الدرس في شرح الفرائد البهية 8، تابع : الباب الأول.القاعدة الأولى:الأمور بمقاصدها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش محل النية في العبادات وأهمية القلب في تحديدها وتأثيرها على صلاح الأعمال. يشير إلى أن النية محلها القلب وليس اللسان أو أي عضو آخر.
يشرح شروط النية في العبادات مثل التمييز والإسلام والعلم بالمنوي، ويبين أن التلفظ بالنية ليس شرطًا لصحة العمل. العبرة بما في القلب وليس باللفظ.
يتناول تفاصيل شروط النية مثل نية القطع من المنافي وتأثيرها على صحة العبادة. كما يفرق في حكم إعادة الصلاة بين الموسوس وغير الموسوس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مباحث النية، وأخذنا شيئًا من تلك المباحث في الأبيات التي ذكرها رحمه الله. ومن ذلك ما ذكر من مقصود النية، وكذلك بعض المسائل التي لحقت من التعيين، وكذلك اشتراط النية في الفرض وغير ذلك مما مر معنا. ومنه كذلك ما ذكر في وقت النية. ومر معنا الكلام على ما ذكره رحمه الله في قوله: «لكنّه لا يجب التعرض للفرض في نحو الصيام والوضوء». وسبق أن مر معنا الكلام على الوضوء، وأن من أهل العلم من يرى أن الوضوء مما لا يحتاج إلى نية لكونه لا يلتبس بغيره، إذ نيته تقع بمجرد الإقبال عليه. وهكذا اشتراط نية الفرضية كما ذكر هنا، لأن الوضوء كذلك لا يقع إلا مع نية الفرضية. مع أن الشافعية ممن اشترطوا النية للوضوء، لكن مرادهم نية الفرضية خاصة. وقد أشكل هذا على بعض الإخوة: كيف يقال أن الوضوء لا يحتاج إلى نية مع ما تقدم من أنه لا يقبل إلا بنية؟ الجواب: لا يحتاج إلى نية كما تقدم معنا مما يميز به بين العبادة من العادة أو العبادة من العبادة، لأنه لا يحصل فيها الالتباس. هذا الذي رجحه الإمام ابن القيمة رحمه الله، وهو المروي عن بعض الحنفية، ويروى عن أبي حنيفة. وقال به جماعة من أهل العلم. فمقصودهم: لأنه لا يلتبس بغيره من عبادة أو عادة، فهو لا يحتاج إلى استحضار نية أثناء العمل، بمجرد إقباله على هذه العبادة يتحقق له معنى النية، فهو لا يفعل العمل إلا بنية. أما من فعل مثل ما ورد من السؤال إذا فعله هو بغير قصد العمل، كالحيران ومن كان بمعناه، فهذا مرفوع عنه القلم، عمله غير مقصود، وهو غير مؤاخذ في فعل المحظور، ولا يصح منه فعل المأمور. كما أنه لا يؤاخذ في فعل المحظور، كذلك لا يصح منه فعل المأمور. وهنا تنبيه كذلك لقوله رحمه الله: «ووقتها في قول كل قادة مقارن لأول العبادة ونحوها». واستثنيت منه صور كالصوم والزكاة مما قد ذكر. قوله: «ونحوها» مر معنا أن اللفظ ظاهره يحتمل «ونحوها» من معنى المقارنة. ونبه بعض الشراح أن مراد المؤلف والناظم بقوله «ونحوها» -وهو الذي يظهر من كلام صاحب الأصل- أي: «ونحو العبادة» مما ليس بعبادة، كبعض المعاملات. مثل: مثلوا بالطلاق بالكناية. الطلاق بالكناية: فقالوا: يشترط مقارنة النية لجميع اللفظ. ومعروف الطلاق بالكناية يعني بغير صريح الطلاق، مثل: «يذهب إلى بيت أهلك» أو نحو ذلك من العبارات غير الصريحة، فيقع طلاقًا إن نوى به الطلاق. فهذه النية يقولون: مما ينبغي أن يكون ملازمًا لجميع اللفظ. والصحيح -كما تقدم- أن المقارنة بما جرى به العرف شرعًا وعرفًا، كما يروى عن الغزالي رحمه الله. فهو يقال في العبادات وفي المعاملات، كل عمل بحسبه. قال رحمه الله تعالى: «أما محلها فقلب ناوي في كل موضع بلا مناوي». فليس يكفي اللفظ باللسان مع انتفائها من الجنان. واللفظ باللسان حيث اختلفا فليعتبر بالقلب من غير خفا. هذا موضع آخر، ومبحث من مباحث النية، وهو في محل النية: أين محلها؟ فأشار هنا إلى أن محل النية هو القلب. أما محلها: أي النية، فقلب ناوي: أي في قلبه، ليس في موضع آخر. وقوله: «بلا مناوي» بلا مناوي: أي بلا مخالف، أي بلا خلاف بين أهل العلم. وإن وجد فهو ممن لا يعتد بخلافه. ولهذا ذكر بعض الشراح أن في المسألة خلاف، لكنه شاذ، خلاف شاذ. لأن بعضهم اشترط الجمع بين اللفظ ونية القلب، اشترط بين اللفظ ونية القلب، خصوصًا للعوام. فقالوا: أن العامي يحتاج من اللفظ ما يؤكد به نيته. وزعموا أنه لو لم يكن في قلبه نية عُذر بذلك، كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله. أما محلها القلب، فهذا صحيح. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» كله يدل على أن محله القلب. فالقلب محل القصد. ولهذا قال في حديث النعمان: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فالقلب منبع الصلاح والفساد، ومنه التوجه والقصد لفعل الخير أو غيره. ومنه كذلك التوجه للتمييز بين الأفعال. فالقلب محل النيات. وسمي القلب قلبًا، وهذه من باب الفائدة اللغوية التي يذكرها كثير من الشراح لأجل تقلبه. كما يروى عن ابن عباس: لأجل تقلبه، لأنه يتقلب في فعل الخير وفي غيره، وفيما يمر به من خواطر ومقاصد وغيرها. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك». ومما يذكر كذلك للفائدة، أو إتماما للفائدة مما نبه عليه: أنه قد يطلق على القلب اسم آخر، ويكون ذلك من باب أوصاف القلب. فيقال للقلب: «جنان» باعتبار أنه خفي بالنسبة للجسد، عضو خفي. وكذلك باعتبار أنه فيه ما يخفيه الإنسان في نفسه من خير أو شر. وقد يسمى كذلك «فؤاد». وتسميته بذلك باعتبار وصف آخر، وهو الغشاء الذي يغطي القلب، فإنه يسمى «فؤاد». وجمعه «أفئدة». فإذا أطلق أحدهما دون غيره شمل الآخر. وإذا ذكر مع غيره حصل التفريق. فممكن أن يقال: إذا اجتمع افترق، وإذا افترق اجتمع. ومن التفريق قول النبي صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن: «أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبًا وأرق أفئدة». ألين قلوبًا وأرق أفئدة. ففرق بين القلوب والأفئدة. ونبه بعض شراح الحديث إلى معنى وصف اللين في القلب، والرقة في الفؤاد. قالوا: لأن الفؤاد غشاء، فكلما كان رقيقًا كان مدعاه لقبول الحق ونفوذ الحق إليه. وكلما كان غليظًا كان مدعاه لصد الحق وعدم دخوله إلى القلب. والقلب مضغة -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- لينة. واللين يقال لما ينطوي وينعطف، فمعناه: أنها قطعة من اللحم فيها هذا الوصف. لكن قد تكون قاسية. وقساوتها مظنة عدم قبول الحق ورده. ولينها علامة حياتها، وهو مظنة قبول الحق. فالقساوة علامة الموت، واللين علامة الحياة. وجاء في رواية للبخاري: «أضعف قلوبًا». فقوله: «أضعف قلوبًا» الضعف هنا بمعنى اللين، وهو ضد الشدة. فهو من الجهة الحسية والمعنوية كذلك. ولهذا كذلك جاء في الأحاديث الأخرى: أن الرقة في أهل الغنم، والشدة في أهل الإبل. إذ أن من يعاشر الإبل يتعود على الشدة في حياتها وفي أخلاقها، بما يؤثر على قلبه وعلى جوارحه وعلى أخلاقه. والعكس بالعكس بالنسبة للغنم. وهذه فائدة: أن القلوب تتأثر بما يرد عليها أقوالًا وأفعالًا. فما ورد عليها من قول وفعل يعين على ليونتها كان ذلك سببًا في خيريتها، والعكس بالعكس. الشاهد قوله: «أما محلها فقلب الناوي في كل موضع بلا مناوي». يعني محل النية القلب، قلب الناوي: أي الذي تتعلق به النية في كل موضع. كل من ألفاظ العموم: يعني في كل عمل من الأعمال، وموضع من مواضع يفتقر إلى نية. «بلا مناوي» أي بلا مخالف. وقوله: «فليس يكفي اللفظ باللسان مع انتفائها من الجنان». أي: فليس يكفي أن يتلفظ الإنسان باللسان مع انتفاء وجود النية في الجنان، أي في القلب. مثاله: لو أن إنسان تلفظ بلفظ النية. وطبعًا هذا على قول من يقول باللفظ بالنية، وقد تقدم معنا أن التلفظ بالنية نقص في العقل والدين، وهو من المحدثات في الدين. فعلى قول من يقول بالتلفظ بالنية: فلا يكفي إذا تلفظ بالنية ولم يعقد القلب نيته على ذلك. فمثلًا لو قال إنسان: «هذه الأرض وقف» أو قال: «زوجتي طالق» ونيته لم تنعقد في قلبه على هذا اللفظ. لا على الأول وعلى الثاني. أما الأول فظاهر، لأن الأعمال بالنيات. فكونه تلفظ بهذا اللفظ لسبب، سواء قاله ردة فعل بدون عقد قلب، أو قاله كذلك متبعًا لقول غيره من غير عقد قلب، أو حتى قارئًا في كتاب أو مرددًا لصوت. فليس كل ما يقال باللسان يترتب عليه حكم، إلا ما كان معه ما نية تدل عليه. هذا في غير محل الخصومات والمنازعات. لا بد من هذا الاستثناء. وكما مر معنا: لكل قاعدة استثناء. لماذا؟ لأنه بباب الخصومات والمنازعات قد يدع الإنسان خلاف ما ظهر من البيان، ومما هو محل حجة. فليس لنا إلا الظاهر، والسرائر الله أعلم بها. فلو قال رجل لمرأة: «أنت طالق» ثم قال: «أنا ما نويت الطلاق». كيف نعرف؟ إذن سيقول هذا كل إنسان ممن ضعف دينه. ولهذا قال العلماء: بمعنى الحديث الضعيف: «جدهن جد وهزلهن جد». ومنهن الطلاق. الحديث ضعيف، لكن معناه صحيح. لماذا؟ لأنه لو ترك الناس على نياتهم لتلاعبوا بهذا اللفظ الذي هو من أعظم وأشد الألفاظ. فلهذا ليس لنا إلا الظاهر من تلفظ بصريح الطلاق. ليس لنا إلا أنه طلق. شهد اثنان أن فلان طلق، أو اعترف: قال: «نعم، أنا قلت أنت طالق، لكني ما نويت الطلاق». نقول: هذا بينك وبين الله سبحانه وتعالى. أما نحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر. لكن لو قال إنسان: «أنا قلت ذلك ولم أنو الطلاق» ودلت قرينة على صحة ما قال: هل يجوز للقاضي أن يعمل بالقرينة؟ الجواب: نعم. وما هو الدليل؟ الدليل: هذه القاعدة «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وما ذكر في باب الخصومات والمنازعات من استثناء هذا لإثبات الحقوق، وحتى لا يحصل التلاعب فيها. فإذا دلت قرينة ترجع الأصل إلى أصله. رجع إلى ما الأصل. فإذا قوله: «فليس يكفي اللفظ باللسان مع انتفائها من الجنان» هذه قاعدة بالنسبة للعبادات. كما قلنا: ليس يصح التلفظ بالنية. بالنسبة للمعاملات وما كان من الألفاظ مما تجري عليه أحكام، فهذا الأصل فيه هذه القاعدة: أن اللفظ مرتبط بنيته. أن اللفظ مرتبط بنيتي. فهو يفتقر إلى نيتي. هذا هو الأصل. ويستثنى من ذلك ما باب الخصومات والمنازعات، وما تثبت به الحقوق. واضح. ويستثنى من هذا الاستثناء ما دلت القرينة على صحة العمل بالنية ولو خالف اللفظ النية. واضح. لأنه الأصل، والأدلة تدل على هذه القاعدة واستثناءاتها. ونبه العلماء هنا بأن هذا الموضع يستثنى فيه العوام. ذكر بعض الشافعية أن العامة الناس يستثنون في مسألة إذا تلفظ بالنية بلسانه مع انتفائها من جنانه: أنه يقبل منه. مثاله: قالوا: لو أن إنسان قال: «نويت أن أصلي صلاة الظهر» بلسانه، لكن في قلبه ليس يوجد شيء، ما في قلبه نية. قالوا: هذا في حق العامي ومن كان بمعناه يصح. والتعليل في ذلك قالوا: لأن هؤلاء مظنة تضيع العبادات، والتشديد عليهم مظنة فتح الباب للوسوسة. فلذلك يقبل منهم. فالكثير من العوام -إلا من رحم الله- يبتلون بترك الصلاة. ومن سلم من ترك الصلاة لم يسلم من نقصان أحكام الصلاة. وهذا منه، وهذا منه. وكلامهم هذا صحيح. مع أننا نقول: التلفظ بالنية بدعة، وليس بصحيح. لكن صحيح من جهة الوقوع. يعني لو ابتلي إنسان بهذا، جاءك عامي فقال لك: «أنا قلت نويت أن أصلي صلاة الظهر»، وفي أثناء الصلاة أو بعد أن انتهيت من الصلاة تذكرت أني حين تكبيرة الإحرام ما كان في قلبي شيء من النية، لكن جرى فعلي على هذا. هل يضرني هذا؟ الجواب: يقال له: لا، ما يضرك. لكن احرص على استحضار النية. ولكن بمجرد دخول الوقت تستحضر النية، ليس شرط أن تستحضرها قبل تكبيرة الإحرام. إلا عنده موضع الالتباس، مثل إنسان يجمع بين صلاتين: الظهر والعصر. فأنت تستحضر صلاة الظهر قبل تكبيرة الإحرام لصلاة الظهر، وتستحضر صلاة العصر قبل تكبيرة الإحرام لصلاة العصر. وهذا للأمرين كما تقدم. لأن هؤلاء التشديد عليهم مظنة ترك العبادات. ولأن هؤلاء كذلك التشديد عليهم مظنة الابتلاء بالوسوسة. ومثله كذلك الموسوس من باب أولى. الموسوس من باب أولى. فإن الموسوس مريض. وقد دلت الأدلة الشرعية وفتاوى السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان: منع العلماء ولئمة أن الموسوس يعامل معاملة تختلف عن معاملة الصحيح. وممن استفيد من هذا الموضع: أن الإنسان لو تلفظ بخلاف ما في قلبه لم يضره ذلك. لو تلفظ بخلاف ما في قلبه لم يضره ذلك. مثاله: قال عامي أو أي إنسان، حتى ولو كان طالب علم، لكنه يجهل حكم هذه المسألة: مسألة التلفظ بالنية. وحن قلنا أن التلفظ بالنية غير مشروع. لكن نحن نتكلم الآن عن أسئلة ترد إليك، فهي حكاية واقع. جاءك إنسان فسألك: قال: «أنا قلت في صلاة نويت ونصلي الظهر أربعًا وكبرت، ثم تذكرت أني في صلاة العصر». كيف أفعل؟ هل يعيد الصلاة؟ فيسأل: ماذا كان نيتك في قلبك؟ يقول: «العصر، لأني سمعت أذان العصر وأتيت في وقت العصر، وجلست مع الناس في وقت العصر، وأنا أعرف أن هذه الصلاة عصر، لكن تلفظت بنية الظهر». هل يضرني هذا؟ الجواب: لا، ما يضرك هذا. ويضاف ويزاد ويقال له: أترك التلفظ بالنية لأنها ليست من السنة، وليس لها أصل، وهي من المحدثات المنهية عنها. وهي السبب في ورود مثل هذا الإشكال. فهذا يلحق كذلك بهذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: «واللفظ باللسان حيث اختلف فليعتبر بالقلب من غير خفا». وهذه هي المسألة. واللفظ باللسان حيث اختلف فليعتبر بالقلب من غير خفا. مثاله كما تقدم: لو خالف لفظ اللسان ما في القلب، فالعبرة بما في القلب. العبرة بما في القلب، مع التنبيه والتنبه أن التلفظ بالنية من محدثات الأمور، وهو مما يفتح باب الوسوسة. قال رحمه الله تعالى: «وشرطها التمييز والإسلام والعلم بالمنوية يا همام». وعد أيضًا فقد ما ينافي، ونية القطع من المنافي. وشرطها: انتقل الآن للكلام على شروط النية. ابتدأ بذكر ثلاثة شروط في هذا البيت. «وشرطها التمييز» والشرط الثاني «الإسلام» والشرط الثالث «العلم بالمنوية». هذه ثلاثة شروط من شروط النية. وقول: «يا همام» يعني: يا كثير الهمة، يا من همته عالية لإتمام البيت والاستقامة وزنه. وكذلك فيه معنى لطيف، وهو حث طالب العلم وقارئ هذا النظم أن يشد همته في فهم وحفظ هذه الشروط. أما قوله: «التمييز» فالمراد به: تمييز النية من الفاعل، حتى يميز بين العبادة والأخرى، وكذلك كل ما يحتاج إلى تمييز. والتمييز ها هنا يراد به شيء آخر، وهو المقصود هنا: مرة معنى التمييز في النية. لكن المقصود ها هنا يعني: من كان عنده معنى التمييز، فيجري عليه صحة عمله بالعبادة. لأن العبادات تصح من الصغير. والصغير غير مكلف في كثير من العبادات. نقول: ماذا المكلف؟ لكن هنا نقول: المميز. فالتمييز ها هنا بمعنى المميز. لماذا المميز؟ ليس المكلف، لأن الكثير من المعاملات والعبادات تحتاج إلى نية ولو كان دون البلوغ، من المميز. فالمصلي يصلي من سن سبع سنوات. فإذا هذا الذي سيصلي يحتاج إلى نية أو لا يحتاج؟ يحتاج إلى نية حتى يفرق بين الظهر والعصر، ويفرق كذلك بين النافلة والفرض، وغير ذلك مما يكون به التمييز بالنية. فإذا المراد بالتمييز: المميز الذي يحصل منه التمييز. المميز الذي يحصل منه التمييز. وهو كما قال العلماء: من بلغ سن سبع سنوات، أو من كان بمعناه ممن يستطيع التمييز بين الصواب من الخطأ، ويمتثل المأمور، ويجتنب المنهي عنه. فمن يعقل الأمر والنهي، ويميز بين الصواب والخطأ بما يعلم: هذا مميز. مثلا لو قلت: كيف أعرف المميز؟ قال العلماء: سن سبع سنوات غالبًا هو سن التمييز. وقولهم: «غالبًا» لأنه قد يتأخر عند بعض الناس، وقد يسبق عند البعض الآخر. ضابط آخر قالوا: من يعقل الأمر والنهي. تقول له: «افعل» يمتثل. تقول له: «لا تفعل» يمتثل كذلك بعدم الفعل. وقول: «الإسلام» ظاهر، لأن العبادات لا تصح إلا من المسلم. وما منع من تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله. فكفرانهم سبب لعدم قبول نفقاتهم وصدقاتهم. وهكذا كذلك في النية: الكافر لا تقبل له أعمال، وهكذا كذلك نيته لا تنفعه. وقوله: «والعلم بالمنوي» يعني: العلم بما يريد الإقدام عليه من عمل أو قول، بأن يكون مطابقًا للواقع. فليس من مطابقة الواقع أن ينوي الفرض نفلًا، أو ينوي النفل فرضًا. ولا من مطابقة الواقع أن ينوي العبادة عادة، أو العادة عبادة. بل لا بد من مطابقة الواقع. والعلم بالمنوي: أنت الآن تريد تغتسل، تعرف ماذا تريد تغتسل؟ غسل جنابة حتى يرتفع عنك الجنابة. أنت تريد الآن أن تصلي، تعرف ماذا تريد أن تصلي؟ صلاة الفجر، ليس سنة الفجر. فالعلم بالمنوي شرط في صحة النية. فإذا لم يكن عنده علم بالمنوي لم تصح النية. وهو في الحقيقة يدخل في معنى التمييز، لكن ذكر على وجه التعيين. لأن بعض العلماء ذكروه. ولأنه يحصل به اللبس، فذكر منفردًا. وقوله رحمه الله: «وعد أيضًا فقد ما ينافي، ونية القطع من المنافي». كذلك الشرط الرابع من شروط النية. فقوله: «وعد أيضًا» يعني: وذكر العلماء مما عدوا من شروط النية «فقد ما ينافي». يعني: عدم وقوع ما ينافي. وكما تقدم هو على قسمين: قسم منه عام يشمل كل الأعمال التي تحتاج لنية، وقسم منها خاص بكل عمل. وقوله: «ونية القطع من المنافي» معناه: معناه من معنى «فقد ما ينافي» ألا ينوي نية القطع من المنافي. فمثلًا لو أنه دخل في الصلاة وهو ينوي هذه الصلاة، ثم نوى قطعها. قالوا: من نوى قطع الصلاة قطعت صلاته، خصوصًا الصلاة. بخلاف غير الصلاة من صوم وغيره. قالوا: لا ينقطع، لا تنقطع العبادة إلا بفعل ما ينافيها. فالصوم ما ينافيه: تعمد الأكل والشرب يبطل الصيام. والطهارة ما ينافيها: الحدث. فإذا وقع ما ينافي بطلت. لكن لو نوى قطع الطهارة: هل تنقطع؟ قالوا: ما تنقطع. ولو نوى قطع الصيام: هل تنقطع؟ قالوا: ما تنقطع. إلا في الصلاة. إلا في الصلاة. قالوا: نية القطع تكون سببًا لقطع الصلاة. قالوا: لأن الصلاة تحتاج إلى احتياط أشد، لشدة أو للتجديد في نيتها، ولما ورد بالاعتناء بها. والصحيح -والله أعلم- أن الصلاة كذلك لا تنقطع بنية القطع. لا تنقطع بنية القطع. حتى يفعل ما ينافي القطع أولًا، لعدم ورود الدليل في ذلك. فهي تستوي مع سائر العبادات. وثانيًا: حتى لا ينفتح على الناس باب الوسوسة. لأنه لو فتح هذا الباب انفتح على الناس باب وسوسة عظيم. فكل من دخل في الصلاة وسوس له الشيطان أنه نوى القطع الصلاة، إذن يعيد الصلاة من جديد. وهكذا. وهذا يضر جدًا، خصوصًا لمن عنده شائبة وسوسة. فكيف بالموسوس؟ وهل يفرق بين الموسوس ومن عنده شائبة وسوسة وغيره؟ الصحيح: لا، للسبب الأول: لعدم ورود دليل صحيح صريح يدل على بطلان الصلاة بنية القطع. وهكذا كذلك: «ونية القطع من المنافي» أدخل العلماء فيه: لو نوى ما إذا فعله كان منافيا لذلك العمل. سواء من المنافيات العامة أو المنافيات الخاصة. مثلا من المنافيات العامة: الردة بالنسبة للإسلام. فقالوا: لو نوى الردة في العمل كفر، وبطل العمل. وهذه مسائل دقيقة أذكرها لأن العلماء ذكروها، وذكروها في هذا الشرح في شرح هذه المنظومة. فأنبه عليها لأجل أن نعرفها. وهذا الوقت المناسب لمعرفتها. وثانيًا: لأنه مما قد يمر بنا في كلام أهل العلم، وفيما قد يسمعه الناس من كلام بعض أهل العلم. وللأسف هذه المسألة انتشرت في كتب الفقه وقواعد الفقه. وقليل من يحققها، ومن ينقح كلام أهل العلم فيها. فهذه المسألة مما ذكرت. فقالوا: أنها توقع في الكفر، وتبطل العبادة، وتبطل العبادة. وهكذا كذلك مثلا لو نوى قطع العمل بما ينافيه مما هو خاص بذاك العمل. مما هو خاص بذاك العمل. مثل: قالوا: الصلاة يقطعها نية الخروج منها. فلو نوى الخروج منها بطلت الصلاة. والصحيح: خلاف هذا في هاتين المسألتين. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». ومع ذلك نحن ننصح من ترد عليه مثل هذه الخواطر في القلب، أو من يحدثه قلبه بأن في قلبه شيء من هذه الخواطر: أن يتق الله، ويقطعها حتى لا يبطل على نفسه عبادته، ولا يفتح على نفسه باب شر عظيم. ويجاهد في قطع هذه الخواطر التي ترد على الإنسان. لكن كمسألة فقهية: الصحيح خلاف ما ذكره الكثير من الفقهاء في هذه المسألة. فهي لا تبطل بمثل هذه النيات. ولا يجوز لمسلم أن ينوي أصلا مثل هذه النية. لكن هي ترد محل الشبهة من الشيطان والوسوسة. ولو فتح هذا الباب لم فتح على الناس باب وسوسة عظيم. لا نقول: فقد تبطل عليهم العبادات، بل قد تخرجهم من دين الإسلام والعياذ بالله. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ما يحدث به الشيطان مما هو بهذا المعنى: أنه من صريف الإيمان. فيتعود بالله من الشيطان الرجيم، ولا يلتفت إلى ما يقذفه الشيطان في قلبه. ذكرتم حفظكم الله أن تلفظ العامي يكون معتبرًا ولو لم تكن منه نية، ثم ذكرتم مسألة ما إذا تلفظ بخلاف ما نوى. أمثلتم لها بمن نوى صلاة العصر وتلفظ بنية صلاة الظهر: أن العبرة بما نوى. فالسؤال: لو نوى في صلاة العصر مثلا صلاة الظهر، وتلفظ بنية العصر. فالعبرة بماذا؟ لو نوى في صلاة العصر صلاة الظهر، فهنا وجدت نية. هنا وجدت نية. فإذا وجدت النية فماذا؟ العبرة بالنية. لكن المسألة الأولى فيمن لم توجد له نية. واضح الفرق. هذا فرق دقيق. السائل ينتبه له. المسألة: أن العامي لا يشدد عليه في النية في وقت تكبيرة الإحرام، في وقت تلفظه بالنية. واضح. لكن هو يعلم حين أقبل على الصلاة. ولهذا كما قلت أنا: لو سألناه: «أنت ترى نفسك ماذا صليت؟» قال: «صليت الظهر» أو في المثال الممثل: «صليت العصر». فإذا لا يضرك قولك: «نويت أن أصلي العصر». واضح. بخلاف من كانت نيته خلاف ما تلفظ به. فالعبرة بما نيته. فلو أخطأ لأمر بالإعادة. وهذا في حق غير الموسوس. أما الموسوس: لا نقول له: «لا تعد الصلاة» ولو كانت الصلاة فاسدة. لأن فساد صلاة أو صلاتين أعظم في الشرع من فساد الصلوات جميعًا، بدخوله في عالم الوسوسة. والدليل على ذلك: حديث عبد الله بن الزيد: شكاية للنبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «الرجل يخيل إليه أنه يجد شيء في الصلاة». قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا ويجد ريحًا». وسيأتي الكلام على هذه القاعدة إن شاء الله في موضعها: ما أنه قد يحدث من غير صوت ولا ريح. أليس كذلك ممكن؟ إذن نحن علمناه أن يصلي بعض الصلوات فاسدة. الجواب: ولو كان الجواب ولو كان كذلك حفاظًا على باقي الصلوات. حفاظًا على باقي الصلوات. هذا من باب ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع ما الكبرى. ولهذا أفتى العلماء: أن من به وسوسة في السلس بعد استنجائه ينضح على ثوبه. لماذا؟ لأجل إذا رجع لا يقول: «هذه القطرة من البول، خلاص ما عنده أمل أن يرجع إلى الخلاء». لأنه قبل أن يخرج من الخلاء قد نضح على ثوبه بالماء. فإذا جاءه الشيطان وقال: «خرجت قطرة» يريد يخرج يقول: «إيش الفائدة من الخروج؟ لو خرجت ما استطيع أميز شيء، لأني قد نضح ثوبي». والعلماء حين أفتوا بهذه الفتوى أفتوا بها مع علمهم أنه قد يخرج منه أحيانًا شيء حقيقي. ولا يضره. لا يضره هذا. لماذا؟ لأن فساد صلاة أو صلاتين مع بقاء كل الصلوات مطلوب بالنسبة للموسوس المريض. بخلاف غير المريض الصحيح. ما نقول له هذا. الصحيح لو استيقنا أنه خرج منه شيء بغير ريح ولا صوت يخرج من الصلاة لحديث ابن عمر: «من وجد رزًا» -الرز قالوا: الشيء الخارج بغير صوت ولا ريح- أمره أن يعيد الوضوء والصلاة. وأيضًا قولكم: أن تلفظ العامي ولو لم ينو بأنه معتبر. أنا لا أعترض على السائل. لكن من باب أن نتأدب. ليس من الأدب أن يقول إنسان: «قولكم كذا وكذا» يكون كلام الطالب كالمعترض. هذا ليس من الأدب. بل ينبغي الإنسان أن ينتقل عبارات التي تكون مؤدبة. وليس هذا لأجل يكون أدب معي. لكن هذا أدب العلم. غدًا ستعامل غيري. غدًا ستعامل غيري. ربما السائل أعلم مني. قد يكون. ولا ضير في هذا. لكن قد يتعود هذا الأسلوب فيقوله لمن هو أعلم منه. هذا خطأ. ليس هذا من الأدب في السؤال. يقول: وأيضًا قولكم أن تلفظ العامي ولو لم ينو بأنه معتبر. كيف نجمع بينه وبين حديث «الأعمال بالنيات»؟ وهل استثني في الحديث عوام الناس؟ الجواب: كما سمعت. هذا الرجل له نية. واضح. وتلفظ بلفظ هو مخالف لنيته التي هو باقي عليها. فلهذا قال العلماء: أن تلفظه لا يضره. واضح. وليس نقول كما يقول هؤلاء: أنه يصلي بغير نية. لأنه كما تقدم معنا: لا يمكن للإنسان أن يصلي بغير نية. تقدم معنا هذا. ونحن في هذه المسائل نخالف كلام الشافعية في هذه الأمثلة التي ذكروها. لأن أصل التلفظ بالنية محدث. لكن نحن نتكلم الآن حكاية واقع. جاءك عامي يسألك. ماذا ستقول له؟ ها ستقول له ما سمعت. لأنه ما دام كما سمعنا قلنا له: «أنت رأيت نفسك ماذا صليت؟» قال: «صليت العصر». إذن هل هذا ينافي «إنما الأعمال بالنيات» الذي ذكر في السؤال؟ الجواب: ما ينافي. فينبغي أن نفقه، وأن ندقق. وأنصح السائل أن لا يستعجل. لأن الاستعجال من أسباب حرمان العلم. من استعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. قاعدة ستأتي معنا إن شاء الله. طيب إذن نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق لأننا أطلنا كثيرًا. تعدينا عشر دقائق على الوقت. والله تعالى أعلم.