الدرس في كتاب الطهارة 24، الدرس الرابع والعشرون:من( 5ـ في الحديثين يذكر عند المضمضة والاستنشاق ... أن المسح من مؤخر الرأس إلى مقدمه ثم يعاد باليدين إلى قفا الرأس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع كيفية المضمضة والاستنشاق ومسح الرأس في الوضوء، ويبين أن الأحاديث الصحيحة تدعم مسح الرأس مرة واحدة. يُوضح ما يُعتبر مجزئًا في مسح الرأس.
يجوز المسح على العمامة والخمار إذا كانت مجدودة على الرأس، ولا يجب كشف الناصية. هذا الحكم يسري على الرجال والنساء مع اختلاف في حكم المسح على القلانسوة أو الطاقية.
يناقش المقطع مسائل متعلقة بالوضوء مثل ترتيب الوضوء وغسل أو مسح اللحية، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية. كما يشرح استحباب التيمن في أمور النبي ﷺ مستندًا إلى حديث نبوي رواه البخاري ومسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الشارح -رحمه الله تعالى- خامسًا: في الحديثين يذكر عند المضمضة والاستنشاق أنه يدخل يدًا واحدة، وفي هذا الحديث ذكر أنه أدخل يديه عند غسلهما، ومسح الرأس بيديه، أقبل بهما وأدبر مرة واحدة. قال أبو داود: أحاديث الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة. طيب، هنا جمع بين مسألتين، لعله خامسًا وسادسًا. فالمهم المسألة الأولى أن المضمضة والاستنشاق تكون بكف واحدة، كما تقدم معنا في الروايات أنه يغرف غرفة واحدة لكل مرة، نصفها أو بعضها للفم مضمضة، وبعضها للأنف استنشاق، فيمضمض ويستنشق من هذه الغرفة ثلاثًا، بثلاث غرفات. ثلاثًا بثلاث غرفات، كل غرفة يأخذ ما يحتاج إلى فمه وما يحتاج إلى أنفه، يمضمض ويستنشق من هذه الغرفة. هذه السنة، وهو أيسر بالمتوضئ، أيسر مما يفعله بعض العامة، فإنهم ربما يمضمضون ويستنشقون بست غرفات. وهذا مع ما فيه من المخالفة للسنة، فيه كذلك مشقة. وأما المسألة الأخرى، وهو ما ذكر في مسألة غسل أو مسح الرأس، أنه يمسح بيديه مرة واحدة. وقول أبي داود: إن الأحاديث الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، لأنه رواية أحاديث أخرى كما تقدم معنا أنها تمسح أكثر من مرة، ولكنها أحاديث ضعيفة لم تصح. وقد أشار ابن المنذر -رحمه الله تعالى- في كتاب الأوسط إلى بعض هذه الأحاديث وبيّن ضعفها، فهي أحاديث ضعيفة لم تصح. وقد وردت آثار كذلك عن بعض الصحابة، فما لم يصح ليس بحجة، وما صح فما ثبت في السنة مقدم عليه. وخير الهدي هدي محمد ﷺ. قال ابن المنذر: إن الثابت عن النبي ﷺ في المسح مرة واحدة. وهو يشير -رحمه الله، أي ابن المنذر- إلى أن ما روي عن الصحابة لا يمكن أن يعارض به ما روي عن النبي ﷺ. وخير الهدي هدي محمد ﷺ، خصوصًا وأنه ثبت أن من زاد -أي على وضوءه عليه الصلاة والسلام- فإنه مخطئ، فينبغي الاكتفاء بما ثبت وورد عنه عليه الصلاة والسلام. قال سادسًا: الحديث صرح بغسل الرجلين. وهنا مسائل في مسألة مسح الرأس. ومر معنا أن المجزئ في مسح الرأس هو أن يمسح أكثر الرأس أو كل الرأس، هذا هو الأصل. وهذا الكل لا يستلزم منه كل شعره، يعني لا يستلزم أن كل شعره يصيبها الماء. لكن كما قال ابن المنذر -رحمه الله-: والحد المجزئ في ذلك أن يمسح كل الرأس أو ما يسمى أنه مسح في أكثره. هذا معنى كلامه -رحمه الله-، يعني لو فاته بعض الرأس لا بأس. وذكر -رحمه الله- بعد ذلك قال: وأما التحديد بثلث أو النصف أو الربع أو غير ذلك، فهذا مما لم يثبت به دليل، يعني لم يثبت فيه دليل يدل على وجوب الالتزام بذلك. لكن ورد أنه مسح رأسه، إذن نمسح الرأس بما يسمى رأس أكثره أو كله، إن تيسر كله فهو الأكمل وهو المستحب، وإن لم يتيسر فيمسح ما يدخل فيه معنى قول القائل: مسح رأسه، ولو يفوت بعض الشعر. أحيانًا تمسح الرأس فتفوت الأصابع بعض الشعرات، فأنت لست مأمورًا أن تعدها شعر شعر وتتثبت هل أصابها الماء أم لم يصب، لا، بل القاعدة: هل المشقة تجلب التيسير؟ وهذا من المشقة أن تتأكد من كل شعر أنه أصابها الماء. وهكذا كذلك إذا علمنا ذلك، فلنعلم أن هذا هو الأكمل والأفضل مسح كل الرأس. فإن كان عليه عمامة، مسح الناصية وأكمل على العمامة، هذا هو الأفضل كذلك، لما ثبت في حديث المغيرة -كما تقدم معنا- في صحيح مسلم، أن النبي ﷺ مسح على ناصيته وعلى العمامة والخفين. وهكذا كذلك إن كانت العمامة مجدودة على الرأس، فلا يجب عليه أن يكشف الناصية، العمامة مجدودة مثلًا، أو الخمار مجدود على كل الرأس ما يظهر شيء من الشعر، فهل يجب عليه أن يكشف بعض الرأس ويمسح على العمامة الناصية والعمامة؟ الجواب الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجب عليه، لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ مسح على الموقين والخمار. ومر معنا أن الموقين: الخفين، والخمار المراد به العمامة التي يختمر بها، مثل هذه الهيئة، هذا الخمار. فإن كان هكذا وهو مجدود عليها، وقد يحتاج إلى ذلك المسافر أو المقاتل أو غير ذلك مما قد يستعمل الخمار، فلا بأس أن يمسح على هذا الخمار ويكتفي من دون أن يمسح الناصية. أو كذلك عمامة مجدودة، عمامة مجدودة مبرومة ملفوفة محنكة أو غير محنكة، على الصحيح لا يشترط أن تكون محنكة، وهي ما يمر تحت الحنك، لا يشترط، سواء كانت محنكة أو غير محنكة، فإنه يجوز. وقد ثبت هذا المعنى في حديث عمار بن أمية أنه مسح على عمامته. وهكذا كذلك في حديث المسح على العصائب والتساخين. ومر معنى أن العصائب: ما يربط على الرأس، والتساخين: ما يربط على الأرجل. وهكذا كذلك بالمثل، يجوز للمرأة من باب أولى أن تمسح على الخمار إذا احتاجت إلى ذلك، خصوصًا إذا توضأت في الأماكن العامة، أحيانًا تحتاج أن تتوضأ المرأة في بعض الأماكن العامة، فيشق عليها أن تكشف الرأس، فهنا لا بأس أن تمسح على الخمار، ولا حاجة أن تمسح أن تفتح الناصية، لا يجب عليها. ولو كان هناك مجال وانكشف بعض الناصية، مسحت الناصية وأكملت على الخمار، على خمارها، كما ثبت في حديث المغيرة. وقد ثبت هذا عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-. وهل يجوز المسح على القلانسوة؟ روي هذا عن أنس، القلانسوة يعني الكوفية أو الطاقية. روي هذا عن أنس، والصحيح أنه لا ينبغي التوسع فيه. وجمهور أهل العلم على عدم الإجزاء، أي في المسح على الطاقية، لكن يمسح على رأسه؛ لأن نزع الطاقية ليس فيه صعوبة ولا مشقة، والأصل أن هذه الرخص لأجل المشقة، فما دام أنه لا مشقة ينزعها ويمسح ثم يلبسها. قال -رحمه الله- الحديث السادس صرح بغسل الرجلين. وهنا لم يذكره، وغسلهما من الفروض المتفق عليها، فلا يكون في ترك ذكرهما هنا ما يدل على عدم وجوب غسلهما. ومر معنا في حديث عثمان ذكر غسل الرجلين، ولكن هنا لم يذكر في بعض الروايات، وإلا كما مر معنا، ففي رواية البخاري: ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فقد ذكرت في بعض الروايات ولم تذكر في بعض الروايات، وعدم ذكرها لا يعني ذلك كما قال -رحمه الله- عدم غسلها؛ لأن ذلك ثبت بأحاديث أخرى. فكيف إذا انضاف أنه ورد في بعض الروايات كما مر معنا في رواية البخاري أنها ذكرت: ثم غسل رجليه إلى الكعبين. قال سابعًا: يؤخذ من هذا جواز مخالفة أعضاء الوضوء بتفضيل بعضها على بعض، وأن التثليث والصفة الكاملة وما دونها يجزئ كما صحت بذلك الأحاديث، ولكن الأفضل أن يقتصر بما ورد به الدليل. يريد أن يقول: إن هذا الحديث، حديث عبد الله بن زيد، فيه أنه غسل اليدين مرتين وسائر الأعضاء ثلاثًا إلا الرأس مرة واحدة، فيقول: هذا فيه دليل على جواز المفاضلة في أعضاء الوضوء. لكن هل هذا الكلام على إطلاقه؟ الصواب: لا، الأفضل أنك تتصر على ما ورد به الدليل، هذا الأفضل. لكن إن قال قائل: إن فضل، هل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز. نعم يجوز. وليس الاستدلال بحديث عبد الله بن زيد فقط، ولكن بما ورد في حديث ابن عباس أنه غسل مرة مرة -أي النبي عليه الصلاة والسلام- فدل هذا مع هذا على أن أقل الواجب مرة، أقله مرة ويجزئ، فإن زاد في بعض الأعضاء جاز. ودليل حديث عبد الله بن زيد، فمثلًا لو أن رجلًا توضأ ثلاثًا في المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه، ثم أراد أن يستعجل خشية إدراك فوات إدراك الصلاة، فأراد أن يستعجل أو قل عليه الماء أو أي سبب آخر، فأراد أن ينتقل من الثلاث إلى المرة الواحدة، هل يجزئ؟ الجواب: نعم يجزئ. مع أن هذا بهذه الكيفية لم ترد به صفة عن النبي عليه الصلاة والسلام، يعني لم يرد أنه غسل اليدين ثلاثًا والمضمضة والاستنشاق ثلاثًا والوجه ثلاثًا، ثم اليدين مرة والرأس مرة والرجلين مرة، هذا لم يثبت. لكن هل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز. ما هو الدليل؟ الدليل ما ثبت في حديث غسل مرة مرة، وحديث عبد الله بن زيد أنه خالف فغسل اليدين مرتين وباقي الأعضاء ثلاثًا. قال -رحمه الله تعالى- سابعًا. طيب، قال ثامنًا: اختلف العلماء في البداية بالمسح، فهي من المقدمين والمؤخر عند بن دقيق العيد الصنعاني. وفهم بعضهم من قوله: فأقبل بهما وأدبر، أن المسح من مؤخر الرأس إلى مقدمه، ثم يعاد باليدين إلى قفى الرأس. والصحيح من هذا الخلاف -كما تقدم- أنه يبدأ بمقدم الرأس، أي أمام الرأس إلى المؤخر، ثم يردهما حتى يرجع إلى المكان الذي بدأ منه أولًا؛ لأن هذا لفظ الحديث، خصوصًا حديث عبد الله بن زيد الذي بين أيدينا. وثانيًا: لأنه هو الأيسر بالمتوضئ؛ إذ المقصود هو إيصال شيء من الماء إلى الرأس، والأيسر في إيصال الماء هو في المقدم، هو في المقدم يمر به إلى الخلف، ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه. ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه. وإن قال قائل -كما تقدم- هذا ربما يغير شعره، يعني يبقى على غير وضعه الذي يحب. الجواب: بعد أن ينتهي من الوضوء كاملًا يعدل شعره على ما يريد. من كان له شعر فليكرم شعره. طيب، هل في شيء في هذا؟ نعم، هذا سائل يقول: هل يجزئ في وضوء الرجل بدون الترتيب؟ أو لعله يريد: الرجل هل يجزئ في وضوء الرجل بدون ترتيب؟ إذا كان يريد اليمين واليسار، إذا كان يريد هذا، فالأفضل التيمون كما سيأتي معنا في حديث عائشة: كان النبي ﷺ يعجب التيمون في شأنه كله، وذكرت الطهور، فإنه يستحب التيمون فيه. وبقيت مسألة أخيرة، مسألة غسل اللحية أو مسحها. مر الكلام عليه فيما تقدم: أن اللحية إن كانت كثيفة، فإنها تمسح، وهذا الأيسر بها، والمشقة تجلب التيسير، وهو الذي يحمل فيما ثبت عن النبي ﷺ كحديث ابن عباس أنه غسل وجهه بكف واحدة، وقد كان عليه الصلاة والسلام كث اللحية، فكونه غسل وجهه واللحية من الوجه بكف واحدة يدل أنه لم يخلل لحيته، التخليل الذي يكون معه حكم اللحية الكثة، فدل هذا على هذا التفصيل، وهو الصواب والصحيح. ويحمل حديث عثمان: توضأ فخلل لحيته، عليه الصلاة والسلام فعله عثمان، وقال: أن رسول الله ﷺ فعله، على استحبابه، خصوصًا عند كثرة الماء، على استحبابه. وأما إذا كانت البشرة ترى، كاللحية الخفيفة الصغيرة، فيجب عند ذلك إيصال الماء إلى هذه البشرة التي ترى، لعموم الأدلة الواردة من الكتاب والسنة بغسل الوجه، وما تحت هذه اللحية الخفيفة الرقيقة من الوجه الذي يجب أن يصل إليه الماء. كمثل على سبيل المثال للحصر: قد تكون لحية بعض الشباب الصغار، أو كذلك لحية بعض إخواننا من جنوب شرق آسيا خفيفة، ترى من تحتها البشرة، فمثل هذه اللحية تخلل، ويجب أن تخلل. وأما لحية كثيفة، فهنا المشقة تجلب التيسير، ربما ما يستطيع أن يصل بالماء إلى ما تحت هذه اللحية الكثيفة التي لا ترى البشرة من تحتها في الغالب. طيب، نكتب بهذا والله تعالى أعلم. الغسل، الغسل نعم، الغسل يجزي عن الوضوء. أثر ذلك عن بعض الصحابة أن الغسل يجزي عن الوضوء، لكن اشترط بعض أهل العلم: أن الغسل الذي يجزي عن الوضوء هو غسل العبادة، كغسل الجمعة وغسل الجنابة وما كان بمعناه. طيب، أملي عليكم حديث عائشة. قال البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يعجب التيمن إلى آخره. حديث مئة وثمانية وستين في البخاري، ورواه مسلم نحوه في حديث مئتين وثمانية وستين، وثمانية وستين. طيب، إلى هنا والله أعلم.