شرح لامية ابن الوردي 9

شرح لامية ابن الوردي 9

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير الناظم من رفقاء السوء

يوضح الناظم خطورة رفقاء السوء ويحذر منهم، ويبين أن بعض الناس قد يتأذى من النصائح النافعة. ينبغي التمييز بين النصيحة النافعة والكلام المؤذى.

صفات صاحب الحق وانتقاء الرفاق

يوصي النبي بانتقاء الرفاق الصالحين ويحذر من رفيق السوء، كما يوضح أن صاحب الحق ينبغي أن يكون سهلاً وليناً مع من يستحق ذلك، ولكن شديداً على أهل الشر والفساد.

وجوب الأخذ بالنصيحة الصادقة

ينبغي الأخذ بالنصيحة الصادقة وعدم ردها بسبب أخطاء الناصح، كما يجب إكرام من اتصف بالفضيلة والخير، ويجب على المسلم أن يأخذ الحق من حيث جاءه.

ختام المنظومة والتعليق على الأخطاء

تم اختتام المنظومة بالتعليقات المختصرة مع الإقرار بالتقصير والخطأ، والاستغفار والتسليم على النبي محمد، وتم التعبير عن الامتنان لله على الصواب وعن تحمل المسؤولية عن الخطأ.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح لامية ابن الوردي، رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع، من يقرأ اليوم؟ قال الناظم رحمه الله تعالى: «أيها العائب قولي عبثا، إن طيب الورد مؤذل الجعل، عد عن أسهم قولي واستتر، لا يصيبنك سهم من ثعل، لا يغرنك لين من فتن، إن للحيات لينا يعتزل، أنا مثل الماء سهل سائغ، ومتى سُخِّنَ آذى وقتل، أنا كالخيزور صعب كسره، وهو لدن كيف ما شئت فتل، غير أني في زمان من يكن فيه ذا مال هو المولى الأجل، واجب عند الورى إكرامه، وقليل المال فيهم يستقل، كل أهل العصر غمر وأنا منهم، فاترك تفاصيل الجمل». وصلاة الله ربي كلما طلعت الشمس نهارا وأفلت، للذي حاز العلا من هاشم أحمد المختار، من ساد الأول، وعلى آله وصحب سادة، ليس فيهم عاجز إلا بطل. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. مرة أخرى معنا في هذه المنظومة العظيمة، المليئة بالعديد من النصائح والحكم، أنها منظومة جعلها رحمه الله ابن الوردي لولده، وهي كذلك نصيحة من كل أب لولده، وفي ثنايا نصحه ويختم بها هذه المنظومة، وهذه الأبيات يذكر رحمه الله تعالى قوله: «أيها العائب، العائب قولي عبثا، إن طيب الورد مؤذن للجعل». وهذا مر معنا، أنه يريد أن يقول أن بعض الناس قد تؤذيه النصائح، ولو كانت نافعة ومفيدة، وذلك لعلة فيه، كما أن الجعل -وهو تلك الحشرة التي تتغذى على القذر- الجعلان -لي- جاء ذكرها في الحديث، تتأذى من طيب الورد، مع أن طيب الورد يرغبه كل سوي الفطرة، لكن لماذا الجعلان لا ترغب فيه؟ لأن فطرتها ماذا؟ وطريقتها مختلفة. فلذلك ينبغي للإنسان أن يفتش عن نفسه، إذا صار ينفر من ما فيه نصح وحكمة إن عدل وأنصف، فالعيب والعلة فيه. ثم قال رحمه الله: «عدي عن أسهم قولي واستتر، لا يصيبنك سهم من ثعل». وقيل: عدي يعني تعدى، وقيل: أنه بمعنى ارجع. ويريد رحمه الله: لا تعترض، ولكن انتفع بما يأتيك من نصائح فيما تقدم، لأنه الآن يتكلم في سياق من يعيب النصائح، أو من يستثقل هذه النصائح التي أوردها رحمه الله. فكأنه يقول: إن كنت منصفا فاستفد من هذه النصائح، ولا تعرض عنها، فيصيبك ما ذكر منها، فإنه ما ذكرها إلا لأجل ماذا؟ سلامة المنصوح، إلا لأجل سلامة المنصوح. ثم قال، وهو يوصي ويذكر الأمثال التي فيها حكم: «لا يغرنك لين من فتى، إن للحيات لينا يعتزل». وهو يشير بهذا إلى خطورة التساهل في رفقاء السوء، ولو أظهر لك اللين. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من رفيق السوء، فقال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وهذه الخلة التي تقع مع رفيق السوء لا يمكن أن تقع بدون سبب للاغترار، هذا الذي يرتضي خلطة رفقاء السوء عنده أشياء هي شبهة له. فقد يغتر بلين الجانب، والكلام الطيب والمعسول الذي يجده من رفيق السوء، فيكون سببا في جره إلى الشر والفساد الذي عليه ذاك الرفيق السيئ، ومن ذلك لين الكلام أو لين الجانب الذي مثله رحمه الله بلين الحيات. فكأنه يقول: ليس كل لين تجده ينفعك، بل من اللين ما هو أشد عليك من الحيات، الحية فيها لين أو لا فيها لين؟ لكن داخل ومع هذا اللين سم قاتل كما قيل. فإذن هو يحذرك من لين يجرك إلى انحراف وخسارة في الدنيا وفي الآخرة، فكأنه يقول: لا تغتر بكل لين، وإنما العبرة بما فيه منفعة لك في دينك ودنياك، وذلك بأخذ نصائح الناصحين المنصفين. ثم قال: «أنا مثل الماء سهل سائغ، وما تسخن آذى وقتل». والمعنى يقول عن نفسه: وهكذا ينبغي أن يكون صاحب الحق سهل سائغ مع من يستحق هذه السهولة وهذا اللين، وهو في نفس الوقت كالماء أصله سائغ وسهل وعدب، ولكن إذا سخن الماء صار ماذا؟ صار مؤذيا وقاتلا. وانظروا إلى هذا المثل والتشبيه العظيم، أصل الماء فيه هذه الصفات الطيبة، لكن إذا سخن الماء، كذلك الإنسان الطيب إذا أغضب فإنه سيكون كالماء، الماء كيف يسخن بالحرارة فيكون قاتلا، صبما حارا فائرا على الإنسان سيقتله. فكذلك يقول عن نفسه، ويريد بذلك أن صاحب الحق ينبغي أن يكون هكذا سهل وعدب في أصله، ولكن مع أهل الشر والفساد الذين يثيرون يثيرون صاحب الحق ويغضبونه، فإنهم يستحقون السخونة، كالماء يحرق من سخنه. ثم قال: «أنا كالخيزور صعب كسره، وهو لدن كيف ما شئت فتل». كذلك هذا مثال آخر يريد لنفسه ولكل صاحب حق أن يكون كذلك، يعني كن لي كعود الخيزران، فهو لين في الملمس، ولي كذلك بأن تحركه، ولكنه لا ينكسر. والمعنى: كن لينا، وفي نفس الوقت لا يكسرك أحد يا صاحب الحق، لا يكسرك أحد يا صاحب الحق. وهذا هو وصف أهل الإيمان أهل الحق، وهم رحماء بينهم، وفي نفس الوقت شداد على الكفار. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون المسلم مع إخوانه، وهو ليس كذلك مع من كفر بالدين أو استهزأ به أو فجر به ونحو ذلك. ثم قال رحمه الله: «غير أني في زمان من يكن فيه ذا مال هو المولى الأجل». والمعنى أنه ينبغي أن تكون على ثوابت ما سبق علمها من ثبات على الحق والخير والفضيلة، ولا يغرك تغير الزمان بأن يكرموا من كان ذا مال، فليس هو الذي ينبغي أن يكرم، ولو وقع ذلك فلا يضرك ولا يغيرك. كما تقدم معنا في قوله: «خذ بنصل السيف واترك غمده، واعتبر فضل الفتاة دون الحلل». فوصف الإنسان وكماله ليس بما يلبس، ليس بما يلبس، وإنما بما وصف به، بما وصف به. كذلك ليس بما يملك، ولكن بما كان من كريم قوله وفعله. ثم قال رحمه الله: «واجب عند الورى إكرامه، وقليل المال فيهم يستقل». هذا حال كثير من الناس إلا من رحم الله، أن الإكرام يوجبونه على من عنده مال ورفعة دنيوية، وليس من كان عنده الرفعة المعنوية. والأصل هو الثاني، إن أكرمكم عند الله من أتقاكم، ليس أغناكم، وإنما أتقاكم. قال رحمه الله: «كل أهل العصر غمر وأنا منهم، فاترك تفاصيل الجمل». وختم هذا البيت بهذا الاعتراف بالنقص، كأنه يقول: هذا ما كان مني، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله. ومحل كل إنسان التقصير، ومحل كل إنسان التقصير، وهذا من براعة اختتامي أو ختمي هذا النظم رحمه الله. فيقول: «كل أهل العصر غمر وأنا منهم»، يعني كل أهل العصر عندهم نقص كنقص الغمر، وهو الشاب الصغير الذي يحصل منه أخطاء كثيرة. ومعناه كما جاء بالحديث: «كل ابن آدم خطاء»، يعني يحصل منه خطأ كثير. ويقول: «وأنا منهم، لا أبرئ نفسي كذلك، بل أنا منهم، ولا شك أن الإنسان يحاول ويجد ويجتهد في إصلاح نفسه وقلة أخطائه، لكن مع ذلك لن يسلم من خطأ». وإذا حصل الخطأ، هل هذا يمنع أن تأخذ نصح من نصحك وإن كان عنده خطأ؟ الجواب: لا، إن نصحك بعدل وإنصاف، فأنت تقبل منه النصح هذا هو العدل. ولهذا قال: «فاترك تفاصيل الجمل»، يعني لا تجعل تتبع العثرات سببا لرد ما علمت من النصح الصحيح والحكم العادلة التي فيها إنصاف. بل الواجب على المسلم أن يأخذ الحق من حيث جاءه، والحكمة ضالة المؤمن. ثم ختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «وصلاة الله ربي كلما طلعت الشمس نهارا وأفلت، للذي حاز العلا من هاشم أحمد المختار، من ساد الأول، وعلى آله وصحب سادة، ليس فيهم عاجز إلا بطل». ومعنى أن الصحابة رضي الله عنهم ليس فيهم عاجز، بل كلهم سادة مكرمين. وفي هذا رد على الرافضة والناصبة ممن انتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والواجب أن لا يذكرون كما تقدم إلا بالجميل. وبهذا نكون قد انتهينا واختتمنا هذه المنظومة بهذه التعليقات المختصرة، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.