الدرس في شرح الفرائد البهية 35، القاعدة الثانية عشرة:الخروج من الخلاف مستحب. القاعدة الثالثة عشرة:الدفع أقوى من الرفع. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناولت القواعد الفقهية المتعلقة بالخروج من الخلاف في مسائل الاختلاف، واستدلت بعمومات من القرآن والسنة. كما أوضحت شروط تطبيق هذه القواعد.
شرحت الشروط اللازمة لمراعاة الخلاف الفقهي، مثل عدم الوقوع في خلاف آخر وعدم مخالفة السنة، وأوضحت أن ليس كل خلاف يحتاج إلى الجزم بقول واحد.
طبقت قاعدة الدفع أقوى من الرفع على أمثلة عملية مختلفة مثل المتيمم الذي وجد الماء أثناء الصلاة، وزوجة تريد الحج بدون إذن زوجها، وتناولت مسائل أخرى.
ختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وتطرق إلى التعليق على بعض الشخصيات المعينة وأصحاب العدة المطبلين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الثانية عشرة: الخروج من الخلاف مستحب. قال: ومستحب الخروج يا فتى من الخلاف حسب ما قد ثبت، لكن مراعاة الخلاف تشترط لها شروط ولها الأصل ضبط، ألا يكون في الخلاف موقع، ولم يخالف سنة لمن دعا، صحت وكونه قوي المدرك، لا كخلاف الظاهري إذ حكي. هذه مسألة أخرى، وقاعدة من القواعد الكلية الجزئية كما ذكرها، وهي كذلك حسبما تكون قاعدة أو ضابط، لا كلية. ومعنى القاعدة ظاهر، يُعبَّر عنها بهذا التعبير، وقد يُقال: يُستحب الخروج من الخلاف، وقد يُقال كذلك: الخروج من الخلاف في مسائل الاختلاف مندوب، وغير ذلك من العبارات، كلها بمعنى واحد. ومعنى القاعدة أنه إذا وقع خلاف في مسألة، فينبغي الخروج من هذا الخلاف. ومعنى الخروج الأخذ بالإحتياط. واستدل له بعمومات تدل على اجتناب المظنون الموقع في الإثم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ﴾، فقالوا: كل ما يوقع في الإثم يُجتنب ويُحاط له، وإن كان التعبير بهذا اللفظ فصحيح، ويدل عليه الحديث: «وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». لكن لا يصح إطلاق هذه القاعدة في الأقوال والأفعال والأوامر والنواهي، وهكذا كذلك في الخلاف القوي والخلاف الضعيف. لكن الصحيح التفصيل، كما قال: «لكن مراعاة الخلاف تشترط لها شروط ولها الأصل ضبط»، يعني ذكر العلماء أن لها شروط. وهذه الشروط: مراعاة الخلاف أولاً، ومعنى مراعاة الخلاف أن لا يوقع الحذر من الخلاف في خلاف آخر. وذكروا من الشروط كذلك أن لا يخالف النص، فإن هذا من الشروط التي ذكرت كذلك. وذكروا كذلك من الشروط أن لا يكون القول شاداً، أن لا يكون القول شاداً، يعني ليس كل خلاف يحتاط له، فيجتنب الأقوال الشادة، وهذا أصح من أن نقول: أن لا يكون قول من قالوا بشدوده. لأن أحياناً هناك أقوال فيها جور واعتداء، مثل قول بعض الفقهاء، مثل ما أشار في البيت الأخير: «لا كخلاف الظاهرية إذ حكي»، يعني أن خلاف الظاهرية لا يعتد به، وهذا غير صحيح، بل الظاهرية كغيرهم، صحيح عندهم شدودات، لكن كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: شدود أهل الرأي أكثر من شدود أهل الظاهر. وكما قبلنا قول أهل الرأي إذا وافق الحق، كذلك يجب أن نقبل قول أهل الظاهر إذا وافق الحق، فإذن العبرة بقول صاحبه بدليله وبرهانه، هذا هو الضابط. فإذن نقول: الشرط الثالث أن لا يكون الخلاف أو المخالف في شيء أو قول شاد، فالقول الشاد لا عبرة به، وهو مما يهمل، فلا يحتاج إلى احتياط. هذه ثلاثة شروط، ويضاف كذلك أنه لا يُحاط في ما كان فيه مأموراً، مأموراً يعني في شيء يُطلب منه فعل أو قول، بخلاف المنهي المطلوب منه كف، فالمطلوب منه كف يُحاط له، وأما المطلوب منه فعل، فالإحتياط عكسي، إذا وقع الخلاف، فالإحتياط ألا تفعل. مثلاً اختلفوا في شيء حلال أو حرام، الاحتياط أن تتركه، إذا صار الخلاف قوي، قلنا من شروطه أن يكون الخلاف معتبر، لا يكون خلاف شاد. فإذا كان الخلاف قوي، نجتنبه من باب أنه مشتبه، ومن باب أن لا نقع في المضنون الذي هو من الإثم. فمثلاً اختلفوا في مشروب ما أنه من المسكرات أو ليس من المسكرات، الاحتياط ماذا؟ تركه، لا نشك في هذا، ما يضرنا أن نتركه، وهذا من مما طلب منه الكف. لكن اختلفوا هل الرقبة من أعضاء الوضوء أم ليس من أعضاء الوضوء، ما نقول: الاحتياط ماذا؟ نغسل الرقبة حتى نزداد الأجر. فرق بين ما طلب منه فعل وما طلب منه كف، فما طلب منه كف، فيكون الاحتياط بتركه، وما طلب منه فعل، فالاحتياط كذلك بماذا؟ بتركه لا بفعله، الإحتياط كذلك بتركه لا بفعله. فإن قلنا كذلك، فهذا صواب، وبهذا نعرف أن بعض الأمثلة التي ذكرت فيها نظر، مثل ما ذكروا باستيعاب الرأس بالمسح، وغير ذلك من المسائل التي أشاروا إليها. لكن كما سمعنا بهذا التفصيل، يكون الخروج من الخلاف مستحب، نعم، بأن يكون الكف في القول في ما طلب منه الفعل، وما طلب منه الترك، مع مراعاة الشروط الثلاثة التي سمعناها. وقوله رحمه الله: «لكن مراعاة الخلاف تشترط لها شروط ولها الأصل ضبط»، علي من الشروط قال: أن لا يكون في الخلاف موقعاً، يعني أن لا يكون الخروج من الخلاف يوقع في خلاف آخر، لأنك إذا فعلت ذلك ما خرجت من الخلاف. ومثلوا له بأمثلة، لكن هي فيها خلاف، حتى هذه الأمثلة فيها خلاف. مثلاً لو قال قائل: أختلف العلماء في الضم بعد الركوع هل هو سنة أو هو بدعة أو مسألة خلافية؟ فإذا قال قائل خروجاً من الخلاف: نقضي بأنه بدعة، أو قال: سنة، أو قال: نحطاط فنفعل. فنقول الآن: أنت تريد أن تخرج من الخلاف فتقع في الخلاف، لأنه سيأتي من يعترض عليك ويقول لك: كيف تقول هذا، وعندنا فلان وفلان من العلماء يقولون، وقولهم معتبر، وعندنا أدلة وعمومات وأشياء. إذن الأولى في مثل هذا أن يقال: هذه مسألة خلافية مما يسع فيها الخلاف، هذه مسألة خلافية مما يسع فيها الخلاف. فليس كل خلاف لابد أن تجزم بقول واحد فيه، بل منه ما تستطيع، ومنه ما لا تستطيع. وقوله: «ولم يخالف سنة لمن وعى»، يعني هذا الشرط الثاني أن لا يكون مخالفاً للدليل، سواء من الكتاب أو من السنة. فليس كل خلاف معتبر، وإنما الخلاف المعتبر هو الذي تحتف به أدلة، فإذا لم يترجح، ممكن أن يخرج بالإحتياط على التفصيل الذي سبق. فمثلاً لو قال قائل: النكاح المتعة اختلف فيه، فلا تشددوا، النكاح بدون ولي اختلفوا فيه، فيقال: الخلاف شاد لأنه معارض لماذا؟ للنص، معارض للنص، فلا نبالي بهذا الخلاف، ولا مجال للإحتياط، ولا تطبيق قاعدة الخروج من الخلاف لأنه معارض للنص. ومثله قوله: «صحت وكونه قوي مدرك»، يعني أن يكون الخلاف من الخلاف المعتبر القوي. وقوله: «لا كخلاف الظاهري إذ حكي»، يريد أنه حكي أن خلاف الظاهرية خلاف غير معتبر، وهذا القول قول غير صحيح. أطال الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه، بل وشيخ الإسلام في إبطال هذا القول، وأن الظاهرية كغيرهم، بل هم أولى من أهل الرأي من الحنفية وغيرهم. فإن كان عندهم شدودات أخطاء، فكذلك عند الحنفية شدودات أخطاء، بل شدود أهل الرأي أكثر من شدود أهل الظاهر. ومع هذا فلا يطلق فيقال: هذه الفرقة أو هذا الشخص لا عبرة بخلافه، وإنما قل: لا عبرة بخلاف كل مخالف قوله شاد، قوله شاد لا عبرة به. فقد يكون بعض الأئمة قوله شاد، مثل كما مر معنا قريباً قول عطاء بجواز إعارة الجواري أو الإماء، هذا عطاء معروف أحد الأئمة، لكن قوله في هذه المسألة قول شاد، استقبحه واستنكره العلماء. وقالوا: لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة، وهذه من هفواته الكبيرة. وكما قال بعضهم: تأتي هفوة العالم كقدره، يكون له خير كثير، لكن يهفو هفوة واحدة تكون كبيرة، وهذه من تلك، فهي مسألة شادة غاية الشدود. فهو إذن ليس بالأشخاص ولا بالفرق، وإنما بنفس القول. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة عشرة: الدفع أقوى من الرفع. قال: والدفع فيما قال كل حبري أقوى من الرفع، فجلب الفكر. ومعنى ذلك أن الدفع دفع الشيء، أي منع التأثير بما يصلح له، فهو بمعنى الإزالة أقوى من الرفع. يعني كونك تدفعه هذا أقوى من أن ترفعه. ومثلوا له بأمثلة من هذه الأمثلة: إذا وجد الماء قبل الصلاة، الصلاة للمتيمم يمنع للدخول في الصلاة، وفي أثنائها لا يبطل، لماذا؟ لأن الدفع أقوى من الرفع، أقوى من الرفع، فلا يمكن رفع الصلاة وقد دخل بوصف صحيح، دخل في الصلاة بوصف صحيح مأذون لمثله شرعاً، فلا يرتفع. الدفع أقوى من الرفع. ومثله كذلك ما مثلوا من الأمثلة: لو أن زوجة شرعت في الحج بغير إذنه، وزوجة أرادت أن تستأذن قبل الدخول في الحج، فإنه يفرق. قالوا: هذه التي تستأذن يجوز أن يمنعها زوجها إذا كان يحتاج إليها مثلاً، ولو كان عندها محرم آخر، فحاجته مقدمة على الفريضة. والحاجة التي هي بمعنى الضرورة، ليس الحاجة الزائدة. وأما إذا شرعت في الحج، ففيه خلاف، والصحيح أنها تستمر، ما دام قد شرعت، فلا ترجع، لأن ضرورة رجوعها أشد. فإذا تعارضت مفسدتان، ارتكب الأخف لدفع الأشد، خصوصاً وأن الغالب ما أحد يرضى من الحجاج أن يردها، ما حرمها قد وصل مكة، كيف يرجع؟ يقول: نحج بعدين نرجع. فهنا لا شك أنه يعمل مثل هذه القاعدة: الدفع أقوى من الرفع. وقوله: «والدفع فيما قال كل حبري»، يعني في قول أكثر العلماء، أو كل العلماء أقوى من الرفع، فجلب الفكري أقوى من الرفع، فهمناه وعلمناه. وجلب الفكري يعني تأمل وانظر أي المسائل التي هي من الدفع، فيمكن قطعها وإزالتها، وأي مسائل هي من الرفع، يعني قد حصل الدخول في الشيء، فمن الصعب رفعه وقطعه. وبعض أهل العلم يستثني في هذه القاعدة بما دلت عليه الأدلة، وبما لا يعارض حقاً من الحقوق. نعم، طيب نكتفي بهذا إن شاء الله، والله تعالى أعلم. يقول: هل يدخل في هذه القاعدة عدم فعل الحجامة مثلاً في نهار رمضان خروجا من الخلاف؟ وأخذ السترة الطويلة حتى لا نقع في الخلاف. الآن مسألة الحجامة في نهار رمضان، إذا كنت ترى صحة حديث ابن عباس، فهنا خالف الشرط الثاني، وهو ماذا؟ خالف النص. وحديث ابن عباس: البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رمضان، وهو صائم، محرم صائم في رمضان. فهذا دليل على جواز احتجام المحرم والصائم إذا احتاج إلى ذلك، فلا بأس أن تفعل إذا احتجت إلى ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مريضاً ويعاوده مرضه من أثر السم، فكان يخفف عليه ذلك بالحجامة، فإذا احتجم ارتاح وخف عنه الأذى. فاحتج ما وهو محرم وهو صائم عليه الصلاة والسلام. ومن قال بشدود هذه اللفظة، فنعم يخرج من الخلاف، لأنه لا شيء يقوي جانب الجواز إلا هذا الحديث، فإذا لم يثبت، فإذا الخروج من الخلاف أحضر، لا شك. والمسألة الثانية: السطرة الطويلة حتى لا نقع في الخلاف، نعم هذا مما يدخل في القسمة الثالث، مما يدخل، نعم في القسمة الأول، حتى لا يدور الخلاف، لأن حد السترة اختلفوا فيه، اختلفوا في حد مؤخرة الرحل كم هو؟ والصحيح أنه أن كل ما عد مؤخرة الرحل أجزأ، ما لم يخالف ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر: ثلثي ذراع، فهذا هو الأحواط. لكن لو قال قائل: الآن مؤخرة الرحل شبر، أقل من ثلثي ذراع، أين ثلثي ذراع؟ الشبر تقريباً نصف، نصف ذراع، وثلثي ذراع أكثر. فإذا قال قائل: لا عندنا في عرفنا مؤخرة الرحل شبر، وكان يفتي بهذا شيخنا الشيخ مقبل رحمه الله، يقول: مؤخرة الرحل شبر يجزأ، لأنه رأى، وصحيح يوجد الآن مؤخرة الرحل شبر. فإذا سيدور الخلاف، فيقال: هذا مما يسع فيه الخلاف، والأمر فيه واسع. نعم، هذا كأنه سائل، صاحب سيارة يقول: هل يجوز الذهاب مع أصحاب اللعبة العدة الطاصة إذا أرادوا الرحلة؟ إذا أرادوا الرحلة لا تذهب معهم، ولا توصلوا، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان. نعم، تعرفون الطاصة، أصحاب العدة مطبلين، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.