شرح الفرائد البهية  29

شرح الفرائد البهية 29

الدرس في شرح الفرائد البهية 29، القاعدة الثالثة:الإيثار بالقرب مكروه. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإيثار بالقرب في الصلاة وحكمه

الإيثار بالقرب في الصلاة مكروه شرعًا بينما هو مستحب في أمور الدنيا. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية تشجع على التبكير والمنافسة في الخيرات.

تفصيل أحكام الإيثار في القرب

يناقش تفصيل الإيثار في القرب وأحكامه، حيث يفرق بين الإيثار المحرم والمكروه وخلاف الأولى. الإيثار الذي يؤدي إلى إهمال واجب يكون محرمًا.

الجهر بنية الشهادة في الجهاد وتحريم التهلكة

يناقش مسألة الجهر بنية الشهادة في الجهاد ويحذر من إلقاء النفس إلى التهلكة. المقصود من الجهاد هو أن تكون كلمة الله هي العليا.

ختام الدرس والدعاء

تم اختتام الدرس بنقطة معينة مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الناظم رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة، قال: الإيثار بالقرب مكروه. قال: ويكره الإيثار شرعًا بالقرب، أما سواها فهو فيه مستحب. ففي أمور هذه الدنيا، وفي حظ النفوس، حسنه غير خفي. قيل: وفي كلام بعض العلماء ما يقتضي في قرب أن يحرم. قال: وللسيوطي هنا تفصيل، فاضفر به، فإنه جليل. حاصله: الإيثار إن أدى إلى إهمال واجب فحكمه انجل، قال: أو ترك سنة أو ارتكاب كره فمكروه بلا ارتياب. قال: أو ارتكاب غير أولى فليعد خلاف الأولى، وهو قول معتمد. طيب، هذه الأبيات جعلها رحمه الله تعالى في الكلام على هذه القاعدة الثالثة من القواعد الكلية الجزئية. فقال رحمه الله: الإيثار بالقرب مكروه. وبعضهم يعبر فيقول: يكره الإيثار بالقرب، أو يقول: كذلك استحباب عدم الإيثار بالقرب، ونحو ذلك. فقال: ويكره الإيثار شرعًا بالقرب، أما سواها فهو فيه مستحب. وقد أشار في الأصل إلى بعض الأدلة، وكذلك كما ترون في التعليق، استدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم في الصحيح عن أبي سعيد حين رأى أقوامًا يتأخرون عن الصلاة، فقال: «لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله». ومعناه أنه لا يستحب التأخر في الصلاة أو في الصفوف، فالصفوف الأول محبوبة عند الله سبحانه وتعالى، والتأخر مكروه. وإن كان الحديث في الحقيقة في الكلام على من يكثر من التأخر في الصلاة؛ لأن تأخره بدون عذر موجب للإثم. ومما يدل عليه ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه». فدل على أن مثل هذا ليس فيه إيثار، وإنما فيه منافسة ينبغي أن يحرص وينافس على القربات والطاعات، ولكن منافسة برحمة وحب وأدب، ليس بحسد وبأذية وغير ذلك من معاني السوء. فليس هذا خلق المؤمن، فأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، منافسة في القرب في حسن خلق. ومن حسن الخلق أنك قد تترك إذا وجدت من يتجاوز، يعني إنسان قد يتجاوز، فأنت ماذا ستفعل؟ ستفعل مثل ما يفعل بعض العوام وأشباه العوام، ربما يعمل مشكلة في المسجد لأجل لماذا؟ فلان دخل قبله في الصف، فهذا لا يليق، ليس هذا من الخلق. إنما معناه أن تحرص بدون أذية ولا نزاع ولا خلاف ولا شقاق، بحب ورحمة. وكذلك فرح كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم يجدوا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه»، يعني احرصوا، اجتهدوا في التبكير، خذوا بالأسباب وهكذا. وهذا المعنى له أدلة كثيرة، وسيأتي إن شاء الله تفصيل في بعض مسائله؛ لأنه كما تقدم معنا هذه القواعد من القواعد التي لها استثناءات، ولكل قاعدة استثناء، فقد استثنى العلماء ما معناه أنه إلا أن يوجد الأحق أو يدل الدليل على جواز الإيثار في مثل ذلك. ومما يدل عليه ما ثبت في الصحيح في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى». وهذا معناه إذا جاء إنسان في الصف الأول في هذا المكان، فجاء من هو أولى منه من أولي الأحلام والنهى، فهل يجوز أن يؤثره في مكانه؟ الجواب: نعم؛ لأن هنا في حق توجد أولوية، الأولوية لأولي الأحلام والنهى. بل قال عليه الصلاة والسلام: «ثم الذين يلونهم»، معناه: أولو الأحلام والأقرب فالأقرب، فيلزم الإمام أن يقرب منه من هو أهل للإمامة من حفظه وعلمه إذا ناب الإمام شيء، نبه الإمام، سواء في الصلاة في أحكامها أو في القراءة في حفظه أو غير ذلك. وإذا كان هذا في مثل هذا الموضع، فكذلك ما كان بمعناه، فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وقوله رحمه الله: «ويكره الإيثار شرعًا بالقرب، أما سواها فهو فيه مستحب»، يعني سواء القرب. وسيأتي ما هو الذي سوى القرب. قال: «ففي أمور هذه الدنيا، وفي حظ النفوس، حسنه غير خفي»، يعني في أمور الدنيا لو تركت وآثرت لكان خير، لقول الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، هذا مما يتنافس فيه في الأجر، ويحرص فيه على الخير. وقد طبق الصحابة هذا المعنى بأحسن وأكمل أوجهه، فكذلك ينبغي أن يفعل المسلم. وقد قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ثم قال: «حظ النفوس حسنه غير خفي»، كذلك في حظ النفوس، حسنه غير خفي. ما كان من حظ النفس فالأولى تركه، مثل ما يقع في المخاصمات، وما يقع كذلك في ما قد يدفعك شيء من أمر نفسك الأمارة بالسوء، فتأخذ شيء تريد الاستحواذ عليه، فتسبق لأجل الدنيا أو لغيره، مثل هذا تركه حسن بحكم الشرع، وحسنه غير خفي؛ لأنك تمرد قلبك وتذهب دينك وتنشغل بدنيا ربما فيها وزر وليس فيها أجر، خصوصًا إذا كان فيه من الحسد والخصومة وغير ذلك. فحظوظ النفس يتركها الإنسان، وهذا حسن، تركه حسن. أردت أن تنتقم لنفسك هذا من حظ النفس، أردت أن تسبق لشيء طلبًا للمفخرة هذا حظ النفس، والعجب والغرور بالنفس أو حسدًا أن لا يكون عند فلان وليس عندك، هذا كل من حظوظ النفس، تركه أو في شيء فيه خصومة فتتركه. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، معنى ما ورد في هذا الباب من أدلة كثيرة. قال: قيل: وفي كلام بعض العلماء ما يقتضي في قرب أن يحرم، يعني قيل، ذكره بصيغة التمريض، أي ما يدل على التضعيف هذا القول. وفي كلام بعض العلماء ما يقتضي في قرب أن يحرم، بعض العلماء نقل عنه أن ترك القرب حرام، ترك القرب حرام. كما أشار من كلام الزركشي فيما نقل عن إمام الحرمين وولده أن الإيثار في القرب محرم. ولكن بعضهم ذكر تفصيلًا وأوجهًا في ذلك، وبعضهم نقل عن هؤلاء إلى إمه أقوال أخرى. فلهذا قال من قال بالتفصيل كما سيأتي إن شاء الله. قال: «وللسيوطي هنا تفصيل، فاضفر به، فإنه جليل»، يعني السيوطي ذكر في الأصل أي الأشباه تفصيل، وهذا التفصيل جليل، يعني شيء نادر أن تجد مثله، فاحرص عليه. قال: «حاصله الإيثار إن أدى إلى إهمال واجب فحكمه انجل»، هذا القسم الأول من التفصيل، الإيثار إن أدى إلى إهمال واجب فحكمه انجل، يعني حكمه حكم المحظور، وهو المحرم إذا كان سيؤدي إلى ترك واجب؛ لأن مثل هذا لا يحصل فيه الإيثار. مثل إنسان يؤثر، هم مثل هنا بالوضوء، ما الوضوء إذا كان قليلًا، وهذا المثال قد يكون فيه نظر؛ لأن كلا الرجلين عليه واجب، كلا الرجلين عليه واجب. لكن لو مثل مثلًا بمن آثر الذهاب إلى المسجد ليدرك صلاة الجماعة، مسافرًا، المسافر صلاة الجماعة في حقه ماذا؟ غير واجبة، وفي حق المقيم الصلاة الجماعة واجبة. فمثل هذا الإيثار، إيثار غير صحيح بلا شك، فهو آثر من لا يصح أن يؤثر له، بل ينبغي أن يحرص على ذلك. مثاله: لو جاءه ضيف، فحياء منه آثر ترك صلاة الجماعة لإكرام الضيف، ويقال: ليس هذا بالصحيح، بل علم الضيف صلاة الجماعة، إن كان مكانه هو متعب ومكانه لا يضر، قل له: ابق في مكانك وارتاح، سأذهب وأصلي الجماعة وأرجع. مثل هذا يصل إلى حد التحريم، وكذلك ما كان بمعناه مما كان فيه إيثار في واجب مع ما لا يعارضه من واجب آخر. أما إذا كان واجب عارض واجبًا، فهذا قد يكره، ولا نجز بالوجوب؛ لأنه قد يمنعه من ذلك أشياء؛ لأنه مستويًا في الطلب وفي الرتبة، وربما كانت رتبة الغير أو لا. كما قيل بين أب وابن، والماء في يد الابن، فإيثار الماء للأب هل محرم؟ ما نقول محرم، ابن ترك الماء للأب، الأب سيتوضأ والابن سيتيمم، هذا إكرام للأب ليس فيه شيء. لكن إذا كان الأب مثلًا ممن ليس في الماء من المسافرين، فآثاره أن يذهب إلى المسجد ليدرك الجماعة، وهو عليه جماعة واجبة، هنا لا يستحي يقول: يا أبي، أنت مسافر، اجلس في البيت وأنا سأذهب مثلًا بهذا المركوب الذي لا يكفي إلا واحد لأدرك صلاة الجماعة في المسجد؛ لأنه، عليه واجبة، وأما على الأب ليست بواجبة. نعم، قال رحمه الله: «أو ترك سنة أو ارتكاب كره فمكروه بلا ارتياب». إذا كان الإيثار في ترك سنة أو ارتكاب مكروه، فهنا يكون مكروهًا بلا ارتياب، يعني بلا شك. مثل الصف الأول والنداء، وما كان بمعناه من السنن، فليس في مثل هذا إيثار، الأفضل أنك تحرص على الصف الأول، تحرص على الصف الأول، خصوصًا إذا كنت الأسبق. لكن إذا استوي نفر، نفر، الإيثار ترك ما هو لك لغيرك، لكن إذا استويت أنت مع أخيك المسلم، فلا نقول: حتى لا تؤثر في القرب تسبقه، لا، هنا يأتي حسن الخلق والأدب، حسن الخلق والأدب أنك تراعي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يسلم الصغير على الكبير، والقائم على القاعد، والفرد على الجماعة»، هذه قاعدة عامة، ليس المقصود الحصر، المقصود احترام محل الاحترام. فإذا كنت شابًا صغيرًا، وجاء شيخ كبير، فلا تقول: لا منافسة القرب، منافسة بالقرب تدفعه وتدخل، هذا سوء أدب، سوء خلق. لكن الأدب هنا: لا بس أن تدخله؛ لأنك مساوي، لكن أنت في الصف الأول تخرج لتدخله، لا، لا تؤثر بمكانك؛ لأنه مكانك فيه فضل. وعلى هذا كذلك يروى ما جاء في عدم إيثار بعض الصحابة في فضل النبي صلى الله عليه وسلم في شربه ونحوه؛ لأن الحق كان لهم، الحق كان لهم. وأما إذا كان الحق مستويًا، فهنا يبقى جانب آخر من آداب الإسلام كما تقدم، فلا تختلط علينا الأمور. ومن باب أولى إذا رأيته سبقك بعض الناس، فهمه خاطئ وسيء في نفس الوقت. إذا رأيت إنسان سيدخل قبلك، لا تجري وتدخل قبله، هذا اعتبر أنانية، لا يرضى بمثله الإسلام، لا يرضى بمثله الإسلام. إنسان سيدخل قبلك في الصف، تسبقه تجري وتدخل قبله، ماذا تصنع؟ تقول: قد قال يعني الفقهاء: «لا إيثار في القرب»، قل: لا، ما فهمت كلام الفقهاء، ولم تعرف حقيقة الشرع في هذا الباب. فإذا هناك ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون في يدك هذه القربة، وهنا لا إيثار في القرب مع التفصيل الذي سيأتي أو سبق بعضه. الحالة الثانية: أن يسبقك أو كان في معنى السابق من يريد أن يصل إلى القربة، فلا تزاحمه. الحالة الثالثة: أن تستوي أنت ومن معك، فهنا إذا استويتم، إن كنت أنت أولى فتقدم، إن كان هو أولى فقدمه، وإن كنتم سواء فالأدب أن تعطيه الفسحة، فإن سمح لك، وإلا فأعطيته ذلك، فلا يلتبس علينا الأمر. قال رحمه الله تعالى: «أو ارتكاب غير أولى فليعد خلاف الأولى، وهو قول معتمد». إذا كان فيه ارتكاب غير أولى، فهو خلاف الأولى، ارتكاب غير أولى، يعني ليس من باب السنة المؤكدة أو السنة حتى ولا مما يصل إلى المكروه، لكن قد يكون فيه فعل خلاف الأولى. وأمثلة خلاف الأولى كثيرة، فمما لا يجزم بأنه سنة، مما لا يجزم أنه سنة. مثل مثلًا قول من يقول: بأن ستر الرأس في كل صلاة هو الأولى، ولا يقول: سنة. فإذا حصل إيثار في هذا لمعنى من المعاني، خصوصًا إذا تقدم أحد المعاني التي سبقت، فلا شيء في ذلك، لا شيء في ذلك، فهو خلاف الأولى. مثلًا أنت مع أبيك، ومعك في رأسك قلنسوة أو عمامة، ورأيته بدون قلنسوة عمامة، وأردتم أنت صليان مأمومان مستويان، ليس هناك مزية، مأمومان؛ لأنه إذا وجدت مزية يختلف الحكم. فعلى القول بأنه ليس سنة، إنما هو أولى، فتركه خلاف الأولى. كونك تكرم الأب فتترك ما في يدك له، هذا ماذا؟ هذا هو الأولى، ولا يضر مثل هذا. لوجود مرجح، رجحت الآخر. ونستفيد من هذا: أن بعض ما يستوي إذا احتف به معنى من معاني الترجيح، فإنه يرجح، ربما الجانب المستوي أو أحيانًا حتى الجانب المفضول أو حتى الجانب المفضول. ومن هذا الباب ما قاله بعض الفقهاء، وفهمه بعض الناس خطأ، ليس من هذا الباب أن يتعمد المسلم في الجهاد في سبيل الله للقتل طمعًا في الوصول إلى القربة والحصول على الشهادة. فما قاله بعض الفقهاء في هذا خطأ، وما فهمه بعض الناس في هذا كذلك خطأ، بل يخشى أن يكون فيه إثم. العدو يفرح إذا كان المسلم سيفتح صدره ويقول: نريد الشهادة في سبيل الله، تفضلوا، والعدو ما شاء الله قتله، والثاني والثالث والرابع، وكل مسلم يرفع يديه: نريد الشهادة في سبيل الله، هل الله يحب هذا أن يموت المسلم؟ هل المقصود أن يموت المسلم أو المقصود أن تكون كلمة الله هي العليا؟ الثاني: أن تكون كلمة الله هي العليا. إذن تحرص على أن ترفع أنت كلمة الله، فلا تعرض نفسك للموت، وإن جاءك الموت فحي به، فأنت ترجو ما عند الله، وهم لا يرجون، ترجون ما لا يرجون. تريد الشهادة بإذن الله تعالى، لكن لا ترمي نفسك للهلاك وتقول: أريد الشهادة. ومن هذا فسر قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. لما زرنا الإخوة في كتاف، كان بعض الإخوة الذين نسأل الله أن يتقبلهم شهداء، ممن صنع هذا الصنيع، يقول له الأمير: اخفض رأسك، ممنوع المشي قائمًا ما بينهم وبين العدو إلا رمية رامي بحجر، ليست رمية بندق، في بعض الأماكن رمية رامي بحجر. ويقوم بعضهم شجاع، ماذا تصنع؟ قال: نحن نريد الشهادة في سبيل الله، خلهم يرموني، هذا عقل أم حماقة؟ حماقة ومعصية للأمير، معصية للأمير، واستنزاف للقوة. وكم قد قتل من الإخوة بسبب مثل هذا؟ فذكرت لهم عبارة للشيخ بن باز، شيخنا الشيخ بن باز رحمه الله، كان يقول في هذه المسألة لما سأله بعض الإخوان. قال: «الموت في سبيل الله عظيم، وأعظم منه الحياة في سبيل الله». كونك تموت في سبيل الله عظيم، لكن أعظم منه كيف تحافظ على نفسك حتى تحيا في سبيل الله؟ فكونك تحافظ على نفسك لتكون كلمة الله العليا ولتنصر دين الله سبحانه وتعالى، هذا هو الأفضل، هذا هو الأفضل. فإذن لا تفهم الأمور خطأ، وللأسف ذكر هنا كما ترون في التعليق هذه المسألة خطأ، جعل أن من عرض نفسه للقتل في سبيل الله فهو من المنافسة في القرب، وهذا ليس بصحيح، هذا خطأ فاحش، ولم يرد ذلك حتى من نقل عنه من أهل العلم، لكن كما يقول: ولكل فرس كبوة، ولكل عالم هفوة. قال رحمه الله تعالى: «قال فرع وربما على ذي القاعدة تشكل مندوبية المساعدة في صورة المجرور في الصلاة من صف لما وراءه كما زك، وقد أجيب أن نقصه جبر بنيله فضل التعاون الأبر». هذه مسألة أشار إليها، وهي فرع مما يتعلق بهذه القاعدة، وأشار إليها في الأصل. فإن العلماء ذكروا هذه المسألة واستشكلوها، قالوا: يشكل على هذه القاعدة قاعدة الإيثار بالقرب، وأنه لا يستحب في ذلك، وهذا هو الأصل إلا ما استثني. من جاء ولم يجد في الصف فرجة، قال: فإنه يجر شخصًا بعد الإحرام ويستحب، قال الفقهاء هكذا يقول: يستحب للمجرور أن يساعده فيرجع إلى الصف. لماذا؟ حتى لا يصل منفردًا هذا المتأخر خلف الصف، وهذا قول لبعض الفقهاء. والصحيح الراجح: أنه لا يجر أحدًا، ولا ينجر من يجره، بل هذا المنفرد خلف الصف إن وجد فرجة دخل، فإن لم يجد فرجة صلى منفردًا، إن لم يجد فرجة صلى منفردًا. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة. وقد أشار الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه إلى هذه المسألة: إن وجد من يصلي معه فذاك، وإن لم يجد فلا حرج عليه إن صلى منفردًا، ما دام أنه لم يجد أحد، ما دام خشي أن تفوته الصلاة. وهذا هو الصحيح، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. فإذن على من يتوجه الحديث: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، الجواب: يتوجه على من وجد فرجة في الصف الذي قبله، ثم ماذا؟ تركها وصلى في صف جديد، يحمل على هذا وعلى هذا عمل مشايخنا وعلمائنا. وكان شيخنا الشيخ محمد صالح ثيمين رحمه الله إذا رأى رجلًا منفردًا في الصف، وفي الصف الذي قبل فرجة، يأمره بالإعادة للصلاة. وأما إذا لم يكن في الصف الذي قبله فرجة، فلا ينكر عليه، إنسان صلى منفردًا؛ لأن الصفوف قبله كلها مليئة، ما في مكان، ما يفوت على نفسه الصلاة، صلاة الجماعة واجبة، يصلي، فإذا لا إشكال في هذه المسألة التي أشار إليها. وقوله: «وقد أجيب أن نقصه جبر بنيله فضل التعاون الأبر»، يعني لو قدر أن هذه المسألة صحيحة، فالجواب عليها: كيف جاز له أن يرجع من الصف الأول إلى الصف الثاني أو الثاني إلى الثالث؟ قالوا: لأن أجر مساعدة من صلاته ستبطل بانفراده أفضل من بقائك في الصف الأول؛ لأنك حافظت على ماذا؟ على بطلان صلاة مسلم واضح، وهذا لا إشكال فيه. لكن الصحيح: المسألة من أصلها لا يشرع فيها ذلك، ولم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود سببه، فعلم أن عمله ليس من السنة، وهذا هو الصواب، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام، وتلميذ الإمام ابن القيم، وجماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا. طيب، نكتب بهذا القدر، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.