كتاب الطهارة 50

كتاب الطهارة 50

الدرس في كتاب الطهارة 50، الدرس الخمسون:من( 5-باب الغسل من الجنابة ... وذلك أن الاستئذان من حسن الأدب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث أبي هريرة ومعنى الجنابة

يشرح الشيخ حديث أبي هريرة ويوضح معنى الجنابة والغسل وأحكامهما. يبين أهمية الغسل من الجنابة للصلاة وطهارة المؤمن.

حكم الغسل من الجنابة وطهارة المؤمن ومسائل فقهية متعلقة

يشرح حكمة مشروعية الغسل من الجنابة وأثره على طهارة الجسد والقلب، ويبين مسائل فقهية مستنبطة من الحديث مثل طهارة جسد الكافر وتأخير الغسل.

أهمية مجالسة أهل العلم والحرص على مجالس العلم

يناقش أهمية حضور مجالس العلم ومجالسة أهل العلم والحرص على تحصيل العلم لما له من فوائد على الفرد والمجتمع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب الغسل من الجنابة. قال: الحديث الثامن والعشرون عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت، ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق كلامه على أحكام الطهارة، وفي باب الغسل من الجنابة، وهو من مسائل الطهارة. وأقرب الألفاظ إليه، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث مائتين وثلاثة وثمانين: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا حميد، قال: حدثنا بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث بمثل ما هو موجود عندنا في مثل العمدة، غير أنه قال: في بعض طرق المدينة، هو جنب، فانخنست، لم يقل: قال فانخنست. وينبه هنا أنه جاء في أكثر روايات البخاري في هذا الموضع: بعض طريق المدينة. وفي رواية كريمة والأصيل، كما نبه الحافظ ابن حجر في الفتح: لقيه في بعض طرق المدينة، يعني بالجمع مثل هذا اللفظ. ورواه مسلم نحوه، حديث 371، وفيه: «سبحان الله، إن المسلم». ورواية البخاري: «إن المؤمن». قال الشارح رحمه الله تعالى: الغسل، بضم الغين، اسم الاغتسال الذي هو تعميم البدن بالماء. ومر معنا أن بعض الألفاظ فيها اشتراك، ويكون الفرق يسير فيها من جهة شكلها. فالوضوء بالفتح يطلق غالبا على الماء المتوضأ به، وبالضم الوضوء للفعل، وقد يستعمل هذا مكان هذا، ولكنه قليل. ومثله الغسل بالفتح، فإنه قد يطلق على الماء، وقد يطلق على الفعل، وبالضم الغسل يطلق على الفعل غالبا، وقليل ما يتناوب هذا اللفظ في مكان هذا اللفظ. وقوله: باب، مر معنا معنى الباب، وأنه ما يدخل منه ويخرج، والمراد الدخول المعنوي لمعرفة أحكام الغسل من الجنابة. قال: وأصل الجنابة البعد، وإنما قيل لمن جامع أو خرج منه المني جنب؛ لأن ماءه بعد محله. وقيل: لأن صاحبه يجتنب ما كان يطلب، فكان يطلب هذه المرأة، فبعد أن أخذ حاجته صار جنبا، يعني جانب ذاك الذي يطلب، ومثله المرأة. ثم صار لفظ يطلق في الشرع على كل ما كان فيه معنى ما يوجبه ذاك الفعل، فهو يشمل من جامع أنزل أو لم ينزل، أو من احتلم، أو كذلك من طهرت من حيض أو نفاس، يشمل الجميع. وصل الجنابة كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: ويراد بهذا الباب الأحكام التي تتعلق بالغسل، وتبين أسبابه وآدابه وغير ذلك، وسيأتي الإشارة إلى هذا إن شاء الله. قال: وهو من جملة الطهارة المشروعة للصلاة، والطهارة طهارتان كما مر معنا، تقدم طهارة من الحدث الأصغر، وطهارة من الحدث الأكبر. ومر معنا شيء من مسائل الحدث الأصغر، والآن سيأتي شيء من مسائل الحدث الأكبر. قال رحمه الله تعالى: وهو من جملة الطهارة المشروعة للصلاة، ومن النظافة المرغب فيها. وإن كنتم جنوبا فاتطهروا، فهو على وجه الوجوب. وفي ذلك حكم وفوائد، قال: عدما فيه من فوائد صحية وقلبية. فإن المجامع حين تخرج منه النطفة التي تعتبر سلالة بدنه وجوهره، يحصل له بعد فروجها شيء من الإجهاد والتعب، ويحصل له فتور وكسل وتبلد ذهن وركود في حركة الدم. ومن رحمة الحكيم الخبير شرع هذا الغسل الذي يعيد إلى الجسد قوته، وينشط دورة الدم في جسمه، فيعود إلى نشاطه. وكن في شرع الله من حكم وأسرار، وفقنا الله تعالى لفهمها والإيمان بها، فهذا من حكمه. ومن حكمه كذلك حصول الطهارة القلبية، فإن للطهارة الحسية أثرا على طهارة القلب. ومن حكمته كذلك أن هذه الطهارة كذلك سبب لحصول ما يجب الاستعداد له للصلاة وغيرها. فإن المسلم أمر أن يأخذ زينته للصلاة، ومن أكمل الزينة في مثل هذا الموضع الاغتسال. قال رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قوله: إن خنست، بالنون ثم بالخاء المعجمة والسين المهملة، من الخنوس، وهو التأخر والاختفاء، يعني إن سللت واختفيت. قال ابن فارس: الخنس الذهاب بخفية، وخنس الرجل تأخر، يعني قل هو الذهاب بخفية على وجه الانسلال من الخلف، تمشي مع أصحابك فتأخرت عنهم بخفية إلى الوراء، هذا يسمى انخناسا، إذا تأخرت إلى الوراء ثم ذهبت إلى فنان انخنس، يعني انسل خفية من جهة الوراء، يعني تراجع إلى الوراء والناس يمشون إلى الأمام، هذا يسمى انخناسا. ولهذا كان من وصف الشيطان أنه خناس، أنه ينسل خفية لا يشعر به إلى الوراء، فأنت لا تشعر به في دخوله وخروجه. وبه يعلم أن خروج الشيطان في الغالب يكون من الوراء، من جهة قفى الإنسان، من جهة قفى الإنسان لا من جهة قابلته. قال: قوله منه، أي من أجله، حيث رأيت نفسي نجسا بالنسبة لطهارته وجلالته صلى الله عليه وسلم، ظن رضي الله عنه أن إصابته بالجنابة نجاسة، فاستحيا أن يبقى على تلك النجاسة. قال: ثالثا، قوله: كنت جنبا، أي كنت ذا جنابة، وتقع هذه اللفظة على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، فيقول الواحد: أنا جنب، وتقول الواحدة الأنثى: أنا جنب، ويقول الاثنان: إنا جنب، ويقول الجماعة: نحن جنب، وهكذا كما ورد في القرآن والحديث، يعني وإن كنتم جنبا فاتطهروا. قال: رابعا، قوله: لا ينجس، بضم الجيم وفتحها، لا ينجس أو لا ينجس، والمعنى أن الجنابة ليست بنجاسة، فإن المؤمن لا ينجس، فهو طاهر الطهارة المعنوية بإيمانه، وإن كانت هناك نجاسة فهي في محلها. قال: سبحان الله، تعجب من اعتقاد أبي هريرة التنجس من الجنابة. قال: المعنى الإجمالي، لقي أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، وصادف أنه جنب، فكان من تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريمه إياه أن كره مجالسته ومحادثته وهو على تلك الحال، فانسل في خفية من النبي صلى الله عليه وسلم واغتسل. والانسلال كما قلنا كان إلى الخلف؛ لأنه هو الانخناس، ثم جاء إليه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: أين كنت؟ يعني أين ذهبت؟ فأخبره بحاله وأنه كره مجالسته على غير طهارة، متعجبا النبي صلى الله عليه وسلم من حال أبي هريرة حين ظن نجاسة الجنب وذهب ليغتسل، وأخبره أن المؤمن لا ينجس على أي حال. قال: ما يؤخذ من الحديث، أولا: كون الجنابة ليست نجاسة تحل البدن، يعني ليست نجاسة تبقى في البدن، لكن الجنابة حكم ترفعه الطهارة من هذا الحكم، وهو الحدث الأكبر. قال: ثانيا، كون الإنسان لا تنجس ذاته لا حيا ولا ميتا، ليس معناه أن بدنه لا تصيبه النجاسة أو تحل به، فقد تكون عينه أي ذاته متنجسة إذا أصابته النجاسة، لكن المراد أن جسد الإنسان لا ينجس. وهل الإنسان للمؤمن خاصة أم للمؤمن والكافر؟ الجواب هو للمؤمن بالنسبة للطهارة الحسية والمعنوية. وأما للكافر فهو بالنسبة للطهارة الحسية نعم، فجسده ليس بنجس، مس جسد الكافر ليس مسا للنجاسة. وأما قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، فالمراد به النجاسة المعنوية، نجاسة الكفر والشرك، وليست نجاسة النجاسات والخبائث من الغائط والبول ونحوه. ولهذا فمصافحة الكافر أو مسه حيا أو ميتا لا يعد مسا للنجاسة، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو في حق المؤمن والمسلم من باب أولى أنه لا ينجس، اللهم إلا إن كان في موضع نجاسة عينية، فهذا لا فرق بين المسلم والكافر، مس مثلا موضع غائط الصبي هو مس للنجاسة، إذا غسلت الصبي من غائطه فأنت مسسته في موضع نجاسته، فتغسل يدك من النجاسة وتتوضأ من مس الفرج على ما تقدم. قال: ثالثا، جواز تأخير الغسل أو الغسل من الجنابة، في دليل على جواز تأخير الغسل من الجنابة، أي ليس هو واجبا على الفور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره. لكن هذا الجواز هل هو خلاف الأفضل؟ الجواب نعم، هو خلاف الأفضل، الأفضل أن الإنسان يعجل بماذا؟ باغتساله ليبقى دائما على طهارة، كما جاء في حديث بلال رضي الله عنه. فبقاء المؤمن على طهارة هو أفضل. فإن كان مع هذا الأفضل مشقة، فالمشقة تجلب التيسير، المشقة تجلب التيسير. قال: رابعا، تعظيم أهل الفضل والعلم والصلاح، مجالستهم على أحسن الهيئات. ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره في كراهية مجالسته وهو على نجاسة، لكن أنكر عليه أن هذا ماذا؟ ليس بنجاسة واضح، أقره على عدم مجالسته بغير نجاسة، ولكن أنكر عليه أن هذا ليس فيه نجاسة، فاستفدنا من هذا مسألتان: المسألة الأولى أن الجنب ليس بنجس، والمسألة الثانية أن مجالسة أهل الفضل بالنجاسة خلاف الأفضل والأكمل، وأن الأكمل مجالستهم على طهارة وكاملة وكذلك نقاء. قال: خامسا، مشروعية استئذان التابع للمتبوع في الانصراف، فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي هريرة ذهابه من غير علمه، وذلك أن الاستئذان من حسن الأدب، وهذا صحيح، ويتضمن كذلك جواز الإعذار في عدم الاستئذان فيما يستحيا منه أو يستحيا من ذكره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على صنيعه على حسب علمه وظنه. فإذا تحرج الإنسان أن يستأذن وعلم الرضا بالإذن في مثل هذا المقام، فإنه لا بأس بذلك، بخلاف ما إذا كان الأمر تترتب عليه مفاسد أو نحو ذلك، فلابد من الإذن، فلابد من الإذن. ومن مسائل الحديث كذلك فيه الشاهد لهذا الحديث مما أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وابتدأ به في باب الغسل من الجنابة، وهو أولا أن الجنابة ليست بنجاسة حسية. وثانيا، وهذا سيأتي ذكره في الأحاديث التي بعده، أن الماء الخارج من الإنسان طاهر ليس بنجس، الماء الخارج من الإنسان يعني المني طاهر ليس بنجس؛ لأنه لو كان نجسا لذكر ونبه عليه، لقيل: المؤمن لا ينجس، لكن الخارج نجس، لكن الخارج نجس، وعدم البيان وقت الحاجة ممتنع. وفيه كذلك ما كان عليه حال الصحابة مع النبي عليه الصلاة والسلام من ملازمته وحرصهم على الاستفادة منه على اختلاف حاجاتهم ومراتبهم، ومع ذلك ما كانوا يزهدون في الاستفادة والجلوس معه عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم يحرص على مجالس العلم ومجالسة أهل العلم، ليس حرصا من دون ثمرة، لكن حرص مع شيء من الثمرة، يحاول أن يكون عنده شيء من الجدية في تحصيل العلم، لعل الله عز وجل ينفعه في نفسه، وهذا من أعظم الفوائد، وينفعه في ذريته وأهله، وهذه فائدة أخرى، وفي مجتمعه وأشياء أخرى كثيرة. نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.