الدرس في كتاب الطهارة 39، الدرس التاسع والثلاثون:من( الحديث التاسع عشر:عن عائشة رضي الله عنهما ... وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث عائشة رضي الله عنها حول استخدام النبي للسواك قبل وفاته ومعاني الكلمات الغريبة في الحديث. يبين أهمية السواك واستخدامه بطريقة صحيحة.
يشرح كيف أعدت عائشة سواكا للنبي وقضمتْه وطيبته ونفضته قبل استعماله. يفسر معاني القضْم والتطيب والنفض في سياق السواك.
يبرز محبة النبي للسواك حتى في لحظاته الأخيرة وطلبه للسواك الرطب. يشير إلى مكانة النبي الرفيعة في الآخرة مع الملائكة المقربين والصالحين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث التاسع عشر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مسندة إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره، فأخذت السواك فأضمته وطيبته. وفي رواية البخاري التي ستأتي زاد: ونفضته وطيبته. قالت: ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استنانا أحسن منه. فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه، ثم قال: في الرفيق الأعلى ثلاثا، ثم قضي عليه. وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي. وفي لفظ: فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: أخذه لك، فأشار برأسه أن نعم. هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في باب السواك، ووجه الدلالة منه ظاهرة. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري في حديث أربعمائة وثمانية وثلاثين، قال رحمه الله: حدثنا محمد، قال: حدثنا عفان، عن صخر بن جويريا، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، وهو كما قال. هذا لفظ البخاري، وهو كما قال، غير أنه زاد فيه: فقضمته ونفضته وطيبته. زاد قوله: ونفضته. وأما قوله: ولمسلم نحوه، الصحيح أن مسلم لم يرو هذا الحديث بهذا السياق، إنما رواه رحمه الله وفيه ذكر السواك. أليس فيه ذكر السواك؟ ولكن فيه ذكر الإسناد إلى الصدر. ذكر هذه القصة الإمام مسلم، ليس فيها ذكر السواك، ولكن فيه ذكر الإسناد إلى الصدر. رواه برقم 3088. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قال: قوله يستن به، قال: أي يمر السواك على أسنانه كأنه يحددها. ومعنى يمر السواك على أسنانه كأنه يحددها، تعرفون المسن الذي يسن به الشفرة السكين، وبمعناها. فهذه كيف تسن؟ تسن بالطرف، طرف السكين، وكذلك الاستنان بالسواك بطرف السواك هكذا يعني، لا تبغط ضغطا كاملا يمينا ويسارا، ولكن إلى فوق وإلى أعلى بطرف السواك، كأنك تريد أن تخرج ما بين الأسنان. هذا يسمى استنانا، فهو استياك في الحقيقة، لكنه نوع خاص من الاستياك. كله سواك، هذا سواك بالعرض، وفوق أعلى سواك، لكنه إذا كان فوق أعلى يسمى استنانا، وهو أخص من السواك. قال: فأبده، قال: بتخفيف الباء الموحدة وتشديد الدال، مد إليه بصره وأطاله. فأبده مد إليه بصره وأطاله، يعني رمى ببصره إلى الشيء، يشعر أنه يرغب فيه. وهذا يدل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان في مرض يشق معه الكلام، كما يدل عليه الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى. قال: قولها بين حاقنتي وذاقنتي، الحاقنة ما بين الترقوتين، هذه الترقوة، هذا العظم، وهذا العظم. وحبل العاتق، والذاقنة طرف الحلقوم الأعلى، هذا طرف الحلقوم الأعلى، يعني مات في نحرها. ولهذا جاء في بعض الروايات أنه مات في نحرها، هذا موضع النحر، أسفل العنق مع ملتق الصدر، معناه أنه مات وهي محتضنة له عليه الصلاة والسلام. قال: قولها فقضمته، بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة، كذا ضبطه ابن الأثير وغيره، أي مضغته بأسنانها ليلين. وأدق من ذلك، قال: والقضم بأطراف الأسنان، والخضم بالفم كله. هذا هو القضْم، كما قال: مضغ السواك بالأسنان ليلين. وقال بعض العلماء: لأجل أن يخرج ما فيه شائبا، ويجدد. الآن مثلا هذا السواك سواك مستعمل طرفه، فإذا أردت أن تستعمله استعمالا جديدا تقص هذه الأطراف القديمة وتدخل في أطراف جديدة، واضح. يعني كأنك أخذت سكينا وقطعت هذه الأطراف القديمة ودخلت في أطراف جديدة، هذا الدخول في الأطراف الجديدة يسمى قضما. وهكذا كذلك إذا كان السواك جافا فحركته بأطراف أسنانك حتى تتفرق شعيراته وتلينه بريقك، فهذا كذلك يسمى قضما. فالقضم له معنيان: معنى القطع بتجديد أصل السواك، والمعنى الثاني تجديد السواك بغير قطع أصوله، وإنما بتلين هذا الجزء الموجود الحاصل. وكل المعنيين سماه العلماء قضما. وهذا تفسير، وذاك تفسير، وكل التفسيرين ذكره العلماء. وقد أشار رحمه الله في أبواب سابقة إلى التفسير الأول في معنى القضْم، وهنا أشار إلى التفسير الثاني. وأما قوله: والخضم بالفم، يعني إذا لم يكن باستعمال الأسنان، وكان باستعمال الفم فقط. وهذا يكون إذا كان السواك رطبا، فتلينه بالفم بالشفتين واللسان. فإذا لينته بالشفتين واللسان سمي خضما. وإذا استعملت الأسنان سمي قضما. وأما قولها: وطيبته، التطيب إزالة الشوائب منه. التطيب إزالة الشوائب منه، سواء هذه الشوائب مما يكون بين شعيرات السواك، أو هذه الشوائب ما يكون من تعديله حتى لا يؤذي المستاك. والذي حصل هو الثلاثة، ويدل عليه قوله في اللفظة الثالثة: ونفضته. النفض إزالة ما فيه من بقايا السواك. تعرفون الرأس الجديد من السواك يبقى بينه ماذا؟ بقايا، هذه البقايا تنفض، سواء تنفض بحركة الفم فيتساقط، أو ينفض بالإصبع، ممكن بالإصبع ينفض ما فيه من بقايا. والذي يظهر أنها رضي الله عنها قصت الرؤوس القديمة التي استاك فيها عبد الرحمن، وأنشأت رؤوسا جديدة وطيبتها بعد قضمها ونفضها، فاستاك به النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، تذكر عائشة رضي الله عنها قصة تبين لنا مدى محبة النبي صلى الله عليه وسلم للسواك وتعلقه به حتى في آخر حياته عليه الصلاة والسلام. وذلك أن عبد الرحمن بن أبي بكر أخي عائشة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في حال النزع ومعه سواك رطب يدلك به أسنانه. ومعنى الرطب أي ليس اليابس الذي فيه ماء وليونة، ما زال فيه ماء وليونة. قال: يدلك به أسنانه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم السواك مع عبد الرحمن لم يشغله عنه ما هو فيه من المرض والنزع، لأنه كان في لحظات حياته الأخيرة عليه الصلاة والسلام. قال: من محبته له، فمد إليه بصره كالراغب فيه. ففطنت عائشة رضي الله عنها له، فأخذت السواك من أخيها وقصت رأس السواك المنقوض ونقضت له رأسا جديدا ونظفته وطيبته. وهذا هو المعنى الثاني للقضم. قال: ثم ناولته النبي صلى الله عليه وسلم فاستاك به، فما رأت عائشة تسوكا أحسن من تسوكه، يعني في ذاك الوقت. فلما طهر وفرغ من التسوك رفع إصبعه يوحد الله تعالى ويختار النقلة إلى ربه تعالى، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. فكانت عائشة رضي الله عنها مغطبطة، وحق لها ذلك، بأنه صلى الله عليه وسلم توفي ورأسه في صدرها. ومعنى مغطبطة يعني فرحة، ولا شك أن الاقتباط فيه زيادة معنى، لكن هذا تقريب للمعنى. قال الشارح رحمه الله: ما يؤخذ من الحديث، قال: أولا: الاستياك بالسواك الرطب، ويدل عليه ميل النبي عليه الصلاة والسلام، فكان أحب السواك إليه السواك الرطب. والسواك الرطب هو السواك الذي لا تزال فيه ليونته ورطوبته وماؤه. وهذا كل واحد يعرف السواك يحب ذلك. قال: ثانيا: إصلاح السواك وتهيئته، يعني من السنن في السواك إصلاح السواك وتهيئته. فعائشة تعلمت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام وفعلته في حضرته وإقراره. قال: ثالثا: وتهيئته كما سمعنا بهذه الكيفيات الكثيرة، إما بنقضه، وإما بغير نقضه، إما بتليينه، أو بغير تليينه، إما بأطراف الأسنان، وإما بأطراف الفم. قال: رابعا: العمل بما يفهم من الإشارة والدلالة. وقبل ذلك قد يزاد كذلك فيه جواز الاستياك بسواك الغير إذا نقض له أصلا جديدا. وإذا لم ينقض هل يجوز؟ الجواب: يجوز إذا كان هذا مما لا يؤذي الغير، لأنه من الحق الذي يحتاج به إلى إذن، ولا ينبغي لمسلم أن يؤذي مسلما. فإن كان لا يؤذيه فلا بأس، وهو بين الزوجين فيه كذلك جواز مخالطة ريق الزوجين بعضهما ببعض، وهذا منه. قال: خامسا: قوله الرفيق الأعلى هو المشار إليهم في سورة النساء، وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هذا بالفهم، وإلا فقد جاء في رواية صريحة أنه قال عليه الصلاة والسلام: في الرفيق الأعلى مع جبريل. فقوله عليه الصلاة والسلام في أحد روايات الحديث: في الرفيق الأعلى مع جبريل، يعني مع الملائكة ومن قربهم من المقربين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.