الدرس في شرح الفرائد البهية 14، القاعدة الثالثة:المشقة تجلب التيسير. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة الثالثة من القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية هي 'المشقة تجلب التيسير'، وهذه القاعدة لها أدلة من الكتاب والسنة وتفسر كيف أن الشريعة تيسر على الناس في حالات المشقة.
ذكر العلماء أن أسباب التخفيف في الشرع عدة، منها الإكراه والنسيان والجهل، وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك، وتفصيل كيفية التعامل مع هذه الأسباب وتأثيرها على الأحكام الشرعية.
من لم يبلغه الحكم الشرعي فهو معذور ولا إثم عليه، وسيتم تفصيل الكلام عن الجهل في موضعه لاحقا، مما يبين جانب التيسير في الشريعة على من لم يبلغه الحكم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير. نعم، هذا الذي وصلنا إليه. قال رحمه الله: وأصلها الآيات والأخبار مما رواه العلماء الأحبار، وكل تخفيف أتى به الشرع مخرج عنها بغير دفع. واعلم بأن سبب التخفيف في الشرع سبعة بلا توقيف، وذلك الإكراه والنسيان والجهل والعسر كما أبانوا، قال: وسفر ومرض ونقص. فهذه السبعة فيما نصه. هذا شروع في القاعدة الثالثة من القواعد الكلية التي سبقت الإشارة في أول هذه المنظومة. وهذه القاعدة هي قاعدة: المشقة تجلب التيسير. المشقة تجلب التيسير، وهذه القاعدة كما تقدم هي قاعدة من القواعد الكلية التي سبقت الإشارة إليها، ولها أدلة من أدلة الكتاب والسنة كثيرة تدل عليها. ومن أشهر ما ذكره العلماء من أدلة لهذه القاعدة قول الله عز وجل: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. ومن أدلة السنة كذلك أدلة كثيرة، ومن أشهرها ما جاء في الصحيحين في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه حين بعثه نبينا صلى الله عليه وسلم ومعاذًا إلى اليمن، فقال لهما في وصيته: «يسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا». والشاهد في قوله: «يسرا ولا تعسرا»، فإن من قواعد الشريعة التيسير في كل أمر نابه تعسير. وهكذا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». وهذا فيه إشارة إلى معنى هذه القاعدة. ومن هذه الأدلة والأدلة كثيرة حديث أبي هريرة كذلك في البخاري في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه». وهو يدل كذلك على هذه القاعدة. ومعنى المشقة في الصحيح من أقوال أهل العلم ليس هو الضرورة، بل هو شيء دون الضرورة. فإذا وجدت المشقة جاء التيسير في الشرع. ومن هنا يحتاج أن يعلم ما هي المشقة التي تجلب التيسير. قسم العلماء المشقة إلى قسمين: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالبًا، فهي لا توجب التيسير إلا ما ألحق الضرر لعارض. فالضرورة تبيح المحظور. مثاله البرد والحر وما كان بمعناه مما لا تنفك عنه العبادات من طهارة وصيام وسفر وحج وجهاد وغيره من العبادات والطاعات. فمثل هذا لا تنفك عنه هذه العبادات، فهي لا توجب التيسير إلا ما ألحق الضرر لعارض. مثاله إنسان مريض، صارت هذه المشاق التي لا تنفك عن العبادة والتي هي في الأصل ليست سببًا للترخيص بالنسبة لهذا العارض سببًا للترخيص. برد الشتاء ليس سببًا في ترك الصلاة أو الجمع بين الصلاتين، لكن بالنسبة للمريض الذي أصابه مرض، صارت هذه المشقة في حقه ماذا؟ سببًا للتيسير لوجود هذا العارض الذي عرض له. وإلا هي في الأصل ليست سببًا للتخفيف لأنها من المشاق التي لا تنفك عنها العبادات غالبًا. وبه نعلم كذلك أن هذه المشاق تختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، ومن شخص إلى شخص. فالبرد المعتاد في البلاد الحارة ليس سببًا للتخفيف، لكن مثل هذا البرد في البلاد الباردة ليس سببًا للتخفيف بالنسبة لتلك البلاد لأنهم مما اعتادوه. لكن إذا كان في موضع وفي زمان ما جاء من البرد ما هو في البلاد الباردة معتاد، وبالنسبة للبلاد الحارة ليس من معتاد، هذا يعتبر شيء خارج عن المعتاد، فيكون سببًا في الترخيص. ويدل على ذلك ما جاء وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الترخيص بالصلاة في الرحال في الليلة الباردة الشاتية. والقسم الثاني من أقسام المشقة: مشقة تنفك عنها العبادات غالبًا، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم منها مشقة خفيفة ليست موجبة للرخصة، كوجع الضرس اليسير وألم الإصبع وما كان بمعناه مما هو ليس محلًا للتخفيف. فمثل هذا لا تترك به جماعة، ولا يجمع بين صلاتين، ولا كذلك يترخص به في فطر من صيام أو نحو ذلك. والقسم الثاني: مشقة متوسطة، وهو محل نظر واختلاف حكم بحسب الشخص. من استطاع أن يتحملها فهو الأفضل، ومن ترخص بها فهي له رخصة إذا كانت كذلك في حقه، أي محل الرخصة. ومما يمثل له في هذا خروج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الجماعة في مرض موته، وهو يهادى بين رجلين كما ذكرت عائشة رضي الله عنها، متكئًا عن يمينه العباس، وعن شماله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو كما ذكر في الحديث. فمثل هذا مشقة متوسطة، هي محل الرخصة، لكن ما دام لا يلحق المريض الضرر ويستطيع أن يتحمل، جاز له أن يخرج. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم الأفضل. وصلى قاعدًا. وفي حديث ابن مسعود في صحيح مسلم في الأمر بصلاة الجماعة: «وإن كان الرجل ليخرج للصلاة وهو يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف». ومعنى أنه من سنة الصحابة حرصهم وحبهم على صلاة الجماعة مع المشقة المتوسطة التي هي في الأصل محل الرخصة، لكنهم يطلبون الأفضل بما لا يضر بهم. والقسم الثالث: المشقة الكبيرة والعظيمة التي توجب الرخصة، خصوصًا إذا غلب على ظنه تحقق الضرر. فلا يجوز للمسلم أن يضر بنفسه، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا ضرر ولا ضرار». ومنه ما جاء في الصحيح في قصة عتبان بن مالك رضي الله عنه أرضاه، فإنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم مصلى بجانب بيته، وأن لا يحضر الجماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بينه وبين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وادٍ، وهو أعمى، وليس له من يقوده. فهنا خروج الأعمى مع مروره بمثل هذا الوادي من غير قائد، لا شك أن فيه ماذا؟ مضرة، ويغلب على الظن لحوق الضرر به، فهو مما تكون به الرخصة، بل قد تجب في مثل هذا الحال. ولهذا رخص له النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء إلى مكانه وصلى في مكان يكون له ولأهل بيته مكانًا للصلاة. قوله رحمه الله: وأصلها الآيات والأخبار، يعني أصل هذه القاعدة ودليلها ما جاء في عدد من الآيات من كتاب الله، والأخبار يعني مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد مر معنا ذكر شيء من ذلك. وقوله: مما رواه العلماء الأحبار، يعني فيما ذكروه في كتبهم مستدلين على هذه القاعدة بهذه الآيات والأخبار. وقد تقدم الإشارة إلى شيء من ذلك. وقوله رحمه الله: وكل تخفيف أتى به الشرع مخرج عنها بغير دفع، ومعناه: بالاستقراء وجد أن جميع أنواع التخفيفات التي ستأتي إن شاء الله الإشارة إليها، وهي أنواع أقسام تدخل تحت هذه القاعدة. وقوله: واعلم بأن سبب التخفيف في الشرع سبعة بلا توقيف، يعني بالاستقراء ذكر العلماء أن أسباب التخفيف سبعة فيما دلت عليه أدلة الشرع. هذا هو المشهور عن أكثر العلماء، وبعضهم زاد ثامنًا أو تاسعًا، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في موضعه. وقوله رحمه الله: وذلك الإكراه والنسيان والجهل والعسر كما أبانوا، يعني من هذه السبعة أولًا الإكراه، فالإكراه سبب من أسباب التخفيف، دلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك. قال الله عز وجل: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وهو حديث حسن رواية من طرق يشد بعضها بعضًا يرتقي إلى الحسن. وفي معنى هذين الدليلين أدلة كثيرة عامة وخاصة تدل على أصل هذا السبب وأنه سبب من أسباب التخفيف. دل عليه دليل الشرع، ولكن بالاستقراء كذلك وتدبر العلماء لهذا السبب وجدوا أنه ينقسم إلى قسمين، فليس كل إكراه سبب للتخفيف مطلقًا. فلذلك قالوا: الإكراه في أدلة الشرع بالاستقراء ينقسم إلى قسمين: إكراه ملجئ لا اختيار لصاحبه معه بالكلية، فهذا لا إثم عليه ولا ضمان. مثاله: حمل إنسان فضرب به إنسان آخر حتى مات الآخر، هذا إكراه لا اختيار لصاحبه معه، يسمى إكراه ماذا؟ ملجئ، فهو لا يوجب الإثم على هذا الإنسان ولا ضمان عليه. بخلاف لو قيل لإنسان: اقتل فلانًا وإلا قتلناك، هو الآن رأى نفسه مكرهًا وخاف على نفسه، فهل يجوز لمثل هذا الإنسان أن يدفع القتل عن نفسه بقتل غيره؟ الجواب: إن كانت هذه النفس نفسًا معصومة، فالصحيح لا يجوز له ذلك. وهذا النوع من الإكراه ليس هو من الأول الملجئ؛ لأن صاحبه له اختيار، وهو من القسم الثاني: اختيار غير ملجئ. وهو ما كان لصاحبه شيء من الاختيار. فهنا قسم العلماء هذا النوع من الإكراه لقسمين، فهو يوجب الرخصة ما لم يكن فيه تعد أو ما يوجب الضمان. ومما ينبه هنا أن العلماء استثنوا من كلا معنيي الإكراه سواء الملجئ وغير الملجئ ما كان من الأحكام الوضعية التي ترتبط بأسبابها وشروطها، وما كان بمعنى على ما هو معلوم في معنى الأحكام الوضعية، فإنها تثبت به الأحكام ولو وقع الإكراه. مثاله حكم الرضاع، لو وقع إكراه في الإرضاع سواء أكان من النوع الأول أو النوع الثاني، هل يثبت حكم الرضاع أو لا يثبت؟ الصحيح وهو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية: يحثب حكم الرضاع. سواء كان من النوع الأول: الإكراه الملجئ، أو كان من النوع الثاني: الإكراه غير الملجئ. مثاله: أكرهت امرأة بغير رضاها بالقوة، أجبرها زوجها أو أحد أقاربها أن ترضع منها طفلًا، ليس معها اختيار، لم يأمرها وإنما مثلًا ربطها وجعل الولد يرضع، فهنا إكراه ملجئ. هل يثبت حكم الرضاع إذا رضع هذا الطفل خمس رضاعات مشبعات؟ الجواب: نعم يثبت، ما دام قد حصل، فإنه يثبت، فلا فرق. والإكراه ليس يسقط الحكم؛ لأنه من الأحكام الوضعية. وهكذا قل بمعناه. وقوله رحمه الله: والنسيان السبب الثاني من أسباب التخفيف، النسيان. ودل دليل الشرع كذلك عليه، منه الحديث المتقدم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وقد قسم العلماء النسيان إلى قسمين: نسيان للشيء، ونسيان لعين الشيء. كما أشار الإمام ابن القيم رحمه الله إلى ذلك في مواضع من كتبه. وهكذا أشار إلى التقسيم الأول كذلك في الإكراه في مواضع من كتبه، منه: «أعلام الموقعين عن رب العالمين». فهذا النوع أو هذا المعنى من معاني التخفيف: النسيان، النسيان سبب دل دليل الشرع على أنه محل للتخفيف. فمثلًا في الصيام إذا أكل أو شرب الصائم فإنه ماذا؟ يسقط عنه الإثم والحكم معًا؛ لحديث أبي هريرة وغيره فيمن أكل أو شرب ناسيًا: «إنما أطعمه الله وسقه، إنما أطعمه الله وسقه». ولاحظوا أن العلماء فرقوا الآن: هذا نسي أنه صائم وفعل هذا المحذور، فسقط عنه الإثم والحكم معًا. لكن إذا إنسان نسي ليس في فعل المحذور وتركه، ولكن في امتثال المأمور، فهنا فرق العلماء، فقالوا: من نسي فعل المأمور، ليس حكمه كحكم من نسي ففعل المحذور. فمثلًا لو أن إنسانًا صلى بغير طهارة ناسيًا، ما نقول: أن صلاته ماذا؟ صحة، بل نقول: صلاته باطلة، وعليه إعادة الصلاة. إذن ما هو الضابط الذي نفرق بين المثال الأول والمثال الثاني؟ الضابط في ذلك ما ذكره العلماء: التفريق بين فعل المحذور وترك المأمور. فما كان من نسيان في ترك مأمور، فإنه يسقط الإثم ولا يسقط الحكم. وما كان من فعل محظور، فهو يسقط الإثم والحكم معًا. مثال فعل المحظور: الأكل والشرب في الصيام. ومثال ترك المأمور: الطهارة للصلاة. فإذا ترك الإنسان شيئًا من شروط الصلاة، فإنه يسقط عنه الإثم، ولكن يبقى عليه الحكم، فيعيد الصلاة. وهكذا قل في مسائل كثيرة تأتي في هذا المعنى. ثم قال رحمه الله: والجهل والعسر كما أبانوا، كذلك من أسباب التخفيف الجهل. ودليله عموم الأدلة من الكتاب والسنة في العذر بالجهل. ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، فالجهل سبب من أسباب التخفيف، وقد دلت أدلة كثيرة على ذلك. فمن ذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم، حين تكلم في الصلاة تكلم في الصلاة جاهلًا بحكم الكلام؛ لأن الكلام كان في أول الإسلام لا يبطل الصلاة، ثم لما نزل قول الله عز وجل: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ نسخ ذلكم الحكم إلى عدم الكلام في الصلاة. وصار لا يجوز فيها إلا ذكر الله من قراءة القرآن والتسبيح ونحوه. فمعاوية بن الحكم السلمي لم يبلغه ذلك، دخل في الصلاة، فسمع رجلًا عطس فقال: «يرحمك الله». فصار بعض الصحابة يلتفتون إليه كأنهم يشيرون إليه: ما فعلت خطأ. فتكلم بكلمة أخرى: «ما لكم تنظرون إلي». فصاروا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، ثم سكت. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة علمه أن هذه الصلاة لا يجوز فيها شيء من كلام الناس. والشاهد من هذا: لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بإعادة الصلاة. وننتبه أن هذا يجري عليه ما قيل في ماذا؟ في النسيان. فهذا فعل ماذا؟ محظورًا، سقط عنه الإثم والحكم معًا. بخلاف من ترك مأمورًا، يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الحكم. ودليله حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته. المسيء في صلاته جاهل، صلى صلاة ليس فيها اطمئنان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». فرجع فصلى كما كان صلى، ثم جاء فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام المرة الثانية، فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام السلام، ثم قال له: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». ثلاث مرات، حتى قال في الثالثة: «والله يا رسول الله لا أحسن غيرها»، فعلمني. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصلي. ومن ذلك أمره بالإطمئنان في الصلاة. فهنا هذا جاهل، ولكنه أمر بإعادة الصلاة، فدل على أن الجهل يسقط الإثم والحكم في فعل المحظور، ولا يسقط الحكم في ترك المأمور، وإن كان يسقط الإثم. فهو لجهله لا يأثم، لكنه لا يُعذر، فيؤمر بإعادة الصلاة. وفرقها هنا بتفريق آخر: العلماء، فقالوا: يفرق في الصلاة بين ما ذهب وقته وما بقي وقته، بدليل هذا الحديث. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره بإعادة الصلاة الحاضرة، ولم يأمره بإعادة الصلاة الماضية التي خرج وذهب وقتها. لماذا؟ لأن العلم بلغه الآن، العلم بلغه الآن، فمن حين بلغه الحكم والعلم في المأمور وجب عليه القضاء. ومن حين لم يبلغه فإنه معذور، ولا قضاء عليه، لا إثم ولا حكم. وسيأتي إن شاء الله تفاصيل في الكلام على الجهل في موضعه. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.