الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 41، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يبيّن المقطع أن أفضل هيئة لتلاوة القرآن هي الجلوس مستقبلًا القبلة بخشوع، ويجوز القراءة قائمًا أو متكئًا لكن بأجر أقل. كما يوضح أن البسملة آية مستقلة للفصل بين السور، تُشرع في أول كل سورة إلا براءة، وتؤكد أهميتها خاصة لمن له وظيفة قراءة القرآن ليضمن استحقاق حقه من الوقف.
يبيّن المقطع حكم الأوقاف المخصصة لقراءة القرآن وإهداء ثوابها للموتى، ويشترط أداء القراءة كاملة مع مراعاة البسملة لاستحقاق ريع الوقف. كما يؤكد أن الخشوع والتدبر هما المقصود الأعظم من التلاوة، مستدلاً بآيات وأحاديث وأقوال السلف، ويوضح كيفيات التدبر العملية ومعوقاته.
يؤكد المقطع على أهمية تدبر القرآن وتعلم معانيه كما فعل الصحابة، ويستعرض ظاهرة الصعق والغشية التي أصابت بعض السلف عند القراءة. مبينًا خلاف العلماء فيها؛ فمنهم من أنكرها وعدّها من البدع أو من فعل الشيطان، ومنهم من أجازها إذا كانت صادقة غير متكلفة، مع التأكيد على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو الأكمل والأولى بالاتباع.
يُبيّن المقطع أن الصراخ أو الإغماء المتعمد عند تلاوة القرآن لم يكن من هدي السلف، وينقل عن قتادة قوله إن هذا الفعل من بدع الشيطان. ويؤكد على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الخشوع هو الأكمل والأولى بالاتباع بعيداً عن التكلف.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي ما يتعلق باستحباب أن يجلس القارئ مستقبلًا للقبلة. قال: «فقد جاء في الحديث: قال: ويكون جلوسه...» يعني: ذكر المسألة الأولى: أن يجلس مستقبلًا القبلة. ثم قال: «ولو قرأ قائمًا أو متجعًا في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز، وله أجر، لكن دون الأول». يريد بهذا أن يجعل هذه العبارة مقابلة لاستحباب استقبال القبلة؛ يعني: أعلى الأحوال أن يستقبل القبلة بجلوسه، ثم يجوز أن يقرأ قائمًا أو متجعًا أو في فراشه، وأنه دون الأول. السياق هنا يدل على ذلك؛ يعني: لم يرد أن القراءة قائمًا أفضل من القراءة متجعًا إلى آخره، كما ذكر في الدرس الماضي، بل المقصود أن أفضل الهيئات أن يجلس مستقبل القبلة بسكينة متخشعًا بسكينة ووقار إلى آخره، وأنه يجوز أن يقرأ قائمًا أو متجعًا أو على غير ذلك من الهيئات، فيقول: مع هذا فهو دون الأول. نعم. قال رحمه الله: «فصلًا: وينبغي أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة سوى براءة؛ فإن أكثر العلماء على أنها آية حيث كتبت في المصحف، وقد كتبت في أوائل السور سوى براءة. فإن قرأها كان مثبتًا لقراءة الختمة والسورة، وإذا خلّ بالبسملة كان تاركًا لبعض القرآن عند الأكثرين». الراجح أن البسملة آية مستقلة أتي بها للفصل بين السور. الراجح في البسملة أنها آية مستقلة أتي بها للفصل بين السور، فليست هي أحد آيات الفاتحة، وإنما هي آية مستقلة أتي بها للفصل بين السور، هذا هو الراجح. أما عند الشافعية فهي أحد آيات الفاتحة، أحد آيات الفاتحة. فنعم، يشرع في أول كل سورة أن يبتدئها بالبسملة لحديث أنس: «أنهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بنزول سورة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾». فيشرع قراءة البسملة في أول كل سورة، ليس في أثنائها. مشروعية قراءة البسملة في أول كل سورة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. نعم، جماعة القراء على أنه لا بأس أن يقرأ بالبسملة في أثناء السورة، وهذا يعتبر اجتهادًا منهم، وإلا فالمشروع أن تكون قراءة البسملة في أوائل السور. أما قراءة البسملة في أثناء السورة فيعني: ذهب إليه بعضهم وهو اجتهاد، ذهب إليه بعضهم من القراء وهو اجتهاد. فالمشروع إذا ابتدأ القراءة في أثناء السورة أن يفعل ماذا؟ أن يستعيذ، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. الاستعاذة تعقبها سواء بدأ من أول السورة أو في أثنائها، أما البسملة فموضعها أوائل السور، أوائل السور. قال: «وقد كتبت في أوائل السور سوى براءة، سوى براءة؛ لأن الأنفال وبراءة في معنى واحد». قال: «فإن قرأها كان مثبتًا قراءة الختمة والسورة». نعم، حتى لو... وإذا أخلى بالبسملة كان تاركًا لبعض القرآن عند الأكثرين، هو يكون قد قرأ السور لكن أخلى بهذا الأمر المستحب وهو قراءة البسملة عند أول كل سورة؛ فإنها آية مستقلة. قال: «فإن كانت القراءة في وظيفة عليها... عليها أو عليه؟ عليها. فإن كانت القراءة في وظيفة عليها جعل كالأسباع والأجزاء التي عليها أوقاف وأرزاق، كان الاعتناء بالبسملة أشد ليستحق ما يأخذه يقينًا؛ فإنه إذا أخلى به لم يستحق شيئًا من الوقف عند من يقول: البسملة من أوائل السور». وهذه دقيقة نفيسة يتأكد الاعتناء بها وإشاعتها. ماذا يريد بهذا؟ يريد -الله أعلم- أن هناك أوقافًا على القراءة للموتى، فيقولون: هذا الوقف لمن قرأ ختمة أو ختمتين أو ثلاث، من قرأ ختمة فله كذا وكذا. فهناك أوقاف وضعها الناس قبل موتهم لأجل القراءة على أرواحهم لوصول الثواب إليهم بعد موتهم. فيقول: من كانت عنده وظيفة قراءة في وظيفة، يعني: هو متحمل، يعني أنه يقرأ كل شهر ختمة ويهدي ثواب هذه الختمة أو هذه نصف الختمة أو هذا الربع أو هذا السبع أو هذا الجزء إلى روح فلان ابن فلان. قال: فإذا كان كذلك فعلي أن يعتني بقراءة البسملة، علي أن يعتني بقراءة البسملة، وإلا فعند جماعة من العلماء إذا أخل بقراءتها ما يكون قد وفى بما به يستحق ريع هذا الوقف. هذا الذي يريده المصنف والله أعلم. قال: «فصلًا: فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، وأشهر وأظهر من أن تذكر، فهو المقصود والمطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب». قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. والأحاديث فيه كثيرة، والأقوال والسلف فيه مشهورة، وقد بات جماعات من السلف يتلون آية واحدة يتدبرونها ويرددونها إلى الصباح. سيأتي ما يتعلق إن شاء الله تعالى بترديد الآية في المسألة القادمة. أولا: قال: «إذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع»، ليحرص على أن يكون متخشعًا في قراءته، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، وهكذا ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. فينبغي أن يقرأ قراءة بخشوع وتدبر. التدبر دليل هذه الآيات: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، وهكذا يقول سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فالتدبر من أعظم مقاصد نزول القرآن، فالله سبحانه وتعالى أنزل القرآن لأجل أن يقرأ، وأنزله لأجل أن يتدبر ويتفهم معانيه، وأنزله لأجل العمل به. فلأجل هذه المقاصد أنزل الله تبارك وتعالى كتابه الكريم: لأجل أن يتلى، ولأجل أن يتدبر، ولأجل أن يعمل به، فهو من أعظم مقاصد نزول القرآن. ومعنى التدبر: يعني أنه يتفهم المعاني ويتأمل في الدلالات. فقراءة التدبر ينتفع بها صاحبها، ينتفع من حيث فهم المعاني، وينتفع من حيث احتساب الأجر. فالذي يقرأ قراءة متدبر وهو متدبر فيها فإنه ينتفع بتفهم المعاني، وينتفع باحتساب الأجر، يكون حاضر القلب لا يكون غائب القلب، يتلو بلسانه وعقله وقلبه في واد آخر. كيف يكون التدبر؟ بأن يحرص على تفهم المعاني ومعرفة الدلالات، يشعر بأنه مخاطب بهذه الآيات. تأتي آيات الإيمان والتوحيد، تأتي الأوامر، تأتي النواهي، يأتي ذكر الوعد والوعيد، تأتي الأخبار والقصص. يعني: يتأمل في الآيات التي تطلب الإيمان والتصديق، أنه من المؤمنين وأنه من المصدقين. تأتي آيات الأوامر فيتأمل أن الله حرم عليه الخمر وحرم عليه الزنا، وأمره بالصلاة، أمره بالحج، أمره بالزكاة، أمره بالبر بالوالدين. يأتي على قصص الأنبياء فيستفيد منها ويأخذ منها العظة والعبرة. يأتي عند آيات التسبيح، فمن التدبر أن يسبح عند آية التسبيح، وأن يستغفر عند آية الاستغفار، وأن يطلب الرحمة عند آيات الرحمة، وأن يستعيذ بالله من النار ويسأله السلام والنجاح، وهكذا. ومما يعين على التدبر: أنه يقرأ في مواضع السكون والهدوء بعيدًا عن اللغط والتشويش، وأن يبتعد عن المعوقات عن التدبر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم تحصيلًا للتدبر والخشوع في الصلاة قال: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين». فيبتعد أن يقرأ وهو يدافع الأخبثين، أو يقرأ وهو جائع، أو يقرأ وهو مشوش الفكر، يقرأ بتأنٍ وترسل وترتيل، فهذا مما يعين على التدبر. فتدبر القرآن من الأمور العظيمة التي أرشد الله عز وجل إليها، وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الحديث: «ومن اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم...» يتلونه ويتدارسونه، يدل على أنهم يقرؤون قراءة تفهم. وهكذا كان الصحابة لا يأخذون من في النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات حتى يتعلموا معانيها والعمل بها. هذه قراءة التدبر، وهذه قراءة التفكر. وهذا الحديث: «ألا يحب أحدكم أن يغدوا... أيكم يحب أن يغدوا إلى بطحان فيأتي بناقتين كوما فين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟» قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله. قال: «فإن يغدوا أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية من كتاب الله خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهن من الإبل». فهذه قراءة تعلم وتفهم وتدبر. قال رحمه الله: «وقد صعق جماعات من السلف عند القراءة، ومات جماعات منهم حال القراءة». قال: «روينا عن بهز بن حكيم أن زرارة بن أوفى، التابعي الجليل رضي الله عنه، أمّهم في صلاة الفجر فقرأ حتى بلغ: ﴿إِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، خرّ ميتًا». قال بهز: «فكنت فيمن حمله»، وسنده ضعيف. وقال: «وكان أحمد بن أبي الحواري رضي الله عنه هو ريحانة الشام، كما قال أبو القاسم الجنيد رحمه الله: إذا قرأ عنده القرآن يصيح ويصعق». قال ابن أبي داود: «وكان القاسم بن عثمان الجوعي رحمه الله ينكر ذلك على ابن أبي الحواري، وكان الجوعي فاضلًا من محدثي أهل دمشق، ويقدم في الفضل على ابن أبي الحواري». قال: «وكذلك أنكره أبو الجوزاء وقيس بن حبتر وغيرهما». بالنسبة لتعليقات النووي التي مررنا عليها: قال بهز بن حكيم: «هو بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وبالزاي، زرارة بضم الزاي». نعم. قال: «وكذلك أنكره أبو الجوزاء وقيس بن حبتر وغيرهما». قال النووي رحمه الله: «قلت: والصواب عدم الإنكار إلا على من اعترف بأنه يفعله تصنعًا عنه، والله أعلم». وقال السيد -سنعود إلى هذا-: وقال السيد الجليل ذو المواهب والمعارف إبراهيم الخواص رضي الله عنه: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، وتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين». قال النووي رحمه الله: «الرجل الصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد»، كذا قاله الزجاج وصاحب المطالع وغيرهما. نعم، بالنسبة للغشية والصعق الذي يحصل لبعضهم عند تلاوة القرآن: قد أنكره جماعة من السلف، وأنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا هدي أصحابه؛ فإنهم خير الناس بعد الأنبياء، ومدحهم الله عز وجل فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فما ذكرهم الله عز وجل بالصياح، ولا بالصعق، ولا بالغشيان، ولا بشيء من ذلك، وإنما ذكر كما في هذه الآية: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ ثُمَّ تَلِينُ وَتَخْشَعُ الْقُلُوبُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال قتادة رحمه الله عند هذه الآية: «فهذا الغشيان وهذا الصعق إنما هو من فعل أهل البدع، وإنما هو من الشيطان». لم يكن من هدي السلف أنهم يفعلون ذلك، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخير العمل ما كان عليه أصحابه وما كان عليه السلف الصالح. فليعلم هذا، وخاصة أن هذا قد يكون بالتمرين، يمرن النفس على أن يغشى عليه وأن يصعق وأن يصرخ وأن يصيح وأن يحصل له ما يحصل. لو أنه استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، فإذا حصل له شيء بدون تكلف ففعلا من كمال الخوف والتعظيم والإجلال والخشية حصل له أحيانًا شيء من ذلك، فهذا شيء هجم عليه. أما أنه يتكلف كلما قرأ القرآن صاح أو صعق أو غشي عليه، فهذا لم يكن من هدي السلف. يقول قتادة بالسند الصحيح الذي رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة -رواية معمر عن قتادة فيها شيء بهذا السند- يقول: «هذا من فعل أهل البدع، وإنما هذا من الشيطان». وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.