يتوسع في ذلك، وإنما بقدر الحاجة والضرورة. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في الحديث. ونقرأ الحديث الآتي لأجل يحفظ. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث السابع عن حمران مولى عثمان بن عفان، أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ نحو وضوء هذا». وقال: «من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه». هذا الحديث هو حديث حمران مولى عثمان بن عفان، وهو كما أشار من الأحاديث التي في الصحيحين، وأقرب الألفاظ إليه ولفظ الإمام البخاري كما أشار: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني حمران مولى عثمان... ثم ذكر الحديث. وإن شاء الله نترك الكلام على الحديث في الدرس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.