كتاب الطهارة 55

كتاب الطهارة 55

الدرس في كتاب الطهارة 55، الدرس الخامس والخمسون:من( الحديث الثاني والثلاثون:عن أم سلمة زوج النبي ... تناسب المقام تمهيداً للكلام ليخف وقعة ولئلا ينسب صاحبه إلى الجفاء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث أم سلمة في غسل المرأة من الاحتلام

شرح حديث أم سلمة المتعلق بغسل المرأة من الاحتلام، حيث أوجب النبي الغسل على المرأة إذا رأت الماء. يُستفاد من الحديث وجوب الغسل على المرأة عند الإنزال.

معنى الحياء لله تعالى وتطبيقه في الحياة اليومية

يشرح معنى الحياء لله تعالى وأهمية التعبير الراقي في الحديث عن الأمور الحساسة، ويبين أن الحياء الحقيقي يأمر بالحق ولا يمنعه.

أحكام الحياء في طلب العلم والتعلم وتطبيقاته العملية

يناقش أهمية الحياء في الإسلام وضرورة تعلم العلم دون تردد، ويشير إلى آداب المخاطبة في المواضيع الحساسة وبعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالاحتلام والغسل.

رحمة الله في الاحتلام وتفسيرها

يعتبر الاحتلام رحمة من الله للشخص غير المتزوج، حيث يساهم في الحفاظ على صحته، بينما الإنزال بطرق أخرى لا يعتبر كذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثاني والثلاثون عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم إذا هي رأت الماء». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث الواردة أو المتعلقة بغسل الجنابة. فقال رحمه الله: عن أم سلمة إلى آخره. وأقرب الألفاظ إلى هذا اللفظ ولفظ الإمام البخاري في حديث مائتين واثنين وثمانين، قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، فذكرت الحديث، غير أنه في لفظ البخاري ليس فيه قوله: «نعم إذا هي»، فلفظة «هي» ليست موجودة في البخاري بهذا الموضع. ورواه مسلم نحوه في حديث رقم ثلاثين. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: جاءت أم سليم الأنصارية إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتسأله. ولما كان سؤالها مما يتعلق بالفروج، وهي مما يستحيا من ذكره عادة، قدمت بين يدي سؤالها تمهيدا لإلقاء سؤالها حتى يخف موقعه على السامعين، فقالت: «إن الله جل وعلا وهو الحيي لا يمتنع من ذكر الحق الذي يستحيا من ذكره من أجل الحياء، ما دام في ذكره فائدة». فلما ذكرت أم سليم هذه المقدمة التي لطفت بها سؤالها، دخلت في صميم الموضوع، فقالت: هل على المرأة غسل إذا هي تخيلت في المنام أنها تجامع؟ وهذا تفسير من المؤلف، وإلا فالاحتلام كما سيأتي إن شاء الله ليس من لازمه رؤية الجماع، قد يستشعر المحتلم أنه يجامع أو جامع فينزل، وقد ينزل ويرى الماء من دون رؤية شيء، وفي كل الحالين إذا وجد الماء فهو احتلام. قال رحمه الله: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم عليها الغسل إذا هي رأت نزول ماء الشهوة». ليس المقصود رؤية النزول، ولكن المقصود رؤية الماء. أما النزول فقد لا يراه الإنسان ذكرا كان أو أنثى، قد لا يراه بل قد لا يستشعره حتى ولا يدري به، لكن إذا استيقن أن هذا الماء الذي وجده كان من احتلام، فإذا عليه الغسل. وهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «نعم إذا رأت الماء». قال الشارح رحمه الله: ما يؤخذ من الحديث: أولا، أن المرأة عليها الغسل حين تحتلم إذا أنزلت ورأت الماء. فإذا كان هذا في النوم، فإنه في اليقظة من باب أولى. إذا أنزلت المرأة من دون جماع وحصل منها إنزال، فإن ذلك موجب للغسل. وأما الاحتلام في المنام، فيكون كما قلنا، سواء وجدت المرأة أو وجد الرجل في هذا الاحتلام معنى الجماع وشهوة ولذة الإنزال أو لم يجد ذلك، فوجد الماء الذي هو ثمرة إنزال هذا المحتلم، فإنه عليه الغسل. قال ثانيا: أن المرأة تنزل كما ينزل الرجل، ومن ذاك يكون الشبه في الولد كما أشار إلى هذا بقية الحديث. ولا حديث في هذا كثيرا. الذي تبين أن المرأة تنزل كما ينزل الرجل، وأن إنزالها يكون منه الولد، ولهذا يكون الولد شبيها بأبويه أو بأحدهما بحسب غلبة الماء وتغلب الصفة. وقوله: أن المرأة تنزل؛ لأن بعض أهل العلم أنكر ذلك، وبعض الناس ربما يجهل ذلك، فهذا يؤكد أن المرأة تنزل. الحديث: فإذا كان كذلك، علم أن المرأة ليس يجب عليها الغسل فقط من جماع أو من حيض أو نفاس، بل يجب عليها كذلك بالاحتلام. وأن المرأة كذلك يجب عليها الغسل لو أنزلت من باب أولى، ولو لم تجامع؛ لأن المرأة قد يداعبها زوجها فتنزل وتجد معنى الإنزال الذي تجده في الجماع، فعند ذلك يلزمها الغسل كذلك. وإن الله لا يستحي من الحق؛ تعلم مثل ذلك مما يجب أن يعلم؛ لأنه يتعلق بالطهارة. ولهذا قالت السائلة: ما سمعنا. وأورده العلماء في مثل هذا الموضع لأجل أن يتعلم الناس. ولماذا المرأة خاصة؟ لأن المرأة لحيائها قد تعرض، ولحيائها كذلك قد يعرض عنها، فلهذا ولهذا صار تأكيد ذكر مثل هذه المسألة؛ لأنه قد يستحي الإنسان أن يعلم المرأة، وقد تستحي هي أن تسأل، فيكون ذلك سببا لحرمانها شيء يجب عليها أن تعلمه وأن تعمل به. قال ثالثا: إثبات صفة الحياء لله جل وعلا إثباتا يليق بجلاله، وهو سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. نثبته إثبات وجود من غير تحريف ولا تكيف، ومن غير تعطيل ولا تحريف. قال: على أنه لا يمتنع تعالى من قول الحق لأجل الحياء؛ يعني الحق لا ينافي الحياء، الحياء كله خير، وليس الحياء مانعا من قول الحق ومن القضاء بالحق. وهذا يستفاد منه المسلم في حياته اليومية كثيرا. فما أكثر ما يحرم المرء نفسه وغيره، وكذلك يتأخر القول بالحق أو الفعل به بسبب ما يظنه المرء أنه حياء، وهو في الحقيقة ليس بحياء بل خور؛ لأن الحياء لا يمنع من الحق، سواء كان الحق دينيا أو كان دنيويا، الحياء لا يمنع من الحق بل يأمر به. ولكن الأمر الذي يستحيا منه نتأدب بأدب الشرع، أنه يذكر بأرقى عبارة وأحسنها. انظر إلى القرآن، ما ذكر موضع فيه ذكر الجماع إلا وذكر بعبارة راقية ليس فيها ما يستوحش أو يستقبح، فسمي بإتيان، وسمي بملامسة، وغشيان، وغير ذلك من العبارات الراقية التي يتأدب بمثلها المسلم. فإذا احتاج أن يعبر يعبر بنحو هذه الكلمات، إذا أتى أحدكم امرأته فليقل: «اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا». انظر إلى أدب النبي عليه الصلاة والسلام المأخوذ من أدب القرآن، وكان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام. ما يقول عبارات أخرى فيها التصريح بعين الفعل، هذا في الموضع الذي لا يحتاج إليه، لكن في الموضع الذي يحتاج إليه لا بأس بالتصريح به؛ لأنه يثبت به حكم، مثل حد الزنا. قال النبي عليه الصلاة والسلام لماعز بعد أن تأكد منه وأراد أن يتثبت، قال: «أنكتها». بهذه العبارة التي لم يعهد أن النبي صلى الله عليه وسلم تلفظت بمثلها. لماذا تلفظ بها؟ دفعا لمفسدة أعظم، وهو حفظ دم هذا المسلم؛ لأنه ربما لا يفهم معنى الزنا. وهذا كثير، قد يكون باشر، قد يكون قبل، قد يكون خلع وفعل ما يقرب من الجماع وليس بجماع، كل هذا ليس موجبا للرجم في حق المحصن، لكن الذي يوجب الرجم هو المعنى الذي يعرفه العامي وغيره من حصول الجماع حقيقة. ولهذا عبر به النبي عليه الصلاة والسلام بأوضح عبارة يعرفها العالم والجاهل، عبر به ليس كشفا للستر، ولكن استيضاحا لأجل ثبوت الحكم. فإذن ينبغي أن نفرق بين ما يحتاج إلى ذكر شيء من العبارات التي يستحيا من ذكرها، ويترفع عن التلفظ بها في مواضع، أنها في مواضع أخرى يتلفظ بها للاستيضاح، وهذا من باب درء المفاسد بارتكاب الأخف لدفع الأشد، وهذا منه. قال رحمه الله تعالى: على أنه لا يمتنع تعالى من قول الحق لأجل الحياة. قال ابن القيم في البدائع: إن صفات السلب المحض لا تدخل في أوصافه تعالى إلا إذا ضمت الثبوتا. وكذلك الإخبار عنه بالسلب، كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته. ومعنى إيراد ذلك ها هنا هو أن صفة الحياة بالنسبة لله عز وجل هي على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وعظمته، فليس في معنى هذا اللفظ شيء من الخور والنقص الذي قد يظنه الظان، بل هو كمال غاية في الكمال. وكذلك لو قدر أن في شيء من صفاته سبحانه وتعالى السلب، أي النفي، فهو نفي متضمن لإثبات كمال الضد. النفي المتضمن لإثبات كمال الضد. فالله عز وجل لا يمتنع من قول الحق لأجل الحياء، هذا نفي، هذا نفي متضمن لكمال إثبات الضد، وهو ماذا؟ وهو أنه سبحانه الحق. فمن كمال أنه الحق سبحانه وتعالى أنه لا يمتنع عن قول الحق لأجل الحياء. قال رابعا: أن الحياء لا ينبغي أن يمنع من تعلم العلم، حتى في المسائل التي يستحيا منها. وهذا واضح كما تقدم، لكن ينبغي أن نفرق بين المسائل التي يستحيا منها، فتستخدم لها أرقى العبارات وأرفع الألفاظ سؤالا، وكذلك إعطاء. فلا يكن المعلم قبيح الخلق ساقط اللسان، ولا يكون كذلك المتعلم جريء سفيه يخوض فيما لا ينبغي الخوض فيه، ولو كان أصل العلم حقا، لكن أسلوب السؤال أو أسلوب التعلم أو التعليم ينبغي أن يكون كذلك بما يوافق الشرع. قال خامسا: أن من الأدب وحسن المخاطبة أن يقدم أمام الكلام أو يقدم أن يقدم أمام الكلام الذي يستحيا منه مقدمة تناسب المقام تمهيدا للكلام، ليخف وقعه، ولئلا ينسب صاحبه إلى الجفاء. وهذا من الأدب الذي أدب به القرآن، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فإنك لو تأملت المواضع التي شبيهة بمثل هذا تجد لها نظائر في القرآن وفي السنة مما يدل على هذا المعنى، سواء كان فيما يستحيا منه أو كان مما يحتاج إلى توطئة من الكلام، فإنه ينبغي للإنسان أن يعرض بمقدمة يصل بها إلى المقصود. وفي الحديث مسائل أخرى كذلك من أهمها، ونقتصر على إضافة ثلاث: فيه جواز سؤال المرأة للرجل إذا أمنت الفتنة. جواز سؤال المرأة للرجل إذا أمنت الفتنة، ولو كان السؤال فيما هو من خصائص النساء. وفيه كذلك من المسائل جواز نقل العلم على هذا الوجه لما فيه من مصلحة، وقد تقدم نحو ذلك في الحديث الذي قبله. وفيه ثالثا من المسائل: تعلق الأحكام بأسبابها، وأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. وسيأتي معنا أنه ليس من شرط الاغتسال نزول الماء فقط، بل قد يجب الغسل ولو لم ينزل الماء إذا وقعت المباشرة والجماع بالإيلاج، كما سيأتي إن شاء الله في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فإذا وقع بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل، يعني وإن لم ينزل. وعليه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. هل الاحتلام من رحمة الله بالإنسان أم لا؟ وهل يلام الذي يكون عنده دائما احتلام؟ ومن رأى نفسه يجامع شيء لا يصبح أن يجامعه، هل يأثم عليه؟ ما كان في إمكان الإنسان فينبغي أن يجعل ما يمكنه السيطرة عليه في الحلال لا في الحرام، وما ليس في إمكان الإنسان فهذا معذور عنه. الإنسان يخاطب بما هو في إمكانه ومقدوره. ومسألة الاحتلام في الغالب أنها ليست في إمكان الإنسان، فإذا كان كذلك فإنه لا يلام عليه. وأما ما كان قد عهد الإنسان من نفسه أنه إذا قارب بعض المهيجات احتلم، سواء حسية أو معنوية، فعليه أن يترك ذلك؛ لأن الاسترسال في ذلك قد يكون فيه معنى من معنى الوقوع في المحذور. فأمر الله عز وجل أن يحفظ المرء المسلم فرجه، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون. فإذا كان هذا الإنسان من الناس يعلم أنه إذا استرسل في نظر أو كذلك نام بكيفية وهيئة معينة أنزل، فمعناه أنه تسبب في العدوان، فينبغي عليه أن لا يفعل ذلك. ومن الاسترسال بالأحلام والخواطر والأشياء ينبغي أن يقطعها؛ لأن هذا لا ينفعه ويضره. وأما ما ليس فيه مقدور الإنسان فهذا معذور إن شاء الله، وليس فيه شيء. وهل هو يعني رحمة؟ نعم، إذا كان على الوجه الذي لا يتكلفه فهو رحمة من الله، رحمة من الله لهذا الإنسان يكون به شفاؤه وراحته. وكما ذكر العلماء، وقد بسط القول في هذا ابن القيم رحمه الله: أن العزوبة والتبتل سبب لضعف العقل بسبب ما يتراكم من أبخرة من عدم إنزال الإنسان، فإذا أنزل كان ذلك سببا لصفاء ذهنه وجسده. فمن رحمة الله عز وجل أن الإنسان إذا لم يكن متزوجا وكان بعيدا عن أهله، كان الإنزال بالاحتلام رحمة من الله عز وجل وسببا لجلب الصحة لهذا الإنسان، فهي رحمة من الله بهذا المعنى. وأما باسترسال وغيره فلا.