الدرس في شرح مختصر السيرة 36، الدرس السادس والثلاثون : وفيه : ( ومرة كان يصلي عند البيت ... قالوا فينا السقاية فقلنا نعم وذكر نحوه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحدث عن صور أذية قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ودعائه على بعضهم، وقتلهم يوم بدر. كانوا يعلمون صدقه لكنهم جحدوا آيات الله.
أوضح صحة الرواية التي تفيد بأن أبا جهل لم يكذب النبي بل كذب بما جاء به، ونزلت الآية الكريمة في ذلك. استمع أبو جهل لقراءة النبي ليلاً.
ذكر تعنت المشركين وعدم إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وحسدهم له على النبوة، وطلبهم أن يكون النبي رجلاً عظيماً من قريش أو ثقيف.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ومرة كان يصلي عند البيت، ورهط من أشرافهم يرونه، فأتى أحدهم بسل جزور، فرماه على ظهره. ومر معنا أنه قد روي في البخاري من حديث ابن مسعود، وأن الذي فعل ذلك هو عقبة بن أبي معيط، والذي عنده دعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جماعة من هؤلاء الذين تمالأوا على أذيته، عليه الصلاة والسلام، فقال: «اللهم عليك بهذا الملأ من قريش، اللهم عليك بعقبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهم عليك بأمي بن خلف -أو قال: أبي بن خلف- وصوابه أمي، فهو الذي قتل يوم بدر». قال ابن مسعود: ما من واحد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقتل يوم بدر. قال: وكانوا يعلمون صدقه وأمانته، وأن ما جاء به هو الحق، لكنهم كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. ومر معنا كذلك في هذه الآية كلام الحافظ، رحمه الله تعالى، وسيأتي إن شاء الله ما بعده مما يدل على هذا المعنى. وقد أشار الشيخ الألباني، رحمه الله تعالى، في مختصر السيرة إلى صحة هذا الذي روي، وإن كان ضعفه في ضعيف الترمذي، فجاء عن علي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنا لا نكذبك، ولكن مكذب ما جئت به»، فأنزل الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. وقد روي بإسناد فيه ضعف عند الترمذي، وعند غيره بإسناد آخر فيه ضعف، وحسنه الشيخ الألباني، رحمه الله، في صحيح السيرة بمتابعة له، وأشار إلى أن الضياء قد ذكره في المختارة مصححا له بتلك الشواهد والمتابعات. قال رحمه الله تعالى: وذكر الزهري أن أبا جهل وجماعة معه، وفيهم الأخنس بن شريق، استمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الليل، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان -يعني: تنافسون في الشرف- قال: قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذا؟ -يعني: متى يكون كذلك منا نبي؟- والله لا نسمع له أبدا، ولا نصدقه أبدا. وهذا رواه ابن إسحاق، وكذلك رواه البيهقي من طريق ابن إسحاق، عن الزهري مرسلا، وروي كذلك عن سعيد بن المسيب مرسلا بإسناد صحيح. ولهذا حسنه بعض أهل العلم بهذه الطريقين، وبمراسيل أخرى ستأتي إن شاء الله معناها. قال رحمه الله: في رواية: «إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الندوة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم»، وذكر نحوه. وهذه رواية من طريق المغيرة بن شعبة، رواه البيهقي، وأكد كذلك في الدلائل من طريق زيد بن أسلم، عن المغيرة بن شعبة. وجاء كذلك بإسناد آخر في قصة رؤية عاتكة، وسنأتي إن شاء الله بالكلام عليها بموضعها. وجاء كذلك مرسل آخر: أنه قال -أي أبو جهل-: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا -يعني: أنه حسده على كونه ادعى النبوة، ولم تكن النبوة فيه-. ومنه ما جاء في نزول قول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّا نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، فزعموا أنه لو كان نبيا لكان رجل عظيم -يريدون شيخ كبير إما من ثقيف وإما من قريش-، ويرون أن ذلك هو مقتضى العدل بعقولهم، وليس الأمر كذلك. حتى قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -في هذا الأثر-: «لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا». وهذه الآثار والمراسيل مع ما فيها من مرفوع، وفيها ضعف، يشد بعضها بعضا، فيكون هذا المعنى حسن -يعني: ثابت- أنهم حسدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكون الشرف كان فيه، وكان في قومه، وهذا من أعظم الأسباب التي منعت بعض من تبين له الحق من أن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في درس قادم.